آخر ما نشر كارل!

اعترافات متأخرة: الرسالة الأولى

ليس من السهل عليّ أن أتحدث عن النجاح في العمل، لأنني لم أعد أعرف إن كان ما حققته يُسمّى نجاحًا فعلًا، أم أنه مجرد قدرة طويلة على الاحتمال. لقد مرّت أكثر من خمس سنوات منذ حصلت على أول فرصة عمل. بعد سنوات الدراسة والاعتماد على الأهل، بدأت أكسب مالي بنفسي، وأدفع نفقاتي، وأتنقل بين المدن والشركات، وأتولى مسؤولية حياتي. صرت، وفق المعايير الشائعة، شابًا نشيطًا وناجحًا داخل الحياة الاقتصادية. لم أعد أنتظر من أحد أن ينفق عليّ، وأصبحت قادرًا على مساعدة أهلي أحيانًا، والسكن في مكان جيد، وشراء ما أحتاج إليه، والسفر حين تسمح الظروف. من الخارج، تبدو الحكاية مستقيمة: درست، ثم عملت، ثم استقللت، ثم تقدمت. لكنها لا تبدو كذلك من الداخل. في أعماقي، لا أشعر بالفخر الذي يُفترض أن يصاحب هذه الرحلة. أشعر بشيء أقرب إلى خيبة الأمل؛ خيبة لا تتعلق بوظيفة بعينها أو بشركة محددة، بل بالطريقة التي اكتشفت أن الحياة تعمل بها. كنت أظن أن العمل سيمنحني الحرية، ثم وجدت أنه يمنحني قدرًا محدودًا من الحرية مقابل أن يأخذ الجزء الأكبر من وقتي وطاقتي. لقد حررني العمل من الاعتماد على الأهل، لكنه أخضعني لاعتماد آخر: الاعتماد على...

لم تكن لي، لكن قلبي لم يفهم ذلك

 هل يحق لي أن أحب امرأة دفعتها الظروف إلى أن تعيش مع رجل آخر كل الأشياء التي كنت أحلم أن أعيشها معها؟

هل يحق لي أن أحب امرأة أصبحت أمًّا لأطفال ليسوا أطفالي، وصار لها بيت لم أكن أنا بابه، وحياة لم أكن أنا الرجل الذي يقف في قلبها؟

وهل يحق لي، بعد كل هذا، أن أظل مصرًّا على جنون حبي، كأن شيئًا لم يحدث، وكأن السنوات لم تمر، وكأن قلبي لم يتلقَّ الخبر الذي فهمه العالم كله إلا هو؟

أحيانًا أسأل نفسي إن كان ما أفعله وفاءً فعلًا، أم نوعًا آخر من العناد الذي يرتدي ثياب الوفاء كي لا أعترف أنني لا أعرف كيف أعيش بعد خسارتها.

أرفض نساءً لا ذنب لهن.

أبتعد عن وجوه جميلة، وعن قلوب ربما كانت ستعاملني برحمة، وعن أيدٍ ربما كانت ستدفئ هذه اليدين اللتين صارتا باردتين دائمًا.

أفعل ذلك لأن شيئًا في داخلي يقول لي إنني إن أحببت امرأة أخرى فسأكون خائنًا للحب الأول، وإن ابتسمت بصدق لامرأة أخرى فسأكون قد أنكرت كل تلك الليالي التي بكيت فيها من أجلها.

ولا أعرف من أين جاءتني هذه القسوة.

لا أعرف من زرع في داخلي هذه المحكمة التي لا تنام.

محكمة لا تعترف بالظروف، ولا بالزمن، ولا بالمنطق، ولا بحقيقة أن بعض القصص تنتهي رغم صدقها.

كل ما تعرفه أن تقول لي:

إن كنت قد أحببتها حقًا، فتحمّل.

إن كنت قد قلت إنك لن تنساها، فلا تنسها.

إن كنت قد وعدت قلبك بها، فلا تغيّر وعدك لمجرد أن الحياة غيّرت كل شيء.

وأقف أمام هذه الروح داخلي مثل متهم لا يملك دفاعًا عن نفسه.

أقول لها: لقد تعبت.

فتقول: وما علاقة التعب بالوفاء؟

أقول لها: أنا وحيد.

فتقول: أليس هذا ما اخترته حين قلت إنك لن تستبدلها بأحد؟

أقول لها: أخاف أن تمر حياتي كلها هكذا.

فترد عليّ ببرود مرعب:

إذا لم تكن قادرًا على أن تموت وحيدًا من أجل حب قلت إنه حقيقي، فما قيمة أن تعيش بين أحضان امرأة أخرى بينما قلبك ينادي باسم امرأة ليست هي؟

وهنا تبدأ مصيبتي الحقيقية.

لأنني لا أعرف إن كان هذا الصوت ضميري، أم جرحي، أم مرض الحزن حين يتنكر في صورة مبدأ أخلاقي.

لا أعرف إن كنت وفيًّا أم أنني أعاقب نفسي.

ولا أعرف إن كان الحب الذي بداخلي ما زال حبًا، أم صار سجنًا بنيته بيدي ثم نسيت أين وضعت المفتاح.

كل يوم جديد أصبح غريبًا عليّ.

أستيقظ أحيانًا وأتمنى لو أنني فتحت عيني في عالم آخر، عالم لا يعرفني فيه أحد، ولا أعرف فيه أحدًا، عالم الأشباح ربما، حيث لا توجد ذاكرة تسألني في الصباح: هل تذكرتها؟

ولا توجد أغانٍ تعيد وجهها فجأة.

ولا طرق تشبه الطرق التي مشينا فيها.

ولا أسماء أطفال تجعلني أفكر في الأطفال الذين حلمت يومًا أن يكونوا لنا.

ولا بيوت مضاءة ليلًا تجعلني أتخيل بيتًا كان يمكن أن يكون بيتنا ولم يكن.

أريد عالمًا لا تاريخ لي فيه.

لأن التاريخ صار أثقل من قلبي.

صرت أحيانًا غير قادر على احتمال نفسي.

أنظر إلى المرآة فأشعر أنني أعرف هذا الوجه ولا أعرف الرجل الذي يسكن خلفه.

كأنني أرى شخصًا عاش أكثر مما ينبغي في غرفة مغلقة، حتى اعتادت عيناه الظلام وصار الضوء نفسه يؤلمه.

أمسك هاتفي وأفكر أن أتصل بأمي.

أريد فقط أن أسمع صوتها.

أريد أن أقول لها: أمي، أنا تعبت.

لا أريد نصيحة.

لا أريد حكمة.

لا أريد أحدًا أن يخبرني أن الأيام ستصلح كل شيء.

أريد فقط أن أبكي وأنا أعرف أن هناك إنسانًا في الطرف الآخر يسمع هذا البكاء ولا يهرب منه.

لكنني حين تقترب أصابعي من زر الاتصال أتراجع.

أقول لنفسي: لماذا أقلقها؟

لماذا أجعلها تسمع صوت ابنها هكذا؟

ثم أقطع الاتصال قبل أن يبدأ.

وأبكي وحدي.

ثم أكره نفسي لأنني بكيت وحدي.

وأقول إنني سأخرج لأتمشى قليلًا.

سأرى الناس.

سأشتري قهوة.

سأمشي بلا هدف حتى يتعب جسدي فيسكت رأسي.

أرتدي ملابسي أحيانًا، أصل حتى الباب، ثم ينطفئ كل شيء بداخلي.

أعود إلى السرير.

ليس لأنني أريد النوم حقًا.

لكن لأن النوم هو المكان الوحيد الذي لا يُطلب مني فيه أن أقرر ماذا سأفعل بحياتي.

أنام ساعات طويلة.

أحيانًا أشعر أنني قادر على أن أنام يومين أو ثلاثة لو تركني العالم وشأني.

ليس لأنني أحب النوم.

ولكن لأن الاستيقاظ صار مسؤولية ثقيلة.

والمشكلة الأكبر أنني اكتشفت متأخرًا شيئًا لم يقل لي عنه أحد.

لم يخبرني أحد ونحن صغار أن الإنسان يستطيع أن يحب بصدق ولا يحصل على الحب الذي حلم به.

لم يخبرني أحد أن الإخلاص لا يضمن النهاية السعيدة.

وأن قلبك قد يكون صادقًا تمامًا، ثم تخسر مع ذلك.

أنك قد تعطي إنسانًا أجمل ما لديك، ولا تصبح أنت النهاية التي اختارها.

وأن الحياة لا تعمل دائمًا بالعدل العاطفي الذي تخيلناه.

كنت أعتقد، بسذاجة ربما، أن الحب الحقيقي يكفي.

أن الإنسان حين يجد من يحب، ثم يخلص له، ويصبر، ويحلم، ويتمسك، لا بد أن يحصل في النهاية على شيء يشبه العدالة.

لكنني فهمت بعد فوات الأوان أن الحياة لا تكتب القصص بهذه الطريقة.

أحيانًا تكون صادقًا، ويكون الفراق صادقًا أيضًا.

أحيانًا تحب، ولا تصل.

أحيانًا يصل شخص آخر إلى المكان الذي قضيت عمرك وأنت تتخيل أنك ستصل إليه.

وهذا ما قتل شيئًا بداخلي.

ليس لأنها أصبحت مع رجل آخر فقط.

وليس لأنها صارت أمًّا فقط.

بل لأن هناك تفاصيل كنت قد وضعتها في مستقبلي، ثم رأيتها تتحقق في مستقبل لا وجود لي فيه.

وهذه قسوة يصعب شرحها.

أن ترى حلمك حيًّا، لكنك لست بداخله.

كأن تقف خارج نافذة بيت مضاء، وتشاهد الحياة التي كنت تظن يومًا أنها حياتك.

ولا تستطيع أن تقول إن البيت سُرق منك، لأن أحدًا لم يعدك به.

ولا تستطيع أن تقول إنه حقك، لأن الحب لا يعطي عقود ملكية.

ولا تستطيع حتى أن تغضب منها كما ينبغي، لأن جزءًا منك يعرف أنها كانت أيضًا إنسانة تحاول أن تعيش حياتها.

فتبقى غاضبًا من شيء لا اسم له.

من الزمن.

من الظروف.

من نفسك.

من قلبك.

من كل الاحتمالات التي كان يمكن أن تحدث ولم تحدث.

ثم بدأت أحاول التعرف إلى نساء أخريات.

قلت لنفسي: ربما أحتاج فقط أن أبدأ من جديد.

ربما الحب مثل المدن؛ إذا فقدت مدينة تستطيع السفر إلى مدينة أخرى.

لكنني اكتشفت أنني كنت أدخل كل علاقة جديدة وأنا أحمل أنقاض المدينة القديمة في حقيبتي.

أجلس أمام امرأة جميلة وطيبة، فتكلمني، وأسمعها، لكن جزءًا مني يكون في مكان آخر.

تسألني عن نفسي، فأجيبها.

تضحك، فأبتسم.

تنظر في عينيّ طويلًا، ثم أشعر بالخوف.

لأنني أعرف أنها سترى شيئًا أحاول أن أخفيه.

وفي كل مرة تقريبًا تأتي اللحظة نفسها بشكل مختلف.

امرأة تقول لي:

أنت طيب، لكنك بعيد.

وأخرى تقول:

أشعر أنك حزين حتى وأنت تضحك.

وأخرى تمسك يدي وتقول:

يداك باردتان دائمًا.

وأخرى تنظر إلى عينيّ بصمت، كأنها فهمت شيئًا، ثم تقول الجملة التي أخاف منها:

ليت رجلًا مثلك يحبني كما تبدو عيناك وكأنهما تحبان امرأة أخرى.

حين أسمع ذلك أشعر بالعار.

ليس منها.

من نفسي.

أشعر أنني ظلمتها لمجرد أنني جلست أمامها وأنا أعرف أن في داخلي غرفة لا تزال تسكنها امرأة غائبة.

أعود إلى البيت وأقول:

أرأيت؟

أنت غير قادر على الحب.

أنت انتهيت.

أنت تصلح للحنين فقط.

ثم تبدأ المحكمة من جديد.

وأصبح أنا القاضي والمتهم والجلاد.

وأحيانًا، حين يصل الحزن إلى أقصى مكان يستطيع الوصول إليه، تمر في رأسي فكرة مخيفة:

ربما سيكون الموت أرحم من هذا كله.

ليس لأنني أريد حقًا أن تكون نهايتي هكذا.

بل لأنني في تلك اللحظة لا أرى كيف يمكن للحياة أن تتغير.

وحين يعجز الإنسان عن تخيل مستقبل مختلف، يبدأ الألم بإقناعه أن عدم وجود المستقبل أفضل من مستقبله الحالي.

وهذه الفكرة تخيفني.

تخيفني لأنها تأتي من داخلي بصوتي أنا.

لكنني أعرف، في مكان ما ما زال حيًّا في داخلي، أن الألم حين يتكلم لا يقول الحقيقة كاملة.

وأعرف أن موتي لن يجعل حبي أنقى.

لن يجعلني أكثر وفاءً.

لن يعيدها.

لن يصلح ما حدث.

سيعني فقط أن الحزن أخذ مني أكثر مما كان من حقه أن يأخذ.

لكنني متعب.

متعب جدًا من مقاومة نفسي.

ولا أعرف كيف أعود إلى الرجل الذي كنت عليه قبلها.

وأحيانًا أظن أن هذا هو السؤال الخطأ.

ربما لن أعود إليه.

ربما بعض الناس لا يعودون أبدًا إلى النسخة السابقة منهم.

ربما يخرجون من الحب مختلفين.

وأنا لا أريد أن أصبح رجلًا بلا ذاكرة.

ولا أريد أن أمحوها من حياتي كأنها لم تكن.

ولا أريد أن أكذب على نفسي وأقول إنها كانت مجرد امرأة وستأتي غيرها.

لا.

لقد أحببتها.

أحببتها بصدق.

وهذا جزء من تاريخي ولن أنكره.

لكنني بدأت أخاف من شيء آخر:

أن أحوّل صدق هذا الحب إلى قبر أعيش داخله وأنا ما زلت حيًا.

ماذا لو كان الوفاء الحقيقي لا يعني أن أتوقف عن الحياة؟

ماذا لو كان بإمكاني أن أقول:

نعم، أحببتها أكثر مما أحببت أحدًا.

نعم، تمنيت أن تكون زوجتي.

نعم، تخيلتها أمًّا لأطفالي.

نعم، يؤلمني أنها عاشت حياة أخرى.

نعم، جزء مني قد يحبها بطريقة ما لسنوات طويلة.

ثم أقول بعد كل ذلك:

لكنني لا أريد أن أموت بسبب هذا الحب.

لا أريد أن أعاقب نفسي لأن الحياة لم تمنحني ما طلبته منها.

ولا أريد أن أستخدم امرأة أخرى مخدّرًا كي أنساها.

وفي الوقت نفسه لا أريد أن أغلق قلبي إلى الأبد حتى أثبت لإنسانة رحلت أنني كنت صادقًا.

أنا لا أحتاج إلى امرأة الآن كي تنقذني.

ربما أحتاج أولًا أن أتعلم كيف أجلس مع نفسي دون أن أكرهها.

كيف أتصل بأمي حين أريد البكاء ولا أقطع الاتصال.

كيف أخرج من البيت حين أقول إنني سأخرج.

كيف أسمح لنفسي أن أعيش يومًا لا يدور كله حول من فقدت.

كيف أتعلم أن الذكرى ليست أمرًا يجب أن أنفذه.

وأن الحب ليس حكمًا مؤبدًا.

وأن الوفاء ليس أن أقتل كل فرصة للحياة كي أحافظ على نقاء قصة انتهت.

وربما كان وفاءي لها خيانة لنفسي...

حين أقنعت نفسي أن قيمتها مرتبطة بامرأة لم تعد في حياتها.

وحين جعلت من الحزن هوية.

ومن الانتظار أخلاقًا.

ومن الوحدة بطولة.

ومن العذاب دليلًا على صدق الحب.

أنا لا أعرف كيف سأخرج من هذا.

ولا أريد أن أكتب نهاية مزيفة وأقول إنني أصبحت بخير.

أنا لست بخير.

هذه هي الحقيقة.

ما زلت أشتاق.

ما زلت أحزن.

ما زلت أغار من حياة لم تعد تخصني.

وما زالت هناك ليالٍ أشعر فيها أن قلبي فارغ إلى درجة مرعبة.

لكن ربما أول خطوة ليست أن أنساها.

ربما أول خطوة أن أتوقف عن إيذاء نفسي باسمها.

أن أعترف بأنني أحببتها.

وأنني خسرتها.

وأن هذا مؤلم.

وأنني ما زلت، رغم كل شيء، إنسانًا يحق له أن يعيش.

لا لأن الحب كان كذبة.

بل لأن الحب كان حقيقيًا.

ولأن حقيقة الحب لا تُثبت بالموت.

ربما تُثبت بشيء أصعب:

أن تحمل أثره فيك، ثم تمضي.

لا خائنًا.

ولا ناسيًا.

ولا منتصرًا.

فقط إنسانًا جُرح بعمق، ولم يسمح للجرح أن يصبح النهاية.

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")