آخر ما نشر كارل!

أنا ناجح لكنني لست بخير

ليس من السهل عليّ أن أتحدث عن النجاح في العمل، لأنني لم أعد أعرف إن كان ما حققته يُسمّى نجاحًا فعلًا، أم أنه مجرد قدرة طويلة على الاحتمال.

لقد مرّت أكثر من خمس سنوات منذ حصلت على أول فرصة عمل. بعد سنوات الدراسة والاعتماد على الأهل، بدأت أكسب مالي بنفسي، وأدفع نفقاتي، وأتنقل بين المدن والشركات، وأتولى مسؤولية حياتي. صرت، وفق المعايير الشائعة، شابًا نشيطًا وناجحًا داخل الحياة الاقتصادية. لم أعد أنتظر من أحد أن ينفق عليّ، وأصبحت قادرًا على مساعدة أهلي أحيانًا، والسكن في مكان جيد، وشراء ما أحتاج إليه، والسفر حين تسمح الظروف.

من الخارج، تبدو الحكاية مستقيمة: درست، ثم عملت، ثم استقللت، ثم تقدمت.

لكنها لا تبدو كذلك من الداخل.

في أعماقي، لا أشعر بالفخر الذي يُفترض أن يصاحب هذه الرحلة. أشعر بشيء أقرب إلى خيبة الأمل؛ خيبة لا تتعلق بوظيفة بعينها أو بشركة محددة، بل بالطريقة التي اكتشفت أن الحياة تعمل بها. كنت أظن أن العمل سيمنحني الحرية، ثم وجدت أنه يمنحني قدرًا محدودًا من الحرية مقابل أن يأخذ الجزء الأكبر من وقتي وطاقتي.

لقد حررني العمل من الاعتماد على الأهل، لكنه أخضعني لاعتماد آخر: الاعتماد على الراتب. أصبحت حرًا في اختيار بعض ما أشتريه، لكنني لست حرًا في التوقف عن البيع. أبيع وقتي، وانتباهي، وساعات الصباح، وأيام الأسبوع، وأحيانًا صحتي النفسية، ثم أحصل في نهاية الشهر على مبلغ يسمح لي بالاستمرار في العملية نفسها.

لهذا بدأت أرى العمل بوصفه نوعًا متقدمًا من السجن. ليس سجنًا بالمعنى المباشر؛ فأنا أستطيع الاستقالة نظريًا، ولا أحد يقيدني إلى مكتبي. لكن الاستقالة ليست حرية حقيقية حين يكون ثمنها فقدان الدخل والسكن والاستقرار والقدرة على مساعدة الأسرة. الباب مفتوح، نعم، لكن الخروج منه مكلف إلى درجة تجعل بقاءه مفتوحًا بلا معنى تقريبًا.

وحين أسأل نفسي: لماذا أعمل؟ لا أجد جوابًا صادقًا غير المال.

لا أعمل لأنني وجدت رسالتي في الحياة، ولا لأن الوظيفة تعبّر عن جوهري، ولا لأنني أستيقظ كل صباح متحمسًا للمساهمة في مشروع أكبر مني. أعمل لأنني أحتاج إلى المال، ولأن الحياة من دونه تصبح أكثر قسوة وإذلالًا. أعمل لأدفع ثمن البيت والطعام والملابس والسفر، ولأساعد أهلي في أوقات الضيق، ولأحمي نفسي من السقوط.

هذه أسباب حقيقية، لكنها لم تعد تبدو كافية.

فالمال الذي أحصل عليه لا يبقى طويلًا، والأشياء التي أشتريها لا تغيّر شيئًا جوهريًا. أشتهي شيئًا، أشتريه، أفرح به قليلًا، ثم يفقد بريقه. أسافر، ألتقط الصور، أعود، ثم أجد الحياة القديمة تنتظرني. أساعد شخصًا من العائلة، فأشعر أنني قمت بواجبي، لكنني أكتشف لاحقًا أنني لم أترك لنفسي شيئًا أبني به مستقبلي.

بعد أكثر من خمس سنوات من العمل، أسأل نفسي: أين النتيجة؟

لم أشتر بيتًا، ولم أبن مشروعًا، ولم أحقق استقلالًا ماليًا حقيقيًا، ولم أستثمر بما يكفي. لم أصنع شيئًا يمكنني أن أنظر إليه فأقول إن سنوات التعب تحولت إليه. كل ما جمعته تقريبًا اختفى بين تضامن اجتماعي لم أستطع رفضه، ومصاريف ضرورية، وشهوات قصيرة، ومحاولات لتعويض نفسي عن تعب العمل.

حتى هويتي لم أستطع بناءها.

تنقلت بين شركات ومدن وتجارب مختلفة. في كل مرة كنت أبدأ من جديد، وأتعلم لغة المكان، وأتأقلم مع ناسه، وأحاول إثبات نفسي. لكن كثرة الانتقال لم تصنع مني شخصًا أكثر وضوحًا؛ ربما صنعت شخصًا يعرف كيف يتكيف، لكنه لا يعرف أين ينتمي.

لا أشعر أنني بنيت مسارًا. أشعر أنني انتقلت فقط من محطة إلى أخرى، مدفوعًا بالحاجة والفرصة والخوف من التوقف. كنت أتحرك، لكنني لم أكن دائمًا أختار الاتجاه.

أرى الناس من حولي يتنافسون كما لو أن الجميع يعرفون إلى أين يذهبون. يتحدثون عن الرواتب والترقيات والمناصب والسيارات والاستثمارات. يقيس بعضهم قيمة بعض من خلال ما يملكونه أو أسماء الشركات التي يعملون فيها. وكلما نجح أحد، ارتفع موقعه في هذا الترتيب غير المعلن.

وربما أعيش أنا أيضًا في موقع يعتبره آخرون جيدًا. ربما ينظر إليّ شخص في بداية طريقه ويرى ما وصلت إليه حلمًا. لكنني لا أستطيع أن أبادله النظرة نفسها، لأنني أعرف الثمن الذي لا يظهر في الصورة.

أعرف عدد الساعات التي ضاعت في أعمال لا أتذكرها الآن. أعرف الاجتماعات التي لم يكن لها أثر، والمهمات التي كانت عاجلة ثم صارت بلا قيمة بعد أسبوع، والمشكلات التي استهلكت أعصابي قبل أن ينساها الجميع. أعرف كيف يمكن أن ينتهي يوم كامل من العمل من دون أن أشعر أنني صنعت شيئًا يبقى.

والأصعب أنني بدأت، خلال الأشهر الأخيرة، أفقد قدرتي حتى على تمثيل الحماس.

لم أعد أعمل كما كنت في البداية. صرت أغيب عن بعض الاجتماعات، أو أنام بدل أن أستعد لها، أو أؤجل الأعمال حتى تصبح خطرًا. أفتح الحاسوب ولا أجد في داخلي رغبة حقيقية في البدء. أحيانًا أحضر بجسدي، لكنني أكون غائبًا من الداخل، كأن شخصًا آخر يقوم بالحد الأدنى من الحركة نيابة عني.

أعرف أن هذا السلوك قد يجعلني أخسر عملي. الشركات لا تدفع للموظف مقابل صدقه الوجودي، ولا تعتبر فقدان المعنى سببًا كافيًا للتقصير. ما سيظهر في النهاية هو أنني غبت، أو تأخرت، أو لم أنجز المطلوب. لن يظهر الصراع الداخلي في تقرير الأداء، ولن يسأل النظام عادة إن كان الإنسان الذي أخفق قد أمضى ليلته يحاول أن يفهم لماذا يعيش بهذه الطريقة.

سيقال ببساطة إن أدائي تراجع.

وقد يعاقبني العالم على ذلك. فأنا أقترب من الثلاثين، وهذا هو العمر الذي يُفترض أن يصبح فيه الإنسان أكثر استقرارًا وانضباطًا، لا أكثر شكًا وتشتتًا. يُفترض أن أكون قد فهمت قواعد اللعبة، وأن أواصل اللعب بجدية، وأن أحمي ما بنيته. لكنني، في الوقت الذي كان ينبغي أن أزداد فيه ثقة، بدأت أفقد إيماني بالطريق كله.

لست شخصًا سيئًا. ولست كسولًا بالمعنى البسيط للكلمة. لقد عملت واجتهدت وتحملت ما يكفي كي أصل إلى هنا. لكن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى سبب أخلاقي كي ينهار. أحيانًا يكفي أن يستمر طويلًا في فعل شيء لم يعد يرى معناه.

المشكلة أن فهمي لهذه الحقيقة لا ينقذني. الوعي لا يمنحني بديلًا، ولا يدفع فواتيري، ولا يعفيني من الاجتماعات. كل ما يفعله هو أنه يجعلني أرى القفص بوضوح أكبر، من دون أن يمنحني مفتاحًا للخروج منه.

ولا أستطيع أن أخدع نفسي بالقول إن الحل بسيط: أن أستقيل، أو أبدأ مشروعًا، أو أسافر، أو أتبع شغفي. هذه العبارات تبدو جميلة حين تُقال من بعيد. أما في الواقع، فالاستقالة قد تعني البطالة والخوف والندم. والمشروع يحتاج إلى مال وطاقة وانضباط، وهي أشياء لا أملك منها الآن ما يكفي. والسفر ينتهي بالعودة. أما الشغف، فلا أعرف إن كان موجودًا أصلًا، ولا إن كان قادرًا على تحمل الإيجار وبقية الأعباء.

ربما أستطيع تغيير الشركة، لكنني أخشى أن يتغير المكتب وتبقى المشكلة. ربما أستطيع الحصول على راتب أعلى، لكنني لا أظن أن رقمًا أكبر سيجيب عن السؤال. وربما أستطيع أخذ إجازة، لكن الإجازة ستنتهي، وسأعود إلى المكان نفسه والأسئلة نفسها.

لا أملك حلًا واضحًا لهذه المفارقة.

العمل ضروري لمستقبلي، لكن المستقبل الذي أعمل من أجله لا يبدو مرتبطًا فعلًا بكمية المال التي سأجمعها أو الأشياء التي سأشتريها. وفي الوقت نفسه، لا أستطيع تجاهل المال أو التصرف كأنني أعيش خارج الواقع. أنا عالق بين حياة لا أقتنع بها، وعدم قدرة على تحمّل ثمن الخروج منها.

أخشى أن أخسر عملي بسبب هذا الفراغ، لكنني أخشى أيضًا أن أحافظ عليه سنوات أخرى ثم أكتشف أنني خسرت شيئًا أكبر لا أعرف كيف أستعيده. أخشى البطالة، وأخشى الاستمرار. أخشى الفشل، لكن النجاح بالشكل الذي عرفته لم يعد يغريني.

ربما لا توجد نهاية جميلة لهذه الحكاية الآن. لا أستطيع أن أقول إنني وجدت المعنى، ولا إنني تعلمت الموازنة، ولا إن الأزمة جعلتني أقوى. ما زلت أستيقظ وأذهب إلى عملي في معظم الأيام لأنني أحتاج إلى الراتب، وأتعثر في أيام أخرى لأنني لم أعد قادرًا على إقناع نفسي بأن كل هذا طبيعي.

كل ما أعرفه أنني نجحت بالطريقة التي يفهمها العالم، ومع ذلك لم أصل إلى حياة أشعر بأنها تخصني.

وأنني، في هذه اللحظة، لا أبحث عن نصيحة تخبرني بأن أكون ممتنًا أو إيجابيًا. أبحث فقط عن طريقة تمنعني من خسارة عملي قبل أن أفهم إن كنت أريد إنقاذ هذه الحياة، أم تغييرها، أم أنني ببساطة لم أعد أعرف ماذا أريد.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")