المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2026

أنهار في داخلي لا تعرف البحر

  هنالك من الندم أنهارٌ لا تهدأ، تجري في داخلي بلا مصبّ، كأنها خُلقت لتبقى، لا لتصل . وهنالك من أصوات الألم ما لا يكفّ عن التردّد، كصدى ضائع في كهوف الروح، كلما خفت عاد أشدّ وضوحًا . كلما حاولت أن أستنشق لحظةً من الراحة، تسللت إليّ رائحة القلق، كثيفةً، عنيدة، كأنها تعلّمت اسمي، وكأنها أقسمت أن تسكنني قبل أن أسكنها . أيها القدر، يا من تُخفي في طيّاتك خرائط لا نقرأها، دعني أسألك، وأجبني إن كان للصدق مكان في صمتك : لماذا كل هذا الإلحاح من الماضي؟ لماذا يعود كضيفٍ ثقيل، لا يستأذن، ولا يرحل؟ ولماذا يبدو المستقبل كمرآةٍ مكسورة، تعكس احتمالاتٍ مشوّهة، تثير فيّ الشك أكثر مما تثير الأمل؟ ألم يكن من العدل أن يُدفن ما انتهى، وأن يُمنح ما لم يأتِ بعدُ بعض الطمأنينة؟ أيها الإله الجميل، الذي ترتفع إليه الأيادي قبل الكلمات، وتسبقه إليه الدموع قبل الدعاء، أخبرني، أين تكمن الحكمة في هذا الاضطراب العميق الذي يُسمّى شعورًا؟ لماذا خُلقت هذه العاطفة البشرية بهذا الاتساع، حتى تكاد تبتلع صاحبها؟ ألم ترَ ما حاول الإنسان فهمه، وما بلغته علوم النفس من تحليلٍ وتشريحٍ لما في داخله؟ فلماذا، رغم كل ه...

أن تعيش و لا تفهم

  كم مرة وقفتُ عند حافة هذا السؤال، كأنني أقف عند شاطئ لا ينتهي، أحدّق في أمواج الحياة وهي تتكسّر أمامي، لا أفهم إن كانت تدعوني للغوص أم تحذرني من العمق… كلما حاولتُ أن أكون خفيفًا، نقيًّا، كأنني خيط من نور يمشي على استقامة لا تنحني، تفاجئني الحياة بانحناءات حادة، بتفاصيل صغيرة لكنها موجعة، كأنها تختبر صلابتي، أو ربما تسخر من فكرتي عن الصفاء… فأعود متسائلًا : هل النقاء سذاجة؟ أم أن العالم أثقل من أن يحتمل قلبًا خفيفًا؟ ثم، حين أتعب… حين أترك نفسي تسقط قليلًا، لا كخيانة بل كاستراحة، أجدني أنجرف في طرق لا تشبهني، أرتكب أخطاء لا أشعر أنها أنا، وكأنني أراقب نفسي من بعيد، بلا تدخل، بلا مقاومة… لكن ما إن تهدأ تلك العاصفة، حتى ينهض داخلي قاضٍ لا ينام، يحاسبني، يرهقني، يعيدني إلى نقطة البداية، مثقلًا بشعور لا يمكن الهروب منه… فأي طريق هذا الذي لا يرحم في الاتجاهين؟ إن استقمتُ، تعثرتُ بما لا أفهم… وإن انحرفتُ، تعثرتُ بنفسي… أحاول أحيانًا أن أعيش بلا تفسير، أن أطفئ هذا الصوت الذي يسأل، أن أكون كمن يمرّ بالحياة مرورًا عابرًا، لا يعلّق، لا يحكم، لا يغوص… لكن حتى هذا الهروب لا يكتمل، ...

رجل من زمنين

  كنت جالسا بجانب أختي و أمي، و كان المساء هادئا، ضوء أصفر خفيف يملأ الغرفة، و رائحة الشاي تتصاعد ببطء، و كنا نتبادل أطراف الحديث و نضحك على تفاصيل صغيرة ربما لو حكاها أحد لغيرنا لما بدت مهمة، لكننا كنا نعيشها بصدق ... و كان الحديث يدور حول ما حدث صباحا، ذلك الصباح الذي بدأت فيه الحكاية كلها . استيقظت مبكرا، و كان في داخلي شعور غريب، ليس حماسا فقط، بل شيء يشبه النداء ... نداء بعيد، كأن أحدا من زمن آخر يهمس لي : لا تنس من أنت . ذهبت إلى أبي و قلت له ببساطة إنني أريد أن أشتري الزي التقليدي الذي كان يلبسه أجدادنا، أريد جلبابا حقيقيا، و رزة أمازيغية، و بلغة جلدية كما كانوا يفعلون ... نظر إلي باستغراب، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من الحنين و شيء من الاعتراض . قال لي إن تلك الأيام كانت صعبة، و أن اللباس لم يكن اختيارا بل واقعا، و أنه عاش تلك المرحلة بكل تفاصيلها، و لا يريد لي أن أعيشها أو أعود إليها، ربما كان يرى في الأمر رجوعا إلى الوراء، أو ربما كان يخاف أن أختار طريقا يشبه التعب الذي عرفه هو . لكنني لم أكن أبحث عن التعب، و لا عن الماضي كما هو، كنت أبحث عن رمزه فقط ... تشبثت بفكر...