المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

لهذا السبب أبتسم أحيانا

  لا أتعجب من الناس الذين ينامون مطمئنين.. بل أكاد أحسدهم أحيانًا. تخيل أن تستيقظ كل صباح، فتجد العالم مرتبًا في رأسك كما رتبه لك أحدهم منذ طفولتك؛ الخير هناك، والشر هنا، الحقيقة مكتوبة، والخطأ محفوظ في هامش الصفحة، وما عليك إلا أن تعيش حتى تموت، ثم تموت وأنت مقتنع أنك كنت تعرف لماذا عشت . يا لها من نعمة . أما أنا، فقد وُلدت بعقل لا يحترم الأدب . كلما جلس أمام فكرة، بدأ يسألها عن هويتها، وعن شهادة ميلادها، وعن عدد الأكاذيب التي مرت بها حتى وصلت إلينا في هذه الهيئة الجميلة . كبرت في بيت لم يبخل علي بشيء. أمي علمتني أن الخير موجود، وأن الناس، مهما قست قلوبهم، يبقى في داخلهم شيء من الرحمة. وأخوالي وأعمامي علموني أن الرجل يجب أن يكون مستقيمًا، وأن العمل عبادة، وأن الدراسة طريق النجاة، وأن الله لا يترك أحدًا، وأن الصبر مفتاح الفرج . ولسنوات، كنت أردد كل ذلك كما يردد الأطفال أسماء الشوارع التي لم يختاروها . ثم كبرت . واكتشفت أن أكثر ما يخيف الإنسان ليس الكذب، بل احتمال أن تكون الحقيقة أقل جمالًا من الأكاذيب التي تربى عليها . يقولون إن الدين يمنح السلام . ربما . لكنني ...

قصيدة حرة: دموع حمراء

  كنت أجري كأرنبٍ على بساط أحلامي هذا الصباح. كانت الأرض أخف من قدمي، وكان الهواء يفتح لي الأبواب دون أن أطلب منه ذلك. كنت كشروق الشمس في ربيعٍ جميل، أولد كل ثانية، وأظن أن العالم يبدأ معي. أقفز بين فرحةٍ وأخرى، كطفلٍ لم يتعلم بعد أن للأيام أنياباً. كنت أضحك دون سبب، وأصدق ضحكتي كأنها الحقيقة الوحيدة. كنت واثقاً من هلوساتي، أعاملها كما يعامل الناس ذكرياتهم القديمة. كنت مؤمناً بخرافاتي، أحملها في جيبي، وأخاف أن تضيع أكثر مما أخاف أن أضيع أنا. كنت أظن أن الغيوم تسير فوق رأسي كي تحميني من الشمس. وأن الريح حين تناديني باسمي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. كنت أظن أن الطريق ينتهي دائماً عند بابٍ مفتوح. وأن التعب مجرد كلمة اخترعها الغرباء. لكن... كل شيء كان مخطئاً. وفي لحظةٍ لا أعرف من أين جاءت، رأيت المرآة. لم تكن معلقةً على الجدار، بل كانت كأنها تنتظرني منذ سنوات. اقتربت. ورأيت رجلاً آخر لا يشبهني. كان يحمل وجهي، لكن ملامحه كانت أثقل من العمر. يذرف دموعاً حمراء، كأن قلبه ذاب قبل عينيه. وعيناه لا تشعان. كان الضوء يمر من أمامهما ولا يدخل. وكان الصمت يجلس على كتفيه كطائرٍ لا يريد الطيران. رأيت...

في انتظار حكيم

  ربما هذه هي نهايتي، أو هكذا يقنعني رأسي كل صباح، مع أنني أعرف جيدًا أنه ممثل بارع في المبالغة. ففي الأمس فقط، كنت مقتنعًا بأنني سأبدأ حياة جديدة، واليوم أنا مستعد لكتابة وصيتي لأنني لم أنهض من السرير قبل العاشرة. أفقد السيطرة على نفسي يومًا بعد يوم، كأنني شمعة وُضعت في منتصف صيف الجنوب الشرقي، لا في غرفة هادئة كما ينبغي للشموع أن تعيش. تذوب بصمت، تحاول أن تحافظ على هيئتها، بينما الحرارة لا تكترث بمشاعرها أصلًا. والأسوأ من ذلك أن النهار لم يبلغ ذروته بعد. ما زالت الشمس في منتصف دوامها، وكأنها موظفة حكومية تؤدي عملها بإخلاص نادر، أما أنا فأؤدي دوري كشمعة تظن أنها تستطيع التفاوض مع النار. أتعجب، واندهش، وأحيانًا أضحك من نفسي. كيف يمكن لشاب مثلي، كبر في الجنوب الشرقي، بين جبال تعرف الصمت أكثر مما تعرف الضجيج، وفي بيت محافظ كانت الأشياء فيه واضحة إلى حد الملل؛ الحلال واضح، والحرام واضح، والواجب واضح، وحتى المستقبل كان يبدو كأنه مكتوب بقلم رصاص لا يمحى... كيف انتهى بي المطاف إلى هذا التيه الفاخر؟ لقد تربيت على أن لكل سؤال جوابًا، فإذا بي أكتشف أن الحياة تحب الأسئلة أكثر من الإجابات. وك...