المشاركات

آخر ما نشر كارل!

التكرار الذي يأكل الروح

  أحيانا أشعر أنني أعيش داخل رأسي أكثر مما أعيش داخل العالم. كأنني منذ سنوات لم ألمس الأشياء حقا، بل فقط أفكر فيها، أراقبها وهي تمر عبر عقلي ثم تختفي قبل أن تصبح جزءا مني. حتى مشاعري نفسها لا تبدو ملكي بالكامل، تأتي فجأة، تشتعل فجأة، ثم تنطفئ وكأن أحدا آخر يضغط الأزرار في مكان خفي لا أستطيع الوصول إليه. أحاول كثيرا أن أفهم نفسي، لكن كلما اقتربت منها شعرت بأنها تبتعد أكثر، كأن ذاتي ليست بيتا أدخله، بل متاهة كل باب فيها يقود إلى باب آخر. أحيانا أظن أنني فهمت السبب الحقيقي لحزني، ثم أكتشف أن ذلك السبب مجرد قناع لسبب أعمق، وذلك الأعمق ليس إلا ظلا لشيء أكثر غموضا. لماذا يبدو الإنسان معقدا إلى هذا الحد؟ ولماذا نحمل داخلنا هذا العدد الهائل من الأصوات؟ صوت يريد الحب، وصوت يخاف منه، وصوت يريد الهروب، وصوت آخر يلومنا لأننا نفكر في الهروب. كأنني لست شخصا واحدا، بل ازدحاما كاملا يعيش داخل جسد واحد. أخاف من فكرة أن أكون مجرد نسخة تتكرر كل يوم. أن أستيقظ، أفكر، أقلق، أبتسم قليلا، ثم أعود إلى نفس الدائرة دون أن يتغير شيء حقيقي في داخلي. كيف يمكن للروح أن تتحمل هذا التكرار دون أن تصاب بالص...

مسرحية قصيرة: حكيم واش بيك؟

المشهد الأول خشبة خاوية تقريبًا.  كرسي.  طابلة صغيرة. قنينة ماء. قيتارة. حكيم كيدخل بشوية، حاضي الأرض، بحال شي واحد نسى علاش جا. كيجلس على الكرسي. كيحل قرعة د الماء. غادي يشرب… كيوقف. كيشوف الجمهور فجأة. بغيت نشارك معاكوم مشكلتي… (كيشد فراسو )  الزحام. و الله تا كاين زحام فراسي. أنا بغيت نشرب الما كالمومون… ولكن كلشي بغا يهضر وسطي. كلشي. (كيشير بيديه  لكرسي حداه و تياجلس فالكرسي ديالو) ها هو عبد الله مثلًا. ولد خالي. جالس هنا من يامات عائلة سي مربوح. ما كايهضرش. غير كايشوف ليا هكا… (كيشوف فالجمهور و فمو مفتوح بحال شي واحد مصدوم.) بحال  لا كايقول: “واش نتا هو حكيم اللي كان كايسرح معايا المعز؟” (كيضحك بوحدو) المشهد الثاني (كيوقف ويتمشى.) ومن بعد كايبدا الفيلم… أيت عيسى… مدرار...تخوالت...بني تدجيت...فجيج... التراب… الشمس… البلاد... والمعيز اللي كان كايكرهني شخصيًا. أقسم بالله. كانت واحد المعزة ما متقبلانيش. كل مرة تشوفني… (كيدير راسو معزة.) “ماع… ماع” يعني: “هاد السيد غادي يكبر ويتعقد.” (كيتجه للكرسي الخاوي كيدير يديه عليه) ومن بعد كايجي كمال… آه كمال… داك النو...

قصة قصيرة: خطأ طويل

أفكر كثيرا في سبب عنادي. أغامر في كل شيء، في العمل، في الحب، حتى في الكلمات التي أقولها أحيانا. أعرف أن بعض الأبواب يجب ألا أطرقها، لكنني أفعل. لا أفهم الحقيقة تماما. هناك رجال يعيشون بهدوء، يستيقظون كل صباح دون حرب داخلية، وأنا لا أعرف كيف يفعلون ذلك. مرة قال لي صديق إنني أبحث عن المشاكل. ضحكت وقتها، لكنني في الليل بقيت أفكر في كلامه. ربما أنا لا أبحث عن المشاكل. ربما أحاول فقط أن أشعر بأن حياتي تخصني. الحرية أحيانا تبدو مثل خطأ طويل لا نستطيع التراجع عنه. ك.ج

قصة قصيرة: الرجل الذي نام فوق الطاولة

بجانبي رجل يحاول أن يفعل أي شيء. يتحدث مع النادل، يضحك بصوت مرتفع، يشعل سيجارة قبل أن تنتهي الأخرى، ينظر إلى النساء كما لو أنه يعرفهن منذ سنوات. كنت أعتقد دائما أننا، نحن الرجال، حين ندخل الحانة، نحاول أن نفعل أي شيء كي لا نبقى وحدنا مع أنفسنا. ربما لهذا السبب نشرب ببطء. وربما لهذا السبب أيضا نتحدث كثيرا. الرجل بجانبي سألني إن كنت أشجع الفريق نفسه. قلت له نعم، رغم أنني لم أكن أتابع المباراة. هز رأسه وكأنه فهم شيئا مهما. بعد قليل نام فوق الطاولة. بقي كأسه نصف ممتلئ، وبقيت أنا أفكر أن أكثر الرجال ضجيجا هم أكثرهم تعبا. ك.ج

قصة قصيرة: انطفأت الشاشة لثوانٍ

  الحانة مليئة، الكراسي متلاصقة، الجميع يشرب ويراقب المباراة كأنها شيء يخص حياته حقا. الرجال يصرخون، واحد يضرب الطاولة كلما اقترب الفريق من الهدف، وآخر يضحك وحده. كانت هناك شابة تجلس قرب الحائط، لا تشرب كثيرا، فقط تنظر إلى الشاشة ثم إلى الناس. شعرت بأنها مختلفة، ليس لأنها أجمل، بل لأنها الوحيدة التي بدت وكأنها تريد أن تذهب. في منتصف الشوط الثاني، انطفأت الشاشة لثوان قليلة، سمعنا الشتائم فقط. حين عادت الصورة، نظرت الشابة إلى الباب، ثم خرجت. لا أحد انتبه. حتى أنا، احتجت دقيقة كاملة لأفهم أنني كنت أراقبها أكثر من المباراة. ك.ج

محاولة فاشلة لأكون حرًا

  أحيانًا، حين أتوقف عن الحكم على نفسي، حين أترك كل شيء يسقط، الخير والشر، الحلال والحرام، الصحيح والخاطى، أشعر كأنني أتحرر… لكن هذه الحرية لا تأتي خفيفة دائمًا. تأتي ومعها ارتباك غريب، كأنني أقف على حافة شيء لا أعرف اسمه. حين أكون “كما أنا”، دون مراقبة، دون تعريف، دون محاولة أن أكون… أجد نفسي أفعل فقط. أعيش. أتحرك. أستمتع. لكن فجأة، يمرّ ظل داخلي يسألني: هل هذا أنت فعلًا؟ أم أنك تنزلق؟ أحاول كل يوم أن أقترب أكثر من نفسي، أن أفهم: من أين تأتي هذه الأصوات؟ من أين يأتي “حكيم” الذي يظهر كل صباح، بوجه جديد، برغبة جديدة، بقناعة مختلفة؟ اليوم، وجدت نفسي أتحدث بصوت عالٍ، كأنني شخصان أو أكثر. كنت أتكلم عن كل شيء: عائلتي، أصدقائي، الغرباء، الماضي، أشياء لم أقلها من قبل… لم يكن الحديث موجّهًا لأحد، بل كأنني كنت أحاول أن أسمع نفسي أخيرًا. كأن داخلي مزدحم، وأنا أحاول فتح نافذة. لكن في الخارج، لا أحد. أمد يدي للهاتف… ثم أتوقف. الجميع بعيد، مشغول، غارق في حياته. فأعود لنفسي… وأكمل الحديث. ثم، فجأة، يحدث شيء مختلف. تتوقف الأصوات. يأتي صمت… ليس فارغًا، بل ممتلئ. هدوء عميق، تركيز ناعم، حضور كامل… ...

حكيم… إصدار غير مستقر

(إضاءة خافتة. يقف في المركز. ينظر قليلًا إلى الأمام، ثم يبدأ.) أنا حكيم… (وقفة قصيرة) نسخة تجريبية… ما زالت تحت التحديث. (رفع حاجب خفيف.) مررتُ بمرحلةٍ حاولتُ فيها أن أكون… مزيجًا راقيًا: قليل من الكون… وقليل من القلب… (يرفع رأسه، بنبرة هادئة متعالية قليلًا.) “نحن مجرد غبار نجمي…” (يضع يده على صدره فورًا، بنبرة شاعرية.) “لكننا أيضًا… معنى الحياة!” (يتوقف. ينظر للأمام.) والنتيجة؟ (وقفة) لا أنا فهمتُ الكون… ولا فهمتُ نفسي. (يتحوّل الجسد إلى انحناءة خفيفة.) عمري ثلاثون عامًا… لكن داخلي… إدارة كاملة من كبار السن. (خطوة بطيئة.) هناك صوت يقول: “خفّف… لا تركض… الحياة طويلة.” (استقامة فجائية.) وصوت آخر يقول: “أسرع! لقد تأخّرت أصلًا!” (ينظر بين الجهتين.) بين النصيحتين… أقف… وأتأخر… بهدوء. (يتحوّل الإيقاع إلى أسرع. حركة اليدين نشيطة.) في العمل… أنا مهندس بيداغوجي. (بأسلوب عرضي.) أصمّم تجارب تعلّم… أجعل الناس يفهمون أشياء معقّدة… بطرق بسيطة… (وقفة. ينظر لنفسه.) ثم أعود إلى البيت… ولا أفهم نفسي. (ابتسامة خفيفة.) أشرح… أرتّب… أُبسّط… وأكتشف أنني… أحتاج دورة تدريبية عن نفسي. (يتوقف فجأة. ثبات.) أفكّ...