المشاركات

آخر ما نشر كارل!

الخروج من قصة نفسي

القلق المستمر، والشك في الذات، والأسئلة التي لا تنتهي. أقولها بهذه الطريقة وكأنني ضحية شيء غامض يحدث لي، وكأن رأسي غرفة اقتحمها غرباء وقرروا السكن فيها. لكن ربما الحقيقة أقل شاعرية من ذلك. ربما جزء كبير من تعبي صنعته بنفسي. أفكر كثيرا، نعم، لكنني أيضا أستخدم التفكير أحيانا حتى لا أفعل شيئا. أحلل نفسي، ثم أحلل تحليلي لنفسي، ثم أتساءل إن كان تحليلي صادقا، ثم أبحث عن سبب يجعلني هكذا، فأعود إلى الماضي، إلى الناس، إلى المجتمع، إلى الخوف، إلى الحساسية، إلى الظروف... وتمر الساعات وأنا ما زلت في المكان نفسه. كأن فهم سبب الحريق سيطفئ النار. لكنه لا يطفئها . يوما أشعر بالحماية والتميز، وكأن الحياة تخبئ لي شيئا عظيما، وكأنني مختلف، وكأن كل هذا الاضطراب ليس إلا مقدمة لحياة استثنائية تنتظرني. لكن حتى هذه الفكرة بدأت تثير شكي. لماذا يجب أن أكون استثنائيا؟ لماذا لا أقبل أنني إنسان عادي، عليه أن يعمل ويتعلم ويفشل ويكرر المحاولة مثل ملايين البشر؟ ربما فكرة أنني «مختلف» لم تكن دائما إيمانا بالنفس، بل كانت أحيانا طريقة جميلة للهروب من حقيقة أكثر إزعاجا: أن الموهبة لا تكفي، والذكاء لا يكفي، والحساسية لا ت...

اعترافات متأخرة: الرسالة الأولى

ليس من السهل عليّ أن أتحدث عن النجاح في العمل، لأنني لم أعد أعرف إن كان ما حققته يُسمّى نجاحًا فعلًا، أم أنه مجرد قدرة طويلة على الاحتمال. لقد مرّت أكثر من خمس سنوات منذ حصلت على أول فرصة عمل. بعد سنوات الدراسة والاعتماد على الأهل، بدأت أكسب مالي بنفسي، وأدفع نفقاتي، وأتنقل بين المدن والشركات، وأتولى مسؤولية حياتي. صرت، وفق المعايير الشائعة، شابًا نشيطًا وناجحًا داخل الحياة الاقتصادية. لم أعد أنتظر من أحد أن ينفق عليّ، وأصبحت قادرًا على مساعدة أهلي أحيانًا، والسكن في مكان جيد، وشراء ما أحتاج إليه، والسفر حين تسمح الظروف. من الخارج، تبدو الحكاية مستقيمة: درست، ثم عملت، ثم استقللت، ثم تقدمت. لكنها لا تبدو كذلك من الداخل. في أعماقي، لا أشعر بالفخر الذي يُفترض أن يصاحب هذه الرحلة. أشعر بشيء أقرب إلى خيبة الأمل؛ خيبة لا تتعلق بوظيفة بعينها أو بشركة محددة، بل بالطريقة التي اكتشفت أن الحياة تعمل بها. كنت أظن أن العمل سيمنحني الحرية، ثم وجدت أنه يمنحني قدرًا محدودًا من الحرية مقابل أن يأخذ الجزء الأكبر من وقتي وطاقتي. لقد حررني العمل من الاعتماد على الأهل، لكنه أخضعني لاعتماد آخر: الاعتماد على...

حين نسمّي القفص سماءً

  يقال إن الطيور على أشكالها تقع، وقد كنت أفهم هذه العبارة، مثلما يفهمها معظم الناس، على أن المتشابهين يلتقون، وأن الإنسان، مهما ابتعد، سينتهي به الأمر إلى صحبة من يشبهونه في الطباع والرغبات وطريقة النظر إلى العالم. لكنني، كلما أعدت العبارة في رأسي، توقفت طويلًا عند كلمة «تقع»، وشعرت بأنها تقول شيئًا أكثر قسوة وغموضًا مما اعتدنا أن نسمعه فيها. فالطيور لا تقع على أشكالها بمعنى أنها تجتمع بها فقط؛ لعلها تقع أيضًا بمعنى أنها تتعثر بها، أو تسقط فيها، أو تنتهي إلى المصير الذي كان شكلها نفسه يقودها إليه. ربما كان كل واحد منا يسقط، في مرحلة ما، في الشكل الذي تكوّن داخله منذ البداية. لا أعرف إن كان هذا التأويل عادلًا للعبارة، وربما لا يهم أن يكون عادلًا لها بقدر ما يهم أنه يكشف شيئًا نراه كل يوم ولا ننتبه إليه. فالناس، على اختلافهم، يمرون بأشياء متشابهة: يمرضون، ويفشلون، ويخسرون من يحبون، ويكبرون، ويفقدون بالتدريج ذلك الشعور القديم بأن الحياة فضاء مفتوح لا نهاية لاحتمالاته. غير أن كل واحد يعيش هذه الوقائع بطريقته، لأن الواقعة شيء، وما تفعله في أعماق الإنسان شيء آخر. نحن نمرض جميعًا، لكن ال...

مدينة اسمها نورة

  أيا نورة! في حبك أنا الثورة لم تجد بلادًا تشتعل فيها، فاشتعلت في صدري. منذ عرفتكِ وأنا أستيقظ كل صباح على صوت المتظاهرين في دمي، يهتفون باسمكِ، يرفعون صورتكِ فوق شراييني، ويطالبون قلبي بألّا يعود إلى رشده. أفهمكِ، وأفهم أن الحياة ليست سوى فنّ النسيان: أن ننسى يدًا أفلتتنا، وأن ننسى بابًا أُغلق في وجوهنا، وأن نضع وجعنا القديم في صندوقٍ صغير، ثم ندفنه تحت سرير السنوات ونتظاهر أننا نمنا. أفهم أن الحياة تمسح أسماءنا عن مقاعد الانتظار، وتبدّل وجوهنا في المرايا، وتعلّمنا كيف نمرّ قرب الأماكن التي قتلتنا من دون أن نصرخ. لكنني يا نورة فشلت في هذا الدرس. نسيت كثيرًا من الأشياء: نسيت وجوه أصدقائي، نسيت ضحكتي القديمة، نسيت الطريق إلى نفسي، ونسيت لماذا كنت أريد النجاة أصلًا، لكنني لم أنسَكِ. لم أنسَ يوم حضنتِني وكأنكِ تجمعين حطام رجل سقط لتوّه من السماء. كان حضنكِ قصيرًا، لكنه كان كافيًا كي أقضي عمري كلّه أبحث عن الطريق إليه. مرّت سنوات. كبرت الأشجار التي شهدت لقاءنا، تهدّمت مقاهٍ، تزوّج الأصدقاء، وصار الذين كانوا يكتبون عن الحب يكتبون عن أسعار البيوت والفرق بين السيارات. ربما أنتِ أمّ الآن،...