المشاركات

آخر ما نشر كارل!

كأس و كلام

  لستُ أزعم أنني حكيم، ولا أدّعي أنني صاحب كشفٍ عظيم، لكنني جلستُ طويلًا في الحانات، حتى صرتُ أعرف ترتيب الكراسي أكثر من ترتيب أفكاري، وأميّز بين أصوات الكؤوس كما يميّز الفلاسفة بين الوجود والعدم. الحانة ليست مجرد مكان يُسكب فيه الشراب، بل هي مؤسسة غير مُعترف بها رسميًا، لها نظام داخلي أقوى من الدساتير، وقوانين غير مكتوبة أكثر صرامة من قوانين المحاكم. هناك، حيث تختلط الضحكات بالتنهيدات، وتُدار النقاشات العميقة على طاولة لزجة، يجلس أصحاب القرار… أو من يظنون أنفسهم كذلك. ترى المحامي يتحدث عن العدالة، وهو يفاوض النادل على تخفيض ثمن الكأس. والقاضي يزن الأمور بميزانٍ دقيق… ثم يختلّ توازنه وهو يغادر. والفيلسوف يشرح لك معنى الحياة في جملة طويلة، ثم ينسى بدايتها قبل أن يصل إلى نهايتها. أما رجل الدين، فيجلس في الزاوية، لا ليُنكر، بل ليتأمل… تأملًا عميقًا في كأسه، كأنه يبحث عن الحقيقة في القاع. العجيب في الأمر، أن الحانة، هذا المكان المحرّم، المُدان، الذي تُرفع ضده الحواجب قبل الأصوات، هو نفسه المكان الذي تُصنع فيه القرارات التي تُباركها تلك الحواجب لاحقًا. هناك تُحلّ المشاكل التي استعصت في ...

مواجهة بلا سكر

  رحلة متأخرة كانت تلك اللحظة مهمة جدًا.. لولاها، لما فهمت أن حبي لذاتي… لم يكن فطريًا كما كنت أظن. منذ عودتي من بني تدجيت، وأنا في تركيزٍ مختلف، هادئ، لكنه حاد. كانت رحلة متأخرة، لكنها كانت صادقة بما يكفي لتغيّر شيئًا عميقًا. فهمت أن الشخص الوحيد الذي يجب أن أعمل عليه،  أن أحبه،  أن أهتم به،  أن أحتضنه… حتى بأنانية أحيانًا،  هو أنا. لطالما كنت منفتحًا نحو الخارج،  أعطي بلا حساب،  أمنح أجزاءً من روحي للآخرين،  وأنتظر…ربما الجميل،  أو في عمق قلبي،  مجرد حنينٍ متبادل. لكن ذلك لم يحدث.  وربما… لن يحدث. فضول الوجود كانت أفكاري تجري  وراء مسعى بدا في البداية مستحيلًا. كنت أظن أنني ألاحق شيئًا أكبر مني، أو بعيدًا عني. لكنني أكتشف الآن، بهدوءٍ غريب،  أن كل ما كانت تدفعني إليه أفكاري،  لم يكن سوى… فضول…فضول لاختبار نفسي،  لاكتشاف ما أستطيع أن أكونه،  داخل هذا الوجود. كأنني لم أكن أبحث عن الهدف،  بل عن حدودي.  سمكة خارج الصنارات لطالما أحببت  أن أعيش أيامي كسمكة. بعيدًا عن مستنقع الصنارات،  بعيدًا...

خبر… ثم فراغ

  لطالما استوقفتني عادة صغيرة، تكاد تبدو بلا معنى، لكنها تتكرر بإصرار خفي. أجد نفسي أفتح يوتيوب، وأكتب في خانة البحث: “جرائد إلكترونية مغربية”، ثم أتنقل من جريدة إلى أخرى، كأنني أتتبع خيطًا غير مرئي يقودني. بين هسبريس وشوف تيفي ونيشان وغيرها، أجد نفسي أغوص في أخبار متشابهة ومختلفة، أخبار تدور في فلك واحد: الجدل، الشأن العام، ما يشغل الناس ويستفزهم. ومع تكرار هذه العادة، اكتشفت شيئًا آخر: لكل مدينة تقريبًا جريدتها، صوتها الخاص، طريقتها في سرد الحكاية. كأن المغرب يتكلم بلغات صغيرة متعددة، وأنا أحاول أن أستمع لكل تلك الهمسات دفعة واحدة. لكن ما يحيرني حقًا، ليس الفعل في حد ذاته، بل الدافع الكامن خلفه. أنا أعيش منعزلًا، في قلب مدينة لا أختلط بها إلا بالقدر الضروري. لا أحب الأخبار، ولا أحتمل ضجيجها، ولا صوت التلفاز وهو يقتحم صباحي حين أريد فقط أن أرتشف قهوتي بهدوء وأراقب الضوء وهو يتسلل. ولا أجد نفسي أيضًا في نقاشات المقاهي أو جلسات العائلة حين تتحول إلى تبادل أخبار لا تمسّ شيئًا في داخلي. ومع ذلك، أعود. أعود بإرادتي، أو ربما بشيء يشبه اللاوعي. أكتب كلمات في البحث دون تخطيط: “جيل التسعين...

قصص قصيرة: تمرين على الفراغ

صورة
 ما ليست عليه اللحظة لم أكن أعتقد أنني لا أعرف معنى اللحظة حقًا. بعد ثلاثين سنة، أكتشف أنها ليست كما كنت أظن. ليست المتعة، ولا السعادة، ولا تلك الصورة الهادئة التي كنت أبحث عنها. اللحظة… هي كل شيء في آنٍ واحد. هي الندم حين يظهر فجأة، الخوف دون سبب واضح، الترقب الذي لا ينتهي، اللامبالاة التي تتسلل بهدوء، الشغف حين يشتعل، والأمل… حين يقاوم. اكتشفت اللحظة، لكنني لم أتعلم بعد كيف أعيشها. أو ربما، كيف أعايشها دون أن أفقد نفسي… دون أن أفقد الطفل، أو الرجل، أو كل تلك الحالات التي أمرّ بها وأظن أنها أنا.  تمرين على الفراغ وأنا أمارس فنّ اللا تعلّق، بدأت أرى نفسي بوضوحٍ مزعج. لاحظت عاداتي الصغيرة، واكتشفت أنني كنت أدخن كثيرًا فقط لأنني أمشي. لم أدرك أن المشي، في حد ذاته، كان كافيًا. جرّبت أن أمشي دون سيجارة، في البداية كان الأمر ناقصًا، كأنني نسيت شيئًا. ثم… أحببت ذلك. صرت لا أدخن إلا حين أجلس، وبعد وقتٍ طويل من آخر سيجارة، كأنني أتعلم تأجيل الرغبة، لا إلغائها. الأمر جميل، لكنّه ليس سهلًا. هناك مللٌ كثيف، وحديث داخلي لا يهدأ، مليء بالأحكام، بالخوف، وبالش...

قصص قصيرة: ألم مفيد

صورة
 ألمٌ مفيد استيقظ على إرهاقٍ ثقيل، بقايا يومٍ طويل عند طبيب الأسنان. كان عليه أن يستلقي اليوم كله، كأن جسده يطالبه بهدنةٍ لا تقبل النقاش. في هذا السكون المفروض، بدأ يلاحظ شيئًا لم يكن ينتبه له من قبل: أن الصحة لا تُبنى بالراحة فقط، بل بالصبر… وأحيانًا، بالتخلي عن أشياء نحبها، عن عاداتٍ تبدو صغيرة، لكنها تترك أثرًا عميقًا. فهم، دون مقاومة هذه المرة، أن الجسد أيضًا يحتاج إلى نوعٍ من الانضباط، يشبه الألم أحيانًا، ويشبه النجاة في النهاية.  مدينة تُرسم طنجة رائعة.  في أبريل، وخاصةً في تلك اللحظة القريبة من الغروب، حين يخفّ الضوء دون أن يختفي، وتصبح المدينة بين حالتين… كان كل شيء يبدو كلوحة، شارع، شرفة، ظلّ عابر، حتى الوجوه التي لا يعرفها. فكّر، أنه لو كان في مزاج الفنان، لجلس طويلًا، وأعاد بناء المدينة كلها، لوحةً بعد أخرى… ليس كما هي، بل كما يراها في تلك اللحظة بالذات. ما يتبقى من الرفقة كل يوم جديد، والوحدة نفسها. لا تتغير، كأنها تقيم فيه أكثر مما يقيم فيها. يترقب أحدًا لا يأتي، ولا يعرف حتى إن كان ما يزال ينتظر حقًا، أم أن الانتظار أصبح عادة. تذكر س...

شمس لا تصل: قصص قصيرة

شمس لا تصل استيقظ ليبحث عن قليل من الشمس. في قلب طنجة، حيث الظلال أطول من النهار، وحيث البرد لا يأتي من الطقس فقط، بل من بين الجدران. كان يرفع رأسه نحو الضوء كأنه يتذكر شيئًا… شيئًا يشبه الجنوب الشرقي، تلك الصحراء القاحلة التي لم تكن قاسية كما تبدو، بل كانت تمنحه دفئًا لا يُفسَّر. هناك كان يعيش دون أن يفكر كثيرًا. أما هنا… فهو يعيش فقط، بشيء يشبه القوة، ولا يشبه الحياة. خطوة قبل الزمن كأنه يتهيأ له أحيانًا أن ما يفكر فيه الآن، هو ما سيعيشه بعد لحظة. لا يعرف إن كان يسبق الزمن، أم أن الزمن يسخر منه، ويجعله يتذوق الأشياء قبل حدوثها. يفكر في السلام كثيرًا، يكرره في داخله كأنه تمرين… لكن حياته تمضي في اتجاه آخر، حيث القلق أكثر واقعية، وحيث الألم لا يحتاج إلى تخيل.  برودة اليد بعد رحيلها، فقد شغف القرب. لم يعد يبتعد عن الناس فقط… بل عن نفسه أيضًا. كلما اقتربت منه امرأة، أمسكت يده قليلًا، ثم سألته: لماذا يدك باردة؟ وكان يعرف الجواب، لكنه لا يقوله. شيء ما فيه انطفأ، وامتدّ هذا الانطفاء إلى كل شيء: في صوته، في نظرته، في حضوره. كأن روحه نفسها فقدت حرارتها. كأن وجوده أصبح ح...