المشاركات

آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العبارين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

البحر لا يجيب

 في السماء لا تطير الطيور فقط، إنها ترى، وتفهم. وفي عمق البحر أمشي، كأن قدميَّ تحفظان ألفة الماء. بين البحر والسماء لا تكفي الرؤية، ولا يكفي الفهم، ولا يكفي أن نمشي. ثمة شيءٌ آخر، شيءٌ يشبه الطريق ولا يصل إلى مكان: محاولةٌ هادئة لإيجاد المعنى. في طنجة لم أجد المعنى. كانت الجبال تبتعد كلما اقتربتُ منها، وكان البحر يبسط زرقته أمامي ولا يمنحني جوابًا. الطيور تعبر بطمأنينةٍ لا أعرفها، والريح تعرف طريقها، أما أنا فأمشي وفي يدي سؤالٌ لا وطن له. كلُّ هذا البحر، كلُّ تلك الجبال، كلُّ هذه السماء ولا معنى. لا عليكِ، أيتها الحياة. لقد سافرتُ مدنًا كثيرة، وتركتُ خلفي طرقاتٍ ونوافذَ وأسماءً لم تعد تعرفني. والآن أنا في الشمال. لا شيء أمامي إلا البحر. لا عليكِ، أيتها الجبال. عبرتُ قممًا كثيرة، وفي كل قمة كان المعنى يؤجّل موعده. بحثتُ عنه في البحر، فأعطاني البحرُ ماءه. بحثتُ عنه في الطيور، فأعطتني السماء. بحثتُ عنه في الجبال، فأعطتني المسافة. ولم أجد المعنى. ربما آن الأوان أن أتوقف عن البحث. أن أترك البحر بحرًا، والطير طيرًا، والجبل جبلًا. وأن أمشي دون أن أسأل الطريق إلى أين يأخذني. ربما آن الأوان...

طنجة لا تنتظر أحدا

  في طنجة، حيث يسند البحر رأسه إلى المدينة، لا أدرك بعد إلى أيّ حدّ أنا محظوظ. نزلتُ إلى ظلمات نفسي، ومشيتُ فيها طويلًا، حتى صار العاديُّ بابًا لا أعرف كيف أدخله. بحثتُ عن الحرية كأنّها بيت، وعن الاستقلال كأنّه مفتاح. وابتعدتُ عن الجميع، لأسمع، وسط كلّ ذلك الصمت، صوتَ الذي أكونه. لكنّ الحياة لم تنتظرني. مضت، تجرّ الأيام من يدي، ولم تلتفت لتقول: خذ وقتك، سأبقى هنا، فقط أكمل طريقك، واعثر على أجوبة أسئلتك. رميتُ كلّ يقيني في الريح، وقبلتُ الخوف. رميتُ كلّ إيماني خلفي، وقبلتُ الإثم. فعشتُ الفشل يعود إليّ، بالوجه نفسه، وبأسماء جديدة، بينما كنتُ، في أعين الجميع، ذلك الناجح الذي لا أعرفه. وقبلتُ أن أسقط من جديد، أن أصبح شخصًا آخر في الزحام، عابرًا لا يحفظ أحدٌ اسمه. اليوم، وأنا بصحبة أخي، صار العالم أخفَّ قليلًا. نستمع إلى المذياع، فتفتح الأغاني الأمازيغية نافذةً نحو الأطلس. هو يُعدّ الغداء، ويبدو كلّ شيء، للحظة، في مكانه. وأنا أركض بين أفكاري، أحاول أن أمسك معنى المتعة قبل أن يفلت منّي. اليوم، وأنا بصحبة أخي، تعلّمتُ أن النجاة لا تأتي دائمًا في هيئة جواب. قد تأتي في هيئة أخ يُعدّ الغداء،...

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...