السكن في الغياب
لطالما عشت كمن يستعير نفسه ليوم واحد ثم يعيدها دون أن يسألها إن كانت بخير. أستيقظ في الصباح، أرتدي ملامحي بعناية، أخرج إلى العالم كأنني أعرف الطريق، بينما في داخلي تتراكم الأسئلة بلا أسماء، بلا عناوين، فقط ثقل خفيف لا يُرى لكنه يُتعب . أمشي كثيرًا داخل رأسي. أركب أفكارًا لا تصل إلى محطات، أُقيم في احتمالات، وأقضي ساعات كاملة وأنا حاضر بالحد الأدنى، غائب بالحد الأقصى. الناس في العمل، في الشارع، في المقاهي العابرة، يرون شابًا يؤدي دوره بإتقان: يبتسم حين يجب، يصغي حين يُنتظر منه الإصغاء، ويتفاعل كما لو أن التفاعل جزء طبيعي من جلده. لكن خلف هذا كله، هناك فراغ مهذّب، شبح لا يزعج أحدًا، يعيش بسلام مع الآخرين لأنه لا يعرف كيف يعيش مع نفسه . أستعيد الأمس كثيرًا، لا لأنه كان استثنائيًا، بل لأنه يشبه كل ما سبقه وكل ما سيأتي. يوم العاشر من فبراير، سنة ألفين وستة وعشرين، يوم كتبت فيه ثلاث مقالات، أو ربما كنت أكتب نفسي خارج نفسي. يوم مارست فيه الهروب بكل أناقته الممكنة: هروب بالكلمات، بالانشغال، بالتحليل، وحتى بالتعب. أتذكره كعلامة، لا كحدث. علامة تقول: كنت هنا، حتى لو لم أشعر بذلك تمامًا . ص...