المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حين تكتمل الأصابع

  يجلس على الأريكة، لكن جسده لا يستقر. كتفاه مشدودتان، قدماه تتحركان بعصبية على الأرض. يحدّق في يديه، يقرّبهما من وجهه كأنهما لغز. يبدأ العد بأصابعه، بصوت خافت متقطّع: واحد… (يرفع إصبعه ببطء) اثنان… (ينحني قليلًا) ثلاثة… (يلمس جبينه) أربعة… (يغمض عينيه) خمسة… (يعضّ شفتيه) ستة… (يتردد، يتنفس بسرعة) سبعة… (يلتفت فجأة) ثمانية… (يقترب من الحافة) تسعة… (ينهض دفعة واحدة، يفتح ذراعيه ويصرخ) عشرة!! (يتجمّد لحظة، ثم يبدأ بالمشي في دوائر، يمرر يده في شعره، يعيد العد بسرعة، يضرب صدره مع كل رقم) واحد… اثنان… ثلاثة… أربعة… خمسة… ستة… سبعة… ثمانية… تسعة… (يتوقف، يبتسم بذهول) عشرة!! (الابتسامة تختفي. ينحني، يمد يديه كأنه يمسك بحبل ثقيل، يشد بكل جسده) واحد… (شد بطيء) اثنان… ثلاثة… (يتأوه) أربعة… خمسة… (يتراجع خطوة) ستة… سبعة… (جسده يرتجف) ثمانية… تسعة… (صرخة قوية مع شد أخير) عشرة!!! (يسقط قليلًا ثم ينهض، يصفق لنفسه، يعدّل ملابسه فجأة كأنه شخص آخر. هدوء غريب) (يجلس، يخرج هاتفه، يرفعه بثقة) اختاروا رقم… عشرة. (صمت قصير، ينصت، ثم يومئ) نعم… القرار نهائي. (يقف ببطء، يتجه نحو الجمهور، خطوات ثابتة. صوته...

كذبة أكررها لنفسي

  وحيدًا كالقمر بين النجوم لكن قمري لا يضيء ولا أحد يرفع رأسه ليراه وحيدًا… كأنني ظلٌّ نسيه صاحبه يمشي… ولا يعرف إلى أين أجلس في زاوية الليل أراقب الوجوه وجوهٌ تضحك وأيادٍ تتشابك وأصواتٌ تعلو بالفرح كأن العالم اتفق أن يكون سعيدًا… إلا أنا أراهم يقتربون من بعضهم كأن الدفء سهل كأن القلوب لا تخون كأن الحب لا يخذل أحدًا وأنا… أمد يدي للهواء فلا أجد سوى الفراغ أشغل أغنية لـ الشاب خالد صوته ينساب كجرح قديم كأنه يعرفني كأنه يغني لي وحدي أحاول أن أتمايل مع اللحن أن أضحك قليلًا أن أخدع نفسي أن أكون مثلهم… ولو لدقائق أكتب كلمات لا يفهمها أحد حتى أنا… أحيانًا لا أفهمها لكنني أكتب لأن الصمت أثقل من أن يُحتمل أحلم… أحلم أنني أركض نحو شيء جميل أن هناك من ينتظرني أن هناك من يعرف اسمي ويقول لي: تعال… لقد تأخرت أفتح عيني… فأجد الكرسي نفسه والطاولة نفسها والوحدة نفسها أحاول أن أقنع نفسي أنني بخير أن هذا مجرد يوم عابر أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا لكن صوتًا خافتًا داخلي يهمس: كم مرة قلت هذا من قبل؟ تنتهي قنينة الجعة بهدوء… كأنها تشاركني التعب أنادي على كريمة بصوتٍ ...

أرى الجميع يبدأ… ولا أبدأ

   أنا أجلس هنا، في هذا الركن المنسي من الحانة، حيث الضوء لا يصل كاملًا، وحيث الموسيقى تمر من فوقي… لا عبري. حولي الحياة تحدث، تتشكل، تتفتح كزهرة لا تخصني. هناك، قريبًا مني، شاب وشابة… كأنهما في بداية قصة، البدايات دائمًا لها نفس النكهة: ضحكة غير مكتملة، نظرة فيها حذر وفضول، وجمل تُقال وكأنها تُبنى للمرة الأولى في التاريخ. هي تقول له: أنا من تاهلة… يبتسم، يحكي، يكح قليلًا، وهي تضحك… ضحكة خفيفة، لكنها كافية لتقول: “أنا هنا… وأنت لست وحدك.” وأنا أسمع ذلك… ليس كصوت… بل كشيء بعيد عني بمقدار عمر كامل. وبقربهم، حياة أخرى تتكرر بشكل مختلف، شاب وشابة آخران، يتنقلان بين العربية والإنجليزية، كأن اللغة نفسها لعبة بينهما، يضحكان، يدخنان، وكل شيء حولهما يبدو خفيفًا، بلا ثقل، بلا سؤال. ثم أبعد قليلًا… نسخة ثالثة من نفس المشهد، نفس الشعور، نفس اللحظة، كأن العالم يعيد نفسه بأشكال مختلفة، وأنا… خارج النسخ كلها. أنا لا أنتمي لأي طاولة، لا لأي قصة، ولا لأي بداية. أنا فقط ألاحظ. أكتب… كأن الكتابة آخر خيط يربطني بنفسي. وأشعر أنني بعيد… ليس عنهم فقط، بل عني أنا أ...

اعترافات قلبٍ حافي

  أتساءل: لماذا لم أكن غيمةً عابرة لا اسم لها ولا ذاكرة؟ أحلم: لماذا لم أبقَ في يد أمي كفكرةٍ صغيرة لا تعرف السقوط؟ أجادل قلبي: لماذا كل الطرق تبدأ بنشيد وتنتهي بصمتٍ طويل؟ لماذا كل الوجوه تلمع في البداية ثم تصبح مرايا مكسورة؟ أقول له: أما كان يكفي حبٌ واحد نضع فيه العالم ونغلق الباب؟ أما كان يكفي أن ننجو مرة دون أن نلتفت وراءنا؟ لكن قلبي يمشي حافيًا فوق أيامٍ حادة ولا يجيب وأنا أضرب أسئلتي في جدارٍ لا يتعب ولا يتصدّع وأضحك أحيانًا ضحكةً قصيرة كأنها اعتذار عن كل هذا الحزن ثم أصرخ: أنا لست فكرة عابرة أنا جسدٌ يحترق بالرغبة أنا شاب يحب الجمال كما لو أنه الخلاص الوحيد أصرخ: أيها العالم أيها الأصمّ الكبير هل تسمع ارتجاف أصابعي؟ هل ترى أنني أكتب كي لا أسقط؟ أريد أن أرسم نافذةً لا تُغلق أريد أن أمثّل حياتي على خشبةٍ أفهمها أخيرًا أريد أن أركض بلا نهاية كأن الأرض صديقة أريد أن أحرر نفسي من اسمي من خوفي من كل المرايا أريد أن أقول: هذا أنا دون أن أرتجف أريد أن أحب كما لو أن الفقد كذبة قديمة أريد أن أعيش مرةً واحدة لكن كاملة وأحيانًا… أريد أن...

الجميع نحو الشبكة

صورة
في ضجيج كرة القدم، في قلب الحانة، حيث الأصوات لا تأتي من مصدر واحد بل تتكاثر كأنها كائن حي يتنفس، تتكاثر، تتمدد، تملأ كل زاوية، حتى الزوايا التي لا تُرى، أصوات الجماهير من التلفاز، صدى المعلق، احتكاك الكؤوس، ضحكات مفاجئة، شتائم عابرة… كل شيء ينساب في موجة واحدة، وكأن المكان كله يتحول إلى صدر كبير يلهث . الجميع يشاهد . الجميع يتابع الكرة وهي تنتقل من قدم إلى قدم، من نية إلى نية، من احتمال إلى آخر. الكرة ليست مجرد كرة، هي مركز الجاذبية، هي الشيء الوحيد الذي يمنح معنى للحظة. حين ترتفع، ترتفع معها الأنفاس، وحين تسقط، يسقط معها شيء صغير داخل كل واحد. وحين تخرج من الملعب، كأنها خرجت من مدارنا، ثم تعود فجأة إلى يد الحكم، فنعود نحن معها، إلى نفس الدائرة . في هذا الجو الذي يشبه حفلة، بل طقسًا جماعيًا، الكل يصبح مستديرًا، الكل يفقد زواياه، حدوده، شكوكه، ويتجه إلى مكان واحد: الشبكة . وأنا… أحاول أن أكتب . كنت قبل لحظات فقط في المنزل، في هدوء لا يُحتمل، كنت أجادل نفسي، ليس كحوار بسيط، بل كأنني في محكمة داخل رأسي . لماذا سنذهب إلى الحانة؟ ولماذا الآن تحديدًا، ونحن عدنا للتو من طبيب ال...

حواريات مارتن و كارل: حين تكشفك الحياة لنفسك...

  مارتن (بعد لحظة صمت، ينظر إلى البعيد): ربما… الحياة جميلة لأنها لا تخدعني يا كارل، حتى حينما تجرحني، لا تدّعي أنها تفعل غير ذلك… كارل (يميل برأسه قليلاً): جميل… بدأت تقترب، لكن لا تزال تشرح أكثر مما تقول… حاول أن تختزل، الفيلسوف لا يكثر، بل يُصيب… مارتن: إذن… الحياة جميلة لأنها لا تكذب… كارل (يبتسم بخفة): هذه جملة أقرب… لكنها قاسية بعض الشيء، كأنك تحاكم الحياة، لا كأنك تعيشها… مارتن : و هل يجب أن أعيشها بلطف؟ كارل : ليس بلطف، بل بوعي… هناك فرق… اللطف يُجمّل، أما الوعي فيكشف… مارتن (يتنهد): إذن ربما… الحياة جميلة لأنها تكشفني لنفسي… كارل (يضحك ضحكة قصيرة): الآن بدأت تزعجني… مارتن : لماذا؟ كارل : لأنك تقترب من الحقيقة، و الحقيقة مزعجة… مارتن : أليست الحقيقة هي ما يجعل الحياة جميلة؟ كارل : أحيانا… و أحيانا هي ما يجعلها ثقيلة… مارتن : إذن نحن نحب التناقض… كارل : نحن لا نحبه… نحن مكوّنون منه… مارتن (بابتسامة خفيفة): هذا أجمل ما قلته منذ بدأنا الحديث… كارل : لا تُجامِل… أنا فقط أرتّب فوضاك… مارتن : و أنا أقدّم لك الفوضى لتفعل ذلك… كارل : علاقة عادلة… مارتن : كارل… هل تعتقد أن الجم...