المشاركات

آخر ما نشر كارل!

لا أحد يغادر بيئته تماما

و أنا أدخّن سيجارتي على سطح المنزل، السماء صافية، أرى النجوم، رغم أنني لا أعرف حقًا أسماءها، وأصوات الكلاب وهي تنبح، من هنا ومن هنالك، لا شيء صاخب رغم كل هذا، هنالك نوع من الهدوء، أحب أن أسميه هدوء الجنوب الشرقي . كنت أفكّر، أتمشّى وأفكّر، كأن قضية ما عاجلة، لا بدّ لها من قرار أو على الأقل، لا بدّ لها من خطة طريق، لكي أنام، وأستريح… لكن الحقيقة أنني على هذا الطبع منذ سنين طويلة، اعتدت أن أقوم بهذا الطقس كل مرة عدت فيها إلى منزلنا ببلدة بني تدجيت . صحيح أن المواضيع التي تجول في خاطري، كل لحظة أكون فيها منغمسا في مناخ الجنوب الشرقي، لا تتغير، هي نفسها : أحوال وقصص العائلة، أحداث هنا وهناك نالت اهتمام الناس وجعلتهم يشاركون الفضيحة أو المأساة، وجدَل الخير والشر، وربما سأضيف سؤال المستقبل واليقين، الذي ربما سأربطه بشكل مباشر بعقلية التدين . لطالما حاولت أن أريح عقلي، أن أفكر مرة واحدة وأخيرة، ثم أهمس لنفسي بالحقيقة وبالخلاص، لكنني جزء من هذه التركيبة . حينما أحاول أن أصف نفسي بأنني مجرد عابر في هذا المناخ، وأن كل ما يحدث لا صلة له بنمط حياتي، أجد أنني أوهم نفسي، وأن الحقيقة أنني مرتبط ب...

ما زلت أختار أن أرى

صورة
ك.ج هنالك من الحقائق الاجتماعية ما لا يمكن أن تمر عليها وعيناك مغمضتان، حتى لو حاولت أن تتظاهر بالطمأنينة، أو أن تضع على بصيرتك ضماداً من الحكمة المتداولة بين الناس . ولو أن واقع الأمر، وربما ما سيتفق عليه جميع البشر، أن لا بد على الإنسان أن يتخطى جراحه وصدماته من أجل نسخة أقوى وأفضل، تماماً كما يتفق الجميع على جوهر الحكمة ومسعاها، فإنني مرهق من هذه الفكرة نفسها. مرهق من الإصرار على أن النمو واجب، وأن الألم مجرد مرحلة انتقالية ينبغي شكرها. مرهق أيضاً من فكرة أن الحكمة تكمن في تغيير التمثل، في إعادة تأويل كل ما حدث، من أجل ارتباط أكثر نقاءً مع الآن، كأن الحاضر كائن هش لا يقبل إلا النفوس المصفّاة . لطالما ناقشت مع صديقي أنيس فكرة الخير والشر، وكنا نعود في كل مرة إلى النقطة نفسها: هل الشر اختيار أم نتيجة؟ هل هو جهل متراكم أم إرادة واعية؟ ولطالما جالست أبي وأمي، وهما في العمر أكثر مني ضعفين أو ثلاث، يحدثانني عن قصص الناس، عن خيباتهم الصغيرة، عن قسوة الحياة، عن التحولات التي تصيب البشر حتى لا يعودوا يشبهون أنفسهم. كانوا يتحدثون بنبرة من رأى كثيراً وخسر كثيراً، وبقناعة أن في الناس من يسكنه ش...

من البحر إلى اليابسة

  في لحظة لم أكن أظن أنني سأبلغها يومًا، وجدت نفسي قاسيًا على فكرة الحياة ذاتها. لم تكن الفكرة عابرة، ولا طيفًا خفيفًا يمكن صرفه بإشارة من يد، بل كانت ترتجف داخلي كشيء على وشك أن ينفلت من عقاله. كنت أشعر أنني أقف على حافة معنى يتصدع، وأنني إن خطوت خطوة واحدة إضافية، فلن أعود كما كنت . ومع ذلك، ومن مكان لا أعرفه في داخلي، جاء قرار هادئ، غير صاخب، لا يشبه الانهيار بل يشبه التراجع خطوة إلى الوراء. قلت لنفسي: أوقف كل شيء. عد. عد إلى فجيج . لا أعرف هل كنت أهرب أم أواجه. لكنني شعرت أن عليّ أن أعود إلى ذلك الطفل الذي تركته هناك، بين الأزقة اليابسة، تحت سماء لا تمطر إلا نادرًا، وفي بيت كان الدفء فيه أقوى من كل قسوة خارجه. أعلم أن ما يرهقني اليوم ليس وليد هذه السنة وحدها، بل هو تراكم طويل، جذوره ضاربة في سنوات لم أكن أملك فيها لغة لأفهم ما يحدث لي. عنفٌ صامت، قهرٌ يتخفى في العادات، وأسئلة لم يسمح لها أن تُطرح . أريد أن أعود لا لأحتمي، بل لأقف أمام ذلك الطفل وجها لوجه. أن أنظر في عينيه وأقول له: عدتُ ومعي سنة كاملة من التجربة، من البعد، من الاحتكاك بعالم أكبر من البلدة وأصغر من أحلامي....

حين اخترت الآداب ولم أكن أعرف لماذا

  هل تعلمين يا حبيبتي، هناك سؤال ظلّ يرافقني كظلّ شجرة قديمة … سؤال لم أعرف يوماً كيف أجيب عنه بصدق كامل . لماذا سنة 2010، وأنا في الإعدادي بإعدادية مولاي علي بن العابد ببني تدجيت، اخترت شعبة الآداب في الثانوي؟ ولماذا وضعت الاختيار نفسه ثلاث مرات… كأنني أوقّع اسمي عليه بإصرار طفل يخشى أن يُمحى؟ كنت آنذاك في عمر المراهقة، عمر لا يعرف كثيراً عن الفلسفة ولا عن الوجود ولا عن الهوية . ..لم أكن قد قرأت ما يكفي لأقول إنني عاشق للفكر... لم أكن قد اكتشفت أنني، بطريقة ما، كارل جبران الذي يتشكل ببطء . .. كنت فقط فتى يجلس في الصف، يراقب الكلمات أكثر مما يراقب الأرقام . وضعته ثلاث مرات … أداب . أداب . أداب . كأنني أقول للجنة التوجيه : انتبهوا، هذا ليس خطأً في الترتيب… هذا أنا . كان المطبخ دافئاً تلك اللحظة التي أخبرها فيها بذلك . ..الطاجين على نار هادئة، يفوح برائحة الزيت والبهارات والليمون المصبّر . ...المذياع يصدح بأغاني أمازيغية أطلسية ثم ريفية، ثم نغمة سوسية خفيفة تمرّ كنسمة على روحهما . ...كان اليوم جميلاً بطريقة لا تحتاج إلى تفسير . ...ابتسمت نحوه، تلك الابتسامة التي تعرف ك...

الكتابة كمسافة بين الصدق والرحمة

  الكتابة ليست فعلًا بسيطًا كما تبدو، وليست معقّدة كما نحب أن نبرّر لأنفسنا. هي، في جوهرها، مساحة بين الجرأة والتردّد، بين الرغبة في البوح والخشية من العاقبة. ما دام الإنسان تعلّم الحروف، فهو قادر على أن يكتب. لكن حين تتزاحم المعاني في رأسه، وتتشابك الأسئلة مع القيم، ويصبح لكل جملة ظلٌّ سياسي أو ديني أو اجتماعي، عندها تتحوّل الكتابة إلى امتحان داخليّ، لا إلى تمرين لغوي . أحيانًا أشعر أنني لا أخاف من ردّة الفعل بقدر ما أخاف من وضوح الفكرة نفسها. لأن الفكرة إذا اكتملت، صارت موقفًا. والموقف إذا كُتب، صار إعلانًا. والإعلان، في عالمٍ مزدحم بالحساسيّات، قد يُحسب عليك لا لك. فهل أكتب لأنني أبحث عن الحقيقة؟ أم لأنني أبحث عن نفسي داخل هذه الحقيقة؟ وهل يسمح الزمن الراهن بمساحةٍ آمنة للتفكير بصوتٍ مسموع؟ لطالما رغبت أن أكتب عن كل شيء: عن الدين حين يُفهم بوصفه تجربة روحية لا شعارًا، عن السياسة حين تتحوّل إلى لعبة مصالح لا مشروع قيم، عن الاقتصاد حين يُقاس الإنسان فيه بالأرقام، وعن المجتمع حين يُخفي تناقضاته خلف أعرافٍ مقدّسة. لكنني، في كل مرة، أجد نفسي أمام سؤال بسيط وقاسٍ: هل الكتابة تغيير، أم...

حواريات مارتن و كارل: حين يكون الإبداع ضرورة

  مساء شتوي هادئ. نافذة مفتوحة على شارع مبلل بالمطر، وضوء أصفر خافت ينساب فوق طاولة صغيرة في مقهى شبه فارغ. يجلس مارتن أمام كارل، وبينهما صمت كثيف كأنهما يتلمسان فكرة لا تريد أن تُقال بسهولة . مارتن: هل حقًا حينما تحب شيئًا وتحلم به يتحقق؟ أقصد ليس مجرد رغبة عابرة، بل شيء داخلك يحثك عليه، يدفعك نحوه حتى وأنت تحاول أن تتجاهله، ألا تؤمن به، أن تقنع نفسك أنه وهم… ثم يعود. يعود بإلحاح غريب، كأنه لا يقبل أن يُنسى . كارل: أعطني مثالًا دقيقًا لأفهم ما تعنيه . مارتن : حكيم مثلًا. نعرفه جميعًا. أراه دائمًا يعيش في تناقضات كثيفة كسحاب الشتاء؛ يهرب من شيء ثم يغرق في شيء آخر. أحيانًا يبدو كمن يركض بعيدًا عن ذاته، وأحيانًا كمن يسلم نفسه لها بالكامل. لكنه في النهاية مبدع. لديه حدس حاد، يفهم ما يجري بسرعة، يلتقط الإشارات قبل أن تكتمل. رأيته يفشل كثيرًا، يتعثر، يضيع في اختياراته، ثم فجأة أراه راقيًا في التربية، في تكنولوجيا التعلم، في الشعر والفن والموسيقى. كأن شيئًا يقوده رغم فوضاه. ومع ذلك، يقول إن ما يفعله ليس نجاحًا، بل مجرد تعبير عن تراكمات نفسية، عن عقد قديمة، عن محاولة تفريغ داخلي. يرفض أ...

السكن في الغياب

لطالما عشت كمن يستعير نفسه ليوم واحد ثم يعيدها دون أن يسألها إن كانت بخير. أستيقظ في الصباح، أرتدي ملامحي بعناية، أخرج إلى العالم كأنني أعرف الطريق، بينما في داخلي تتراكم الأسئلة بلا أسماء، بلا عناوين، فقط ثقل خفيف لا يُرى لكنه يُتعب . أمشي كثيرًا داخل رأسي. أركب أفكارًا لا تصل إلى محطات، أُقيم في احتمالات، وأقضي ساعات كاملة وأنا حاضر بالحد الأدنى، غائب بالحد الأقصى. الناس في العمل، في الشارع، في المقاهي العابرة، يرون شابًا يؤدي دوره بإتقان: يبتسم حين يجب، يصغي حين يُنتظر منه الإصغاء، ويتفاعل كما لو أن التفاعل جزء طبيعي من جلده. لكن خلف هذا كله، هناك فراغ مهذّب، شبح لا يزعج أحدًا، يعيش بسلام مع الآخرين لأنه لا يعرف كيف يعيش مع نفسه . أستعيد الأمس كثيرًا، لا لأنه كان استثنائيًا، بل لأنه يشبه كل ما سبقه وكل ما سيأتي. يوم العاشر من فبراير، سنة ألفين وستة وعشرين، يوم كتبت فيه ثلاث مقالات، أو ربما كنت أكتب نفسي خارج نفسي. يوم مارست فيه الهروب بكل أناقته الممكنة: هروب بالكلمات، بالانشغال، بالتحليل، وحتى بالتعب. أتذكره كعلامة، لا كحدث. علامة تقول: كنت هنا، حتى لو لم أشعر بذلك تمامًا . ص...