المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل: مساء طويل مع الذات

 إضاءة خافتة. مقعدان خشبيان في ساحة شبه فارغة. شجرة عارية. مساء طويل. مارتن (ينظر إلى الأرض): هل حقًا لا معنى للوجود؟ أم أننا نخترع المعنى كي لا نسقط؟ أحيانًا أشعر أن كل شيء مجرد تأويلات… وأنه لا توجد حقيقة أستند إليها لأقيس نفسي. كارل (بهدوء، كمن اعتاد هذا السؤال): أعتقد ذلك، وبشدة. لكن انتبه، هذا لا يعني الفراغ، بل يعني الحرية الثقيلة. مارتن: حرية؟ أنا لا أشعر إلا بالتيه. صرت لا أدري ماذا يهم وماذا لا يهم. حاولت أن أمارس الرياضة، اليوم الأول كان حماسة خالصة. ثم… بعد أيام، نسيت. لا لأنني كرهتها، بل لأن الرغبة نفسها تبخرت، رغم أنني لطالما قلت إنها جيدة. كارل (يبتسم ابتسامة صغيرة): هذا مثال دقيق. الحياة يا مارتن ليست خطًا مستقيمًا، بل ازدحام احتمالات. أفكار تريد أن تكون، رغبات تريد أن تتحقق، مخاوف تشدّك من الخلف، وذكريات طفولة تهمس لك: كن هكذا، لا تكن هكذا. أنت لا تفشل في الاستمرار، أنت فقط تعيش صراع القوى بداخلك. مارتن (بشيء من القلق): لكنني تعبت من الصراع. أريد طريقًا واحدًا، واضحًا، أرتاح فيه وأقول: الآن الأمور بخير. كارل: ذلك الوعد هو أكثر ما يخدعنا. حين نكوّن صورة عن أنفسنا “أن...

اعتراف رجل لم يتقن القسوة

  اعتقدتُ طويلًا أن الحب يكفي . ليس لأنني ساذج، بل لأنني كنت أظن أن الصدق فضيلة كافية لبناء أي شيء. كنت أظن أن العائلة تُبنى بالنية الحسنة، وبالرغبة في ألا نؤذي أحدًا. لاحقًا فقط فهمت أن العالم لا يعمل هكذا، وأن ما يُطلب منك ليس أن تحب، بل أن تفرض، أن تتحمّل، وأحيانًا أن تؤذي دون أن تُسمّي ما تفعله عنفًا . اكتشفت أن الرجل، لكي يُعترف به، لا يكفي أن يكون طيبًا. عليه أن يكون قادرًا على القسوة عند الحاجة، أو على الأقل على ادّعائها. أن يكون ابن بيئته، لا ابن قلبه. وهذا الاكتشاف لم يأتِ كصدمة مفاجئة، بل كتراكم بطيء، كإحساس خفي بأنني دائمًا متأخر خطوة عن الآخرين . أصدقائي لم يشبهوني. لم يتوقفوا كثيرًا عند الأسئلة التي أرهقتني. لم يبحثوا عن جوهر الأشياء، ولم يسألوا أنفسهم إن كانوا يخونون شيئًا في داخلهم. هم فقط فعلوا، وتقدّموا، وبنوا حياة كاملة من الخارج. وحين أنظر إليهم الآن، لا أستطيع أن أقول إنهم مخطئون، لأن حياتهم تعمل، بينما أنا ما زلت أراجع المعنى . حين حاولت أن أنصح أخي، لم أكن أعلّمه، كنت أكلّم نفسي بصوته. قلت له إن عليه ألا يصبح إنسانًا بلا قلب ولا روح، لكنني في الوقت نفسه كنت أع...

الإنسان كملف إداري

  لا أعتقد أن الكتابة قادرة على كشف أسرار النفس البشرية، ولا أظن أن الفن، بصفة عامة، نجح يومًا عبر التاريخ في أن يقول كل ما يجري حقًا في روح الإنسان وفكره . ومع ذلك، تبقى محاولة التعبير فعلًا شريفًا، وربما الفعل الوحيد المتاح. أمام ضغط الحياة الاجتماعية، وأمام تراكمات الخيبات والعُقد الصامتة، لا يملك الفرد سوى أن يحاول… أن يكتب، حتى وهو يعلم أن الكلمات ستظل ناقصة، قاصرة، ومتعثّرة . أفكر في أشياء كثيرة، بصدق مُرهِق، ولا أعرف كيف يمكن للكلام أن يُغزَل حين تكون الأزمة أثقل من أي تعبير مباشر، أثقل من أي اعتراف صريح. هناك أشياء تُعاش أكثر مما تُقال . أؤمن بأن البشر هشّون. وأؤمن أيضًا بأن كل إنسان، مهما كان قريبًا أو عزيزًا، يظل كائنًا آخر، غريبًا في هذا الوجود، يحمل مخاوفه ورغباته وأولوياته الخاصة. أحيانًا، ذلك الصدق الذي نمنحه لبعضنا لا يخلق قربًا، بل يولّد نوعًا من العنف الخفي، خاصة تجاه فئة بعينها: العاطفيون جدًا، الانطوائيون، أولئك الذين ما في قلوبهم يظهر على ألسنتهم دون حماية. وأرى نفسي واحدًا منهم . أنظر إلى هذا العالم وأتعجّب. يمضي بلا سؤال، بلا شك، بلا لحظة يتأمل فيها ذا...

طنجة… والذين لا يصلون

  مهما انتظرتُ ما أحبّ لحياتي، يبدو لي، وبكل صدق خالص، أنه لن يأتي . ليس لأنني لم أحلم، ولا لأنني لم أُعطِ الانتظار حقّه، بل لأنني تعبت من الوقوف في المكان نفسه، أراقب الأيام وهي تمرّ دون أن تحمل معها ما وعدت به نفسي . أعيش في طنجة، مدينة تبدو من بعيد كأنها مفتوحة على كل الاحتمالات، لكنها من الداخل تُشبه متاهة هادئة . أيّامي لا تتعدّى شوارع في قلب المدينة: أرصفة أعرف تشقّقاتها، مقاهٍ أجلس فيها طويلًا دون سبب واضح، وزوايا أعود إليها كأنني أبحث عن شيء نسيته هناك . أمشي كثيرًا، لا لأن لديّ وجهة، بل لأن الحركة تُخفّف ثقل التفكير . أنا بعيد عن عائلتي، البعيدة أصلًا عن هذا الإيقاع كلّه . هم في فجيج، في الجنوب الشرقي، حيث الحياة أبسط، وأقل ضجيجًا، وأكثر صدقًا . هناك، لكل شيء معنى واضح: البيت بيت، والناس ناس، والوقت لا يركض . أما هنا، في طنجة، فأشعر أحيانًا أنني أعيش حياة ليست لي بالكامل، كأنني ضيف طويل الإقامة . لا أعرف ما الذي يدفعني، في لحظات أكون فيها بعيدًا عن الهدوء، عن الفضيلة كما يحبّ الناس تسميتها، عن ضبط النفس، أن أفتح حاسوبي وأكتب . كأن الكتابة لا تزورني إلا حين أفشل في أن أكون ...

حين لا ينقذنا الشك

  أحيانًا يتأتّى لي، لا بوصفه خاطرًا عابرًا بل كقناعةٍ ثقيلة، أنّ مشاكل الحياة لا تُحلّ في يومٍ واحد، ولا حتى في سلسلة أيّامٍ متجاورة. كأنّ الزمن نفسه يتواطأ مع التعقيد، فيؤجّل الفهم ويؤخر الخلاص. بل أذهب أبعد من ذلك، فأقول إنّ العثور على مخرجٍ فرديّ من وحل الذات يبدو شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا في بعض اللحظات. تلك الذات التي تتشكّل في كل شيء، وتنعكس في التفاصيل الصغيرة قبل القضايا الكبرى، ثم لا يبقى لها يقينٌ صلب سوى حقيقة واحدة: أنّ الشك، مهما بدا ذكيًا أو حادًا، لا يملك قدرة حقيقية على إنقاذها أمام تناقضات هذا العالم وفوضاه المتشابكة . هذا العالم الذي يبدو لي، كلما أمعنت النظر، عنيفًا في صمته كما في ضجيجه، قاسيًا في إيقاعه، خاليًا من أي إحساسٍ عميق بمنطق الحياة. منطقٍ كان يفترض به أن ينبع من قلب الإنسان، ذلك القلب الرفيق بالإنسان وبالطبيعة معًا، لا المتسلّط عليهما ولا المنفصل عنهما. لكن ما نراه اليوم هو اختلالٌ مستمر: عقلٌ يسبق القلب، ومصلحةٌ تطغى على المعنى، وحركةٌ لا تمنح الوقت الكافي للإصغاء . إنني أحاول… وأحيانًا أُجبر، على أن أسجن نفسي داخل حالةٍ اجتماعية مبهمة، حا...

مغامرة الليل

  لا بد أن يأتي الصباح، لا بد أن تشرق الشمس، وأن تعود السماء إلى بياضها المعتاد، تتناثر فيها السحب الخفيفة كرسومات طفل لم يتعلّم بعد معنى الإتقان. لا بد أن ينهزم الليل في النهاية ، هكذا أقول لنفسي، وكأنني أواسيها أكثر مما أوقن . أردد هذه الجملة في داخلي، بصوت خافت لا يسمعه أحد...بجانبي مجموعة من الشباب، فتيان وفتيات، أكثر من خمسة، ضحكاتهم عالية، كلماتهم تتقاطع، وأيديهم تتحرك كما لو أنهم يحتفلون بلحظة نادرة، ربما لقاء أول، أو وعدًا غير معلن بشيء سيبدأ ولن يكتمل . أما أنا، فكنت على أريكة في الزاوية، وحدي كما اعتدت، أحتسي جرعتي ببطء، وأفتح حاسوبي كمن يفتح نافذة سرية. أكتب في هدوء، لا هدوء المكان، بل هدوء القرار. أبحث عن لحظة لا أعرف شكلها بعد، لكنني أعرف أنها إن حضرت، فلن تطيل المقام . صخب الحانة كان كثيفًا، لكنه لم ينتصر. قاومته كما يُقاوَم طنين قديم، وركزت بصري وذهني، أفتش عن الكلمات واحدة واحدة، كأنني أرتّب وقتي من جديد، دقيقة فوق دقيقة، محاولًا أن أستعيد إحساسي بالسيطرة . الليل… هذا الكائن الذي لا يُهزم. أنتظره كل صباح، وأخافه كل مساء. أعرف طقوسه، إغراءاته، ووعوده الكاذبة....

شكل جديد للغياب

  كان لا بدّ أن أفكّر في الأمر مرّات كثيرة، وكأنّ التفكير نفسه أصبح فعلًا مؤجّلًا، أو طقسًا صباحيًّا لا يكتمل. يشبه الأمر أن تستيقظ كلّ صباح وتضع عينيك على الساعة، لا لتعرف الوقت، بل لتقيس ثقل البداية. تفكّر في الساعة الأولى، تلك التي يُفترض أن تكون أخفّ الساعات وأصدقها. تمرّ الساعة، ثم الثانية، ويقترب النهار من منتصفه، وأنت لا تزال في سريرك، محاصرًا بسؤال بسيط: ماذا سأفعل في الساعة الأولى؟ كنت أعرف جيّدًا أنّ الفكر والعاطفة لا يلتقيان دائمًا في نقطة توازن. كنت أرى ذلك بوضوح، لا كفكرة فلسفية، بل كتجربة يومية. العاطفة كانت تسبق، تندفع، وتحتلّ المساحة كلّها، بينما يصل الفكر متأخرًا، متردّدًا، كأنه يعتذر عن حضوره. كان هذا مفهومًا بالنسبة لي، ولم أكن أقاومه كثيرًا، وربما لهذا السبب بالتحديد بدأت الآن فقط أدرك حجم هذه الحقيقة، لا كحكم، بل كاكتشاف هادئ . هذا الصباح، في يومه الثاني من سنة 2026، انتبهتُ إلى شيء صغير لكنه صادق: لقد نضجتُ قليلًا. ليس نضجًا دراميًّا، ولا تحوّلًا مفاجئًا، بل نضج يشبه الأرقام حين تتقدّم بهدوء. سنة جديدة أضيفت، دون ضجيج. لم أحتفل بنهاية السنة، ولم أفتعل أيّ ...