تأملات شخص لم يعد ينتمي لأي مكان
كان عندي دائمًا ذلك الوهم الجميل: أنني سأصبح عالم اجتماع، أو ربما أنثروبولوجيًا يتنقل بين المدن والقرى مثل شخص يبحث عن سرّ قديم ضاع من البشرية. كنت أتصور نفسي أكتب عن الناس، عن خوفهم الجماعي، عن الوحدة التي تختبئ داخل العائلات، عن المغرب ككائن نفسي أكثر منه دولة. كنت أظن أن المعرفة ستنقذني. وهذه أول كذبة ذكية يقع فيها الإنسان الحساس. في الجنوب الشرقي، لا يكبر الأطفال وهم يحلمون كثيرًا. هناك تتعلم مبكرًا أن الحياة ليست رواية فلسفية، بل مفاوضة يومية مع الحر، الفقر، الصمت، والوقت الذي يتحرك ببطء مريض. لكن الإنترنت دخل حياتنا مثل نبي رقمي. فتح لنا نافذة على عالم آخر: ناس يسافرون، يقرؤون، يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، يناقشون الفن والهوية والوجود، بينما نحن ما زلنا نحاول إقناع الإدارة بأن جهاز الحاسوب في المؤسسة يحتاج إصلاحًا منذ 2007. تعلمت اللغات كما يتعلم الفقير طرق الهروب. العربية لأفهم الحزن الجماعي. الفرنسية لأدخل المؤسسات دون أن يعاملوني كقروي ضائع. الإنجليزية لأشعر أن العالم أكبر من هذا الاختناق المحلي. ثم التكنولو...