المشاركات

آخر ما نشر كارل!

اليوم سيلعب المغرب ضد إسكتلندا، و لكن...

  اليوم سيلعب المغرب ضد اسكتلندا. وأنا هنا، في الحانة كعادتي، قبل الجميع تقريباً. أحب أن أصل مبكراً، ليس لأنني متحمس للمباراة أكثر منهم، بل لأنني أحب أن أرى الأمكنة وهي لا تزال فارغة، أو شبه فارغة، قبل أن تبتلعها الضوضاء. في هذه الساعة يكون للمكان وجه آخر. الكراسي ما تزال في أماكنها الطبيعية، والطاولات لم تتراكم فوقها الكؤوس والقصص الصغيرة التي يتركها الناس وراءهم. حتى العاملون هنا يتحركون بهدوء أكبر، كأنهم يعرفون أن العاصفة لم تبدأ بعد. أما الآخرون، فيفضلون المجيء بعد العاشرة. وهذا مفهوم. الليل هو الوقت الحقيقي للحانات. في آخر الليل تصبح الحانة شيئاً يشبه الميناء؛ ترسو فيه أرواح كثيرة جاءت من أماكن مختلفة، تحمل تعبا مختلفا، وأحلاما مختلفة، وخيبات مختلفة أيضاً. الغريب أنني أشعر أنني أنتمي إلى هؤلاء الناس، وفي الوقت نفسه أشعر أنني لا أنتمي إليهم أبداً. أعرف وجوههم. أعرف طريقتهم في الضحك. أعرف الموضوعات التي يعودون إليها كل ليلة. لكنني لا أشعر أنني واحد منهم بالمعنى الكامل للكلمة. ربما لأنني لا أحب اللقاءات أصلاً. لا أحب أن أكون وسط مجموعة كبيرة من الناس. أحب أن أجلس وحدي، وأن أراقب،...

بين سيجارة وفكرة

  ربما حين أجلس لأكتب، لا أفعل شيئًا عظيمًا كما كنت أتخيل. لا أواجه العالم، ولا أواجه نفسي حتى. ربما كل ما أفعله هو أن أرتب الفوضى قليلًا، كعامل نظافة يصل متأخرًا إلى موقع حادثة، فيجمع الشظايا في زاوية مرتبة ثم يعود إلى بيته مطمئنًا لأنه أنجز شيئًا. كنت أظن أن الكتابة ستغيرني. كنت أظن أن الإنسان إذا وصف جراحه بما يكفي، فإنها ستلتئم خجلًا من وضوحها. لكن الجراح لا تقرأ ما نكتب. أكتب عن التدخين، ثم أدخن. أكتب عن الإفراط في الشرب، ثم أجد نفسي أساوم كأسًا أخرى كأننا لم نتحدث في الموضوع أصلًا. أكتب عن الوقت الضائع، ثم أضيع وقتًا أطول في الكتابة عن الوقت الضائع. والمضحك أنني صرت جيدًا جدًا في وصف فشلي. ربما أفضل من نجاحي نفسه. أستطيع أن أشرح لك بدقة لماذا أنا متعب، ولماذا أنا قلق، ولماذا أنا عالق في المكان نفسه منذ سنوات، لكنني أعجز عن اتخاذ قرار صغير يجعل يوم الغد أخف من يوم الأمس. أحيانًا أشعر أنني لا أعيش حياتي، بل أعيش النسخة المكتوبة منها. أن الحدث الحقيقي أقل أهمية عندي من الفقرة التي سأكتبه بها مساءً. أنني صرت أجمع التجارب كما يجمع طفل طوابع البريد، لا ليستفيد منها، بل ليضيفها إلى ...

هل يمكن أن أصبح واحداً منهم؟

منذ مدة، لا أستطيع أن أحدد إن كانت ثلاثة أشهر أم ثلاث سنوات كاملة، بدأت ألاحظ شيئا يتكرر أمامي كلما خرجت لأتمشى في شوارع طنجة. المتشردون. في البداية كنت أراهم كأي عابر سبيل يرى وجها مألوفا في الطريق، ثم صار حضورهم أكثر وضوحا في عيني، حتى أصبح من النادر أن أمضي يوما دون أن أصادف عددا منهم. وإن لم يكن العدد كبيرا، فغالبا ما أرى خمسة أو أكثر موزعين بين الأرصفة والساحات والزوايا المنسية من المدينة. أراقبهم أحيانا من بعيد، لا بدافع الشفقة وحدها، ولا بدافع الفضول فقط، بل لأن وجودهم يثير في داخلي أسئلة لا أجد لها جوابا. رجال ونساء، شباب وأحيانا أطفال. أجساد تتحرك داخل المدينة، لكنها تبدو وكأنها تعيش خارج إيقاعها. فأجد نفسي أتساءل: ما الذي أوصلهم إلى هنا؟ هل هي أسرة تفككت يوما؟ هل هو فقر تراكم ببطء؟ هل هو مرض نفسي لم يجد من يعالجه؟ أم أنها حياة بدأت أصلا من الهامش، فلم تعرف طريقا آخر غير الهامش؟ نادرا ما أتحدث إلى أحد منهم. غالبا ما يحدث فقط ذلك التلاقي السريع بين عينين غريبتين. قليل منهم من يبتسم. وكثير منهم يحملون ذلك التعب الذي يجعل الملامح نفسها تبدو منهكة. أحيانا أشعر وكأنهم يكررون الحركا...

ما زال اسمك يسكنني

  عزيزتي نورة، إن الحب صعب جداً. لا أزال أفكر فيك، من صادق قلبي، رغم أنك متزوجة الآن، وربما تعيشين حياة أفضل مني بكثير. لا أعرف لماذا أكرر الخطأ نفسه كل يوم. لا أعرف لماذا لا أزال أحبك، رغم أنك عبّرتِ عن خذلانك بكل هدوء وثقة، ثم أكملتِ رحيلك كأنني مجرد جزء صغير من الماضي، أمام المستقبل الكبير الذي كنتِ تفكرين فيه، ربما أنتِ وحبيبك. إنني حزين جداً، لأنني لا أزال أحمل هذا الشعور بالوفاء، وهذا الحب القوي لك، وفي الوقت نفسه أشعر بقوة وشجاعة لأنني أعبر حقاً عما بداخلي دون أن أتردد. أحاول أن أفهم نفسي، لكنني اكتشفت أن جزءاً كبيراً من نفسي كان مجرد انعكاس لحبك. لم أتصور يوماً في حياتي أن يكون حبي لك أكبر شيء عشته، وفي الوقت نفسه أشد شيء أنهكني وأفناني. لا أدري كيف أعبر لك عن هذا بالتفصيل، لكنني أؤمن بأن ما أفعله الآن ليس إلا انعكاساً آخر لذلك الجزء العميق بداخلي، ذلك الجزء الذي يؤمن بالحب، ويعرف قيمة الوفاء، ويدرك أهمية ألا يخون الإنسان وعداً قطعه لنفسه أو لإنسان آخر. ربما ستقولين إنه لم يكن بيننا أي وعد. ولك الحق أن تقرئي رحيلك بالطريقة التي تريحك. لكنني لن أتردد في أن أقول الشيء نفسه: ف...

غيمة اسمها حكيم

  المكان: مطعم تريبل بامبو، طنجة. الزمان: الثامنة مساء. إضاءة دافئة. صوت التلفاز، مباراة كرة قدم، تختلط بأصوات الزبائن وأدخنة السجائر. في زاوية بعيدة من المطعم يجلس حكيم وحده. أمامه كأس جعة، منفضة سجائر ممتلئة، حاسوب محمول مفتوح. لا يرفع رأسه تقريباً. على طاولة أخرى، قريبة وبعيدة في الوقت نفسه، يجلس مارتن وكارل. كأنهما موجودان داخل النص الذي يكتبه. مارتن: (ينظر نحو حكيم) أخبرني يا كارل، وكن صادقاً هذه المرة. هل تعتقد أن حكيم فقد عقله؟ كارل: أي يوم تقصد؟ مارتن: لا أمزح. أنظر إليه. يستيقظ متوتراً. يتناول فطوره بلا شهية. يدخن أكثر مما يتنفس. يجلس ساعات أمام عمله وكأنه يحاول أن يتذكر شيئاً نسيه منذ زمن بعيد. أحياناً أشعر أنه يعمل بواحد بالمئة فقط من قدرته العقلية. ومع ذلك... (يتوقف) بهذا الواحد بالمئة يفعل أشياء لا أفهم كيف يفعلها. كارل: (يبتسم) إذن أنت لا تتحدث عن الجنون. أنت تتحدث عن المقاومة. مارتن: مقاومة ماذا؟ كارل: كل شيء. هذا العالم مثلاً. هذه السنة. هذا العصر. هذا التعب الذي لا اسم له. انظر حولك. كل هؤلاء الناس يبدون منشغلين بشيء ما. لكن كم واحداً منهم يعرف لماذا يستيقظ صباحاً؟...

من أكون عبر الزمن؟

  لطالما تعجبت من نفسي، ومن هذا الأسلوب في الكتابة الذي يعود إليّ دائمًا، مهما ابتعدت عنه أو ظننت أنني تجاوزته. لطالما جاء إلى ذهني كأول محاولة للتعبير عن شيء لا يختلف كثيرًا رغم مرور الزمن، وكأنني أعود في كل مرة إلى السؤال نفسه، وإلى الحيرة نفسها، وإلى ذلك الشعور الغامض الذي لا أعرف له اسمًا. أتذكر نفسي في السابعة عشرة من عمري، أجلس وحيدًا وأكتب بالطريقة نفسها تقريبًا، محاولًا أن أقول الشيء نفسه الذي أحاول قوله الآن. لم تكن الكلمات نفسها، ولم تكن الظروف نفسها، ولم أكن الشخص نفسه تمامًا، ومع ذلك كان هناك شيء ثابت، شيء يمر من خلال كل تلك السنوات دون أن يتغير كثيرًا. وأتذكر أنني كنت أتعجب من نفسي آنذاك كما أتعجب منها اليوم. وهذا ما يثير دهشتي. لقد مرت سنوات طويلة، تغيرت فيها الأماكن والأفكار والوجوه والأحلام، وخسرت أشياء كثيرة وربحت أشياء أخرى، وعرفت من الحياة ما لم أكن أعرفه، لكنني ما زلت أعود إلى ذلك التعجب الأول. ما زلت أنظر إلى نفسي وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه وأجهله في الوقت نفسه. أحيانًا أشعر أنني لم أفهم نفسي بعد، وأحيانًا أشعر أنني اقتربت منها كثيرًا، ثم لا يلبث ذلك الشعور أن ي...