لا بيت أخير لنا
ليس سهلا أن يشعر الإنسان اليوم بأنه ينتمي فعلا إلى شيء ثابت. خصوصا في هذا العصر الذي صارت فيه المدن الكبيرة تبتلع الناس بهدوء، دون أن ينتبهوا أنهم يفقدون شيئا أساسيا في داخلهم. ربما لأن الحياة الحديثة لم تعد تصنع جماعات، بل تصنع أفرادا متجاورين فقط، أفرادا يمرون قرب بعضهم مثل العابرين في محطة قطار طويلة. أحيانا أفكر أن الإنسان قديما، في زمن القبائل والقصور والواحات، لم يكن يحتاج أن يسأل نفسه: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟ كان يولد فيجد العالم قد سبق واحتضنه قبل أن يفهم أي شيء. الأرض موجودة، النخيل موجود، الناس يعرفونه حتى قبل أن يتعلم الكلام، والعائلة ليست مجرد أب وأم وإخوة، بل شبكة كاملة من الوجوه والبيوت والقرابة والذاكرة والعمل المشترك. حتى الفقر وقتها كان له معنى مختلف، لأنه فقر داخل جماعة، لا فقر داخل عزلة. الطفل هناك لم يكن مطالبا أن يخترع نفسه من الصفر. لم يكن مطلوبا منه أن يهاجر باحثا عن معنى أو وظيفة أو فرصة. كان يكبر فقط ليدخل مكانه الطبيعي وسط دورة الحياة. يعمل، يتعب، يحب، يتزوج، ويواصل ما بدأه الذين قبله. ربما كانت الحياة قاسية، لكنها كانت مفهومة. أما نحن، أبناء المدن الحديث...