المشاركات

آخر ما نشر كارل!

ما زال اسمك يسكنني

  عزيزتي نورة، إن الحب صعب جداً. لا أزال أفكر فيك، من صادق قلبي، رغم أنك متزوجة الآن، وربما تعيشين حياة أفضل مني بكثير. لا أعرف لماذا أكرر الخطأ نفسه كل يوم. لا أعرف لماذا لا أزال أحبك، رغم أنك عبّرتِ عن خذلانك بكل هدوء وثقة، ثم أكملتِ رحيلك كأنني مجرد جزء صغير من الماضي، أمام المستقبل الكبير الذي كنتِ تفكرين فيه، ربما أنتِ وحبيبك. إنني حزين جداً، لأنني لا أزال أحمل هذا الشعور بالوفاء، وهذا الحب القوي لك، وفي الوقت نفسه أشعر بقوة وشجاعة لأنني أعبر حقاً عما بداخلي دون أن أتردد. أحاول أن أفهم نفسي، لكنني اكتشفت أن جزءاً كبيراً من نفسي كان مجرد انعكاس لحبك. لم أتصور يوماً في حياتي أن يكون حبي لك أكبر شيء عشته، وفي الوقت نفسه أشد شيء أنهكني وأفناني. لا أدري كيف أعبر لك عن هذا بالتفصيل، لكنني أؤمن بأن ما أفعله الآن ليس إلا انعكاساً آخر لذلك الجزء العميق بداخلي، ذلك الجزء الذي يؤمن بالحب، ويعرف قيمة الوفاء، ويدرك أهمية ألا يخون الإنسان وعداً قطعه لنفسه أو لإنسان آخر. ربما ستقولين إنه لم يكن بيننا أي وعد. ولك الحق أن تقرئي رحيلك بالطريقة التي تريحك. لكنني لن أتردد في أن أقول الشيء نفسه: ف...

غيمة اسمها حكيم

  المكان: مطعم تريبل بامبو، طنجة. الزمان: الثامنة مساء. إضاءة دافئة. صوت التلفاز، مباراة كرة قدم، تختلط بأصوات الزبائن وأدخنة السجائر. في زاوية بعيدة من المطعم يجلس حكيم وحده. أمامه كأس جعة، منفضة سجائر ممتلئة، حاسوب محمول مفتوح. لا يرفع رأسه تقريباً. على طاولة أخرى، قريبة وبعيدة في الوقت نفسه، يجلس مارتن وكارل. كأنهما موجودان داخل النص الذي يكتبه. مارتن: (ينظر نحو حكيم) أخبرني يا كارل، وكن صادقاً هذه المرة. هل تعتقد أن حكيم فقد عقله؟ كارل: أي يوم تقصد؟ مارتن: لا أمزح. أنظر إليه. يستيقظ متوتراً. يتناول فطوره بلا شهية. يدخن أكثر مما يتنفس. يجلس ساعات أمام عمله وكأنه يحاول أن يتذكر شيئاً نسيه منذ زمن بعيد. أحياناً أشعر أنه يعمل بواحد بالمئة فقط من قدرته العقلية. ومع ذلك... (يتوقف) بهذا الواحد بالمئة يفعل أشياء لا أفهم كيف يفعلها. كارل: (يبتسم) إذن أنت لا تتحدث عن الجنون. أنت تتحدث عن المقاومة. مارتن: مقاومة ماذا؟ كارل: كل شيء. هذا العالم مثلاً. هذه السنة. هذا العصر. هذا التعب الذي لا اسم له. انظر حولك. كل هؤلاء الناس يبدون منشغلين بشيء ما. لكن كم واحداً منهم يعرف لماذا يستيقظ صباحاً؟...

من أكون عبر الزمن؟

  لطالما تعجبت من نفسي، ومن هذا الأسلوب في الكتابة الذي يعود إليّ دائمًا، مهما ابتعدت عنه أو ظننت أنني تجاوزته. لطالما جاء إلى ذهني كأول محاولة للتعبير عن شيء لا يختلف كثيرًا رغم مرور الزمن، وكأنني أعود في كل مرة إلى السؤال نفسه، وإلى الحيرة نفسها، وإلى ذلك الشعور الغامض الذي لا أعرف له اسمًا. أتذكر نفسي في السابعة عشرة من عمري، أجلس وحيدًا وأكتب بالطريقة نفسها تقريبًا، محاولًا أن أقول الشيء نفسه الذي أحاول قوله الآن. لم تكن الكلمات نفسها، ولم تكن الظروف نفسها، ولم أكن الشخص نفسه تمامًا، ومع ذلك كان هناك شيء ثابت، شيء يمر من خلال كل تلك السنوات دون أن يتغير كثيرًا. وأتذكر أنني كنت أتعجب من نفسي آنذاك كما أتعجب منها اليوم. وهذا ما يثير دهشتي. لقد مرت سنوات طويلة، تغيرت فيها الأماكن والأفكار والوجوه والأحلام، وخسرت أشياء كثيرة وربحت أشياء أخرى، وعرفت من الحياة ما لم أكن أعرفه، لكنني ما زلت أعود إلى ذلك التعجب الأول. ما زلت أنظر إلى نفسي وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه وأجهله في الوقت نفسه. أحيانًا أشعر أنني لم أفهم نفسي بعد، وأحيانًا أشعر أنني اقتربت منها كثيرًا، ثم لا يلبث ذلك الشعور أن ي...

حواريات مارتن و كارل: لغة الحب القاسية

  طنجة، مساء صيفي هادئ. كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركة خيوطًا ذهبية فوق صفحة البحر الممتدة حتى الأفق. من بعيد كانت أصوات النوارس تتداخل مع ضجيج خافت قادم من الكورنيش، بينما كانت نسائم البحر تداعب وجوه المارة وتخفف من حرارة النهار. في مقهى يطل على البحر، جلس كارل ومارتن إلى طاولة صغيرة في زاوية هادئة. أمامهما فنجانا قهوة، وخلفهما مدينة تبدو غارقة في حياتها اليومية، أما هما فكانا غارقين في شيء آخر؛ في أسئلة لا تنتهي عن الحب والذاكرة والزمن. كان كارل يحدق في الأفق البعيد، وكأنه يرى فيه صورًا لا يراها أحد سواه. أما مارتن فكان يتأمله بصمت، مدركًا أن خلف ذلك الشرود حكايات كثيرة لم تُحكَ بعد. بعد لحظات طويلة من الصمت، قال مارتن: مارتن: ماذا يكتب العشاق حينما يحبون يا كارل؟ أدار كارل رأسه نحوه قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال: كارل: العشاق لا يكتبون، الحب يكتبهم بنفسه يا مارتن... مارتن: إنني أفكر في القصص التي عشتها يا كارل في الحب، وأفهم من جوابك أنك تعلمت بقسوة أن تتحمل معاناة الحب والوحدة، لدرجة أنك تصورت أن الحب كتبك الآن... كارل: أجل، لقد مررت بتجارب حب عميقة وقاسية، وتحملت الكث...

محاكمة الصباح

(صباح الرابع من يونيو 2026، طنجة) لم يكن الأمر ممتعًا في الصباح، بل إنني لم أستوعب حجم الخطأ الذي اقترفته إلا بعدما أصبح الخطأ واقعًا لا يمكن إصلاحه. تأخرت عن لقاء عمل مهم، ووجدت نفسي أحدق في الساعة كمن يكتشف فجأة أن الزمن ليس فكرة مجردة، بل شيء يمر فعلًا ويترك وراءه آثارًا حقيقية. الغريب أنني ليلة البارحة لم أكترث كثيرًا. كنت أعرف أن لدي التزامات في الصباح، وأعرف ما ينبغي أن أفعله، لكن شيئًا ما بداخلي كان قد استسلم. ليس استسلامًا بطوليًا أو حزينًا كما تصوره الروايات، بل استسلامًا باردًا، عديم الشكل، كأنني وضعت سلاحي على الأرض وقررت أن أترك الحياة ترتب نفسها بنفسها. لم أعد أفكر في أولويات الغد، ولا في ما يجب إنجازه، ولا حتى في الأشياء التي أحبها عادة. الحقيقة أنني لم أنم أصلًا. كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، وأنا ما زلت مستلقيًا على الأريكة. أراقب الظلام وهو ينسحب ببطء من الغرفة، وأراقب الضوء وهو يتسلل من النافذة دون أن أشعر بأنني جزء من هذا التحول. كنت أفكر في كل شيء، ولذلك لم أستطع التفكير في أي شيء. تمر الأفكار مثل أسراب طيور مذعورة، لا تستقر على غصن واحد. العمل، المستقبل، الم...

رحلة متاعب اسمها العيد

  لم أرغب في الكتابة، ولم أكن محفزًا لها، لكن، وكعادتي دائمًا، أجد أن المخرج الوحيد ليوم أريد له نهاية حقيقية، هو أن أكتب. وكان من الصدفة ربما، أن هذه اللحظة توازي حاليًا في المغرب لحظة العيد، أقصد عيد الأضحى. هذا العيد الذي ألفت، منذ سنوات، أن أكون فيه بجانب عائلتي الصغيرة، لا لشيء ديني حقًا، بل فقط لأنهم يكونون سعداء بحضوري معهم خلال يوم العيد، ولا يزعجني الأمر أن أفعل ذلك، حتى وأنا بعيد جدًا عنهم. فأن تكون في أقصى شمال المغرب، وتسافر إلى أقصى شرق المغرب الجنوبي، فأنت حتمًا تذهب من آخر نقطة حدودية بحرية إلى آخر نقطة حدودية برية. والأمر دائمًا بالنسبة لي، رحلة متاعب، رحلة فيها قلق، وأحيانًا مرض وتعب وإرهاق. وحتى بوجود المال، لا يمكن تجاوز بعض العثرات المرتبطة بمصيري مع رحلة الجنوب الشرقي، فلا بد من الحظ، مثلًا أن تكون شركة الطيران تعمل في الأيام التي أود السفر فيها، أو أن يكون هنالك نوع من الصفاء الذهني بداخلي أيضًا. وغالبًا لا تجتمع كل هذه الظروف مرة واحدة، لا بد أن ينقص الرحلة شيء ما. هذه المرة، لا الطائرة موجودة، ولا أنا صافي الذهن، وفوق هذا، مناسبة عيد الأضحى، المغرب كله يتنقل...

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...