المشاركات

آخر ما نشر كارل!

أنهار في داخلي لا تعرف البحر

  هنالك من الندم أنهارٌ لا تهدأ، تجري في داخلي بلا مصبّ، كأنها خُلقت لتبقى، لا لتصل . وهنالك من أصوات الألم ما لا يكفّ عن التردّد، كصدى ضائع في كهوف الروح، كلما خفُت عاد أشدّ وضوحًا . كلما حاولت أن أستنشق لحظةً من الراحة، تسللت إليّ رائحة القلق، كثيفةً، عنيدة، كأنها تعلّمت اسمي، وكأنها أقسمت أن تسكنني قبل أن أسكنها . أيها القدر، يا من تُخفي في طيّاتك خرائط لا نقرأها، دعني أسألك، وأجبني إن كان للصدق مكان في صمتك : لماذا كل هذا الإلحاح من الماضي؟ لماذا يعود كضيفٍ ثقيل، لا يستأذن، ولا يرحل؟ ولماذا يبدو المستقبل كمرآةٍ مكسورة، تعكس احتمالاتٍ مشوّهة، تثير فيّ الشك أكثر مما تثير الأمل؟ ألم يكن من العدل أن يُدفن ما انتهى، وأن يُمنح ما لم يأتِ بعدُ بعض الطمأنينة؟ أيها الإله الجميل، الذي ترتفع إليه الأيادي قبل الكلمات، وتسبقه إليه الدموع قبل الدعاء، أخبرني، أين تكمن الحكمة في هذا الاضطراب العميق الذي يُسمّى شعورًا؟ لماذا خُلقت هذه العاطفة البشرية بهذا الاتساع، حتى تكاد تبتلع صاحبها؟ ألم ترَ ما حاول الإنسان فهمه، وما بلغته علوم النفس من تحليلٍ وتشريحٍ لما في داخله؟ فلماذا، رغم كل ...

أن تعيش و لا تفهم

  كم مرة وقفتُ عند حافة هذا السؤال، كأنني أقف عند شاطئ لا ينتهي، أحدّق في أمواج الحياة وهي تتكسّر أمامي، لا أفهم إن كانت تدعوني للغوص أم تحذرني من العمق… كلما حاولتُ أن أكون خفيفًا، نقيًّا، كأنني خيط من نور يمشي على استقامة لا تنحني، تفاجئني الحياة بانحناءات حادة، بتفاصيل صغيرة لكنها موجعة، كأنها تختبر صلابتي، أو ربما تسخر من فكرتي عن الصفاء… فأعود متسائلًا : هل النقاء سذاجة؟ أم أن العالم أثقل من أن يحتمل قلبًا خفيفًا؟ ثم، حين أتعب… حين أترك نفسي تسقط قليلًا، لا كخيانة بل كاستراحة، أجدني أنجرف في طرق لا تشبهني، أرتكب أخطاء لا أشعر أنها أنا، وكأنني أراقب نفسي من بعيد، بلا تدخل، بلا مقاومة… لكن ما إن تهدأ تلك العاصفة، حتى ينهض داخلي قاضٍ لا ينام، يحاسبني، يرهقني، يعيدني إلى نقطة البداية، مثقلًا بشعور لا يمكن الهروب منه… فأي طريق هذا الذي لا يرحم في الاتجاهين؟ إن استقمتُ، تعثرتُ بما لا أفهم… وإن انحرفتُ، تعثرتُ بنفسي… أحاول أحيانًا أن أعيش بلا تفسير، أن أطفئ هذا الصوت الذي يسأل، أن أكون كمن يمرّ بالحياة مرورًا عابرًا، لا يعلّق، لا يحكم، لا يغوص… لكن حتى هذا الهروب لا يكتمل، ...

رجل من زمنين

  كنت جالسا بجانب أختي و أمي، و كان المساء هادئا، ضوء أصفر خفيف يملأ الغرفة، و رائحة الشاي تتصاعد ببطء، و كنا نتبادل أطراف الحديث و نضحك على تفاصيل صغيرة ربما لو حكاها أحد لغيرنا لما بدت مهمة، لكننا كنا نعيشها بصدق ... و كان الحديث يدور حول ما حدث صباحا، ذلك الصباح الذي بدأت فيه الحكاية كلها . استيقظت مبكرا، و كان في داخلي شعور غريب، ليس حماسا فقط، بل شيء يشبه النداء ... نداء بعيد، كأن أحدا من زمن آخر يهمس لي : لا تنس من أنت . ذهبت إلى أبي و قلت له ببساطة إنني أريد أن أشتري الزي التقليدي الذي كان يلبسه أجدادنا، أريد جلبابا حقيقيا، و رزة أمازيغية، و بلغة جلدية كما كانوا يفعلون ... نظر إلي باستغراب، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من الحنين و شيء من الاعتراض . قال لي إن تلك الأيام كانت صعبة، و أن اللباس لم يكن اختيارا بل واقعا، و أنه عاش تلك المرحلة بكل تفاصيلها، و لا يريد لي أن أعيشها أو أعود إليها، ربما كان يرى في الأمر رجوعا إلى الوراء، أو ربما كان يخاف أن أختار طريقا يشبه التعب الذي عرفه هو . لكنني لم أكن أبحث عن التعب، و لا عن الماضي كما هو، كنت أبحث عن رمزه فقط ... تشبثت بفكر...

لا أحد يغادر بيئته تماما

و أنا أدخّن سيجارتي على سطح المنزل، السماء صافية، أرى النجوم، رغم أنني لا أعرف حقًا أسماءها، وأصوات الكلاب وهي تنبح، من هنا ومن هنالك، لا شيء صاخب رغم كل هذا، هنالك نوع من الهدوء، أحب أن أسميه هدوء الجنوب الشرقي . كنت أفكّر، أتمشّى وأفكّر، كأن قضية ما عاجلة، لا بدّ لها من قرار أو على الأقل، لا بدّ لها من خطة طريق، لكي أنام، وأستريح… لكن الحقيقة أنني على هذا الطبع منذ سنين طويلة، اعتدت أن أقوم بهذا الطقس كل مرة عدت فيها إلى منزلنا ببلدة بني تدجيت . صحيح أن المواضيع التي تجول في خاطري، كل لحظة أكون فيها منغمسا في مناخ الجنوب الشرقي، لا تتغير، هي نفسها : أحوال وقصص العائلة، أحداث هنا وهناك نالت اهتمام الناس وجعلتهم يشاركون الفضيحة أو المأساة، وجدَل الخير والشر، وربما سأضيف سؤال المستقبل واليقين، الذي ربما سأربطه بشكل مباشر بعقلية التدين . لطالما حاولت أن أريح عقلي، أن أفكر مرة واحدة وأخيرة، ثم أهمس لنفسي بالحقيقة وبالخلاص، لكنني جزء من هذه التركيبة . حينما أحاول أن أصف نفسي بأنني مجرد عابر في هذا المناخ، وأن كل ما يحدث لا صلة له بنمط حياتي، أجد أنني أوهم نفسي، وأن الحقيقة أنني مرتبط ب...

ما زلت أختار أن أرى

صورة
ك.ج هنالك من الحقائق الاجتماعية ما لا يمكن أن تمر عليها وعيناك مغمضتان، حتى لو حاولت أن تتظاهر بالطمأنينة، أو أن تضع على بصيرتك ضماداً من الحكمة المتداولة بين الناس . ولو أن واقع الأمر، وربما ما سيتفق عليه جميع البشر، أن لا بد على الإنسان أن يتخطى جراحه وصدماته من أجل نسخة أقوى وأفضل، تماماً كما يتفق الجميع على جوهر الحكمة ومسعاها، فإنني مرهق من هذه الفكرة نفسها. مرهق من الإصرار على أن النمو واجب، وأن الألم مجرد مرحلة انتقالية ينبغي شكرها. مرهق أيضاً من فكرة أن الحكمة تكمن في تغيير التمثل، في إعادة تأويل كل ما حدث، من أجل ارتباط أكثر نقاءً مع الآن، كأن الحاضر كائن هش لا يقبل إلا النفوس المصفّاة . لطالما ناقشت مع صديقي أنيس فكرة الخير والشر، وكنا نعود في كل مرة إلى النقطة نفسها: هل الشر اختيار أم نتيجة؟ هل هو جهل متراكم أم إرادة واعية؟ ولطالما جالست أبي وأمي، وهما في العمر أكثر مني ضعفين أو ثلاث، يحدثانني عن قصص الناس، عن خيباتهم الصغيرة، عن قسوة الحياة، عن التحولات التي تصيب البشر حتى لا يعودوا يشبهون أنفسهم. كانوا يتحدثون بنبرة من رأى كثيراً وخسر كثيراً، وبقناعة أن في الناس من يسكنه ش...

من البحر إلى اليابسة

  في لحظة لم أكن أظن أنني سأبلغها يومًا، وجدت نفسي قاسيًا على فكرة الحياة ذاتها. لم تكن الفكرة عابرة، ولا طيفًا خفيفًا يمكن صرفه بإشارة من يد، بل كانت ترتجف داخلي كشيء على وشك أن ينفلت من عقاله. كنت أشعر أنني أقف على حافة معنى يتصدع، وأنني إن خطوت خطوة واحدة إضافية، فلن أعود كما كنت . ومع ذلك، ومن مكان لا أعرفه في داخلي، جاء قرار هادئ، غير صاخب، لا يشبه الانهيار بل يشبه التراجع خطوة إلى الوراء. قلت لنفسي: أوقف كل شيء. عد. عد إلى فجيج . لا أعرف هل كنت أهرب أم أواجه. لكنني شعرت أن عليّ أن أعود إلى ذلك الطفل الذي تركته هناك، بين الأزقة اليابسة، تحت سماء لا تمطر إلا نادرًا، وفي بيت كان الدفء فيه أقوى من كل قسوة خارجه. أعلم أن ما يرهقني اليوم ليس وليد هذه السنة وحدها، بل هو تراكم طويل، جذوره ضاربة في سنوات لم أكن أملك فيها لغة لأفهم ما يحدث لي. عنفٌ صامت، قهرٌ يتخفى في العادات، وأسئلة لم يسمح لها أن تُطرح . أريد أن أعود لا لأحتمي، بل لأقف أمام ذلك الطفل وجها لوجه. أن أنظر في عينيه وأقول له: عدتُ ومعي سنة كاملة من التجربة، من البعد، من الاحتكاك بعالم أكبر من البلدة وأصغر من أحلامي....

حين اخترت الآداب ولم أكن أعرف لماذا

  هل تعلمين يا حبيبتي، هناك سؤال ظلّ يرافقني كظلّ شجرة قديمة … سؤال لم أعرف يوماً كيف أجيب عنه بصدق كامل . لماذا سنة 2010، وأنا في الإعدادي بإعدادية مولاي علي بن العابد ببني تدجيت، اخترت شعبة الآداب في الثانوي؟ ولماذا وضعت الاختيار نفسه ثلاث مرات… كأنني أوقّع اسمي عليه بإصرار طفل يخشى أن يُمحى؟ كنت آنذاك في عمر المراهقة، عمر لا يعرف كثيراً عن الفلسفة ولا عن الوجود ولا عن الهوية . ..لم أكن قد قرأت ما يكفي لأقول إنني عاشق للفكر... لم أكن قد اكتشفت أنني، بطريقة ما، كارل جبران الذي يتشكل ببطء . .. كنت فقط فتى يجلس في الصف، يراقب الكلمات أكثر مما يراقب الأرقام . وضعته ثلاث مرات … أداب . أداب . أداب . كأنني أقول للجنة التوجيه : انتبهوا، هذا ليس خطأً في الترتيب… هذا أنا . كان المطبخ دافئاً تلك اللحظة التي أخبرها فيها بذلك . ..الطاجين على نار هادئة، يفوح برائحة الزيت والبهارات والليمون المصبّر . ...المذياع يصدح بأغاني أمازيغية أطلسية ثم ريفية، ثم نغمة سوسية خفيفة تمرّ كنسمة على روحهما . ...كان اليوم جميلاً بطريقة لا تحتاج إلى تفسير . ...ابتسمت نحوه، تلك الابتسامة التي تعرف ك...