المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل: حين تكشفك الحياة لنفسك...

  مارتن (بعد لحظة صمت، ينظر إلى البعيد): ربما… الحياة جميلة لأنها لا تخدعني يا كارل، حتى حينما تجرحني، لا تدّعي أنها تفعل غير ذلك… كارل (يميل برأسه قليلاً): جميل… بدأت تقترب، لكن لا تزال تشرح أكثر مما تقول… حاول أن تختزل، الفيلسوف لا يكثر، بل يُصيب… مارتن: إذن… الحياة جميلة لأنها لا تكذب… كارل (يبتسم بخفة): هذه جملة أقرب… لكنها قاسية بعض الشيء، كأنك تحاكم الحياة، لا كأنك تعيشها… مارتن : و هل يجب أن أعيشها بلطف؟ كارل : ليس بلطف، بل بوعي… هناك فرق… اللطف يُجمّل، أما الوعي فيكشف… مارتن (يتنهد): إذن ربما… الحياة جميلة لأنها تكشفني لنفسي… كارل (يضحك ضحكة قصيرة): الآن بدأت تزعجني… مارتن : لماذا؟ كارل : لأنك تقترب من الحقيقة، و الحقيقة مزعجة… مارتن : أليست الحقيقة هي ما يجعل الحياة جميلة؟ كارل : أحيانا… و أحيانا هي ما يجعلها ثقيلة… مارتن : إذن نحن نحب التناقض… كارل : نحن لا نحبه… نحن مكوّنون منه… مارتن (بابتسامة خفيفة): هذا أجمل ما قلته منذ بدأنا الحديث… كارل : لا تُجامِل… أنا فقط أرتّب فوضاك… مارتن : و أنا أقدّم لك الفوضى لتفعل ذلك… كارل : علاقة عادلة… مارتن : كارل… هل تعتقد أن الجم...

حانة بلا حبيبة

  في هذه اللحظة، أنا جالس في حانة، نفس الحانة تقريبًا أو ربما حانة أخرى تشبهها لدرجة أنني لم أعد أميز بينها، لأن كل الحانات في النهاية تبدو كنسخ متكررة من فكرة واحدة: طاولة، كرسي، موسيقى لا أحد ينصت لها، وأشخاص يعتقدون أنهم مختلفون بينما هم يشربون نفس الجعة. لماذا جئت؟ لأنني، بكل بساطة، صرت زبونًا مخلصًا لفكرة الهروب المؤقت. ولأنني أحب أن أكون وحدي… لكن ليس تمامًا، فقط بنسبة مدروسة، كأنني أضبط مستوى الصوت في حياتي: لا صمت كامل، ولا ضجيج مزعج، فقط همهمة بشرية في الخلفية. طلبت جعة. ثم جعة أخرى. أنا لا أحب الجعة إلى هذا الحد، لكن يبدو أن الجعة تحبني، أو على الأقل تحب أن ترافقني في قراراتي السيئة. دخنت لفافة، ثم قلت: لن أدخن أخرى. ثم دخنت أخرى لأؤكد لنفسي أنني صاحب القرار. ثم ثالثة… لأن القرارات تحتاج إلى تأكيد إضافي. الدوخة بدأت. ليست دوخة مزعجة، بل تلك التي تجعلك تعتقد أنك فهمت شيئًا مهمًا عن الحياة، بينما في الواقع أنت فقط أبطأت سرعة أفكارك إلى حد أنها صارت تبدو عميقة. أنظر حولي: شخص يضحك بصوت عالٍ أكثر من اللازم. آخر يتحدث وكأنه يلقي خطابًا في مؤتمر عالمي حول “أهمية الجعة في بناء ا...

قهوتي، سيجارتي، وأنا بينهما

  أستيقظ أحيانًا وكأنني مشروع إنساني مكتمل المواصفات: رجل محترم، يحمل نسخة أصلية من القيم العائلية، معتمدة منذ الطفولة، صالحة للاستخدام اليومي. أفتح هاتفي كموظف يبدأ دوامه، أرسل “صباح الخير” الجماعية، مرفقة بابتسامة صفراء وإيموجي مدروس بعناية، ثم أتنقل بين الناس كقمر صناعي اجتماعي: أمي؟ بخير...أبي؟ بخير...عمي؟ يشتكي قليلاً، لكن هذا ضمن البروتوكول...خالي؟ يسأل عني أكثر مما أسأل عنه، وهذا يربكني قليلًا... أشعر حينها أنني إنسان صالح للاستعمال الآدمي، أؤدي دوري كما ينبغي، وأتحرك في الحياة كما لو أن هناك دليل استعمال غير مرئي يهمس لي: “هكذا تعيش بشكل محترم.” ثم، فجأة، ومن دون سابق إنذار… أصحو على النسخة الأخرى مني. نسخة لا تثق في كل هذا الترتيب. تحدق في الهاتف وكأنه جهاز مراقبة لا وسيلة تواصل. ترى في “صباح الخير” نوعًا من التواطؤ الجماعي على تجاهل عبثية الحياة. في تلك اللحظة، أشعر برغبة عميقة في خيانة هذا النظام بالكامل: أن لا أرسل شيئًا، أن لا أطمئن على أحد، أن أختفي يومًا كاملًا وكأنني تجربة علمية خرجت عن السيطرة. أقول لنفسي: “ما الذي سيحدث لو لم أكن ذلك الشخص اللطيف؟ هل سينهار الكون؟...

حوار مع قلب متناقض

  يهمس لي قلبي بأنني محظوظ، وكأن في داخلي نورًا خفيًا يعرف الطريق حتى حين أضلّه، ويهمس لي أيضًا بأنني منحوس، وكأن ظلاً ثقيلاً يتبعني أينما ذهبت… تناقض لا أستطيع إنكاره، بل أعيشه كحقيقة يومية، كأنني معدن معلق بين مطرقة ونار، لا أدري هل أنا في طور الانكسار أم في طور التشكّل. تأثير هذا التناقض على فكري ليس بسيطًا؛ إنه أشبه بعملية صهر مستمرة، تتناثر فيها أجزاء مني كشرر، وتتجمع من جديد في هيئة لا أتعرف عليها تمامًا… أكوان صغيرة تنفجر في داخلي، ونجوم تولد وتموت دون أن أملك رفاهية التوقف للتأمل الطويل. لطالما أحببت في نفسي تلك القدرة الغريبة على أن أكون قريبًا من الأشياء البسيطة… من الشجر حين يصمت، من السماء حين تتسع، من التفاصيل التي لا يراها كثيرون. كنت أرى في ذلك نوعًا من النقاء، كأنني أستطيع أن أبني فضيلة داخل طريقة تفكيري، لا كقانون مفروض، بل كبنية داخلية، كشيء ينمو معي لا عليّ. كنت أفتخر بأنني أستطيع أن أتكيف، أن أتحمل، أن أصبر… لا الصبر السلبي، بل ذاك الذي يشبه جذور الأشجار، العميق، الصامت، الذي يحتمل الفصول كلها دون أن يفقد هويته. لكن في الوقت نفسه، هناك شيء آخر… شيء لا أستطيع احت...

كأس و كلام

  لستُ أزعم أنني حكيم، ولا أدّعي أنني صاحب كشفٍ عظيم، لكنني جلستُ طويلًا في الحانات، حتى صرتُ أعرف ترتيب الكراسي أكثر من ترتيب أفكاري، وأميّز بين أصوات الكؤوس كما يميّز الفلاسفة بين الوجود والعدم. الحانة ليست مجرد مكان يُسكب فيه الشراب، بل هي مؤسسة غير مُعترف بها رسميًا، لها نظام داخلي أقوى من الدساتير، وقوانين غير مكتوبة أكثر صرامة من قوانين المحاكم. هناك، حيث تختلط الضحكات بالتنهيدات، وتُدار النقاشات العميقة على طاولة لزجة، يجلس أصحاب القرار… أو من يظنون أنفسهم كذلك. ترى المحامي في الحانة لا يتحدث عن القوانين، بل يتجادل مع الكأس، يرفعه كأنه دليل، ويخفضه كأنه تنازل، يبتسم لنفسه كمن ربح قضية لا يعرف موضوعها. والقاضي، يجلس مستقيمًا في البداية، يراقب الجميع بنظرة موزونة… ثم يميل قليلًا مع كل رشفة، حتى يصبح هو نفسه قضية بلا حكم. والطبيب، يحدّق في الزجاجة طويلًا، كأنه يشخّصها، يقلبها ببطء، يبتسم ابتسامة من يعرف الضرر… ثم يشرب على كل حال، وكأنه يؤجل النصيحة لنفسه. والمعلم، يحاول أن يبدأ حديثًا مفهومًا، جملة واضحة، فكرة مرتبة… ثم تتفكك كلماته بين الضحك والضجيج، كأن طلابه لحقوا به إلى ...

مواجهة بلا سكر

  رحلة متأخرة كانت تلك اللحظة مهمة جدًا.. لولاها، لما فهمت أن حبي لذاتي… لم يكن فطريًا كما كنت أظن. منذ عودتي من بني تدجيت، وأنا في تركيزٍ مختلف، هادئ، لكنه حاد. كانت رحلة متأخرة، لكنها كانت صادقة بما يكفي لتغيّر شيئًا عميقًا. فهمت أن الشخص الوحيد الذي يجب أن أعمل عليه،  أن أحبه،  أن أهتم به،  أن أحتضنه… حتى بأنانية أحيانًا،  هو أنا. لطالما كنت منفتحًا نحو الخارج،  أعطي بلا حساب،  أمنح أجزاءً من روحي للآخرين،  وأنتظر…ربما الجميل،  أو في عمق قلبي،  مجرد حنينٍ متبادل. لكن ذلك لم يحدث.  وربما… لن يحدث. فضول الوجود كانت أفكاري تجري  وراء مسعى بدا في البداية مستحيلًا. كنت أظن أنني ألاحق شيئًا أكبر مني، أو بعيدًا عني. لكنني أكتشف الآن، بهدوءٍ غريب،  أن كل ما كانت تدفعني إليه أفكاري،  لم يكن سوى… فضول…فضول لاختبار نفسي،  لاكتشاف ما أستطيع أن أكونه،  داخل هذا الوجود. كأنني لم أكن أبحث عن الهدف،  بل عن حدودي.  سمكة خارج الصنارات لطالما أحببت  أن أعيش أيامي كسمكة. بعيدًا عن مستنقع الصنارات،  بعيدًا...

خبر… ثم فراغ

  لطالما استوقفتني عادة صغيرة، تكاد تبدو بلا معنى، لكنها تتكرر بإصرار خفي. أجد نفسي أفتح يوتيوب، وأكتب في خانة البحث: “جرائد إلكترونية مغربية”، ثم أتنقل من جريدة إلى أخرى، كأنني أتتبع خيطًا غير مرئي يقودني. بين هسبريس وشوف تيفي ونيشان وغيرها، أجد نفسي أغوص في أخبار متشابهة ومختلفة، أخبار تدور في فلك واحد: الجدل، الشأن العام، ما يشغل الناس ويستفزهم. ومع تكرار هذه العادة، اكتشفت شيئًا آخر: لكل مدينة تقريبًا جريدتها، صوتها الخاص، طريقتها في سرد الحكاية. كأن المغرب يتكلم بلغات صغيرة متعددة، وأنا أحاول أن أستمع لكل تلك الهمسات دفعة واحدة. لكن ما يحيرني حقًا، ليس الفعل في حد ذاته، بل الدافع الكامن خلفه. أنا أعيش منعزلًا، في قلب مدينة لا أختلط بها إلا بالقدر الضروري. لا أحب الأخبار، ولا أحتمل ضجيجها، ولا صوت التلفاز وهو يقتحم صباحي حين أريد فقط أن أرتشف قهوتي بهدوء وأراقب الضوء وهو يتسلل. ولا أجد نفسي أيضًا في نقاشات المقاهي أو جلسات العائلة حين تتحول إلى تبادل أخبار لا تمسّ شيئًا في داخلي. ومع ذلك، أعود. أعود بإرادتي، أو ربما بشيء يشبه اللاوعي. أكتب كلمات في البحث دون تخطيط: “جيل التسعين...