من البحر إلى اليابسة
في لحظة لم أكن أظن أنني سأبلغها يومًا، وجدت نفسي قاسيًا على فكرة الحياة ذاتها. لم تكن الفكرة عابرة، ولا طيفًا خفيفًا يمكن صرفه بإشارة من يد، بل كانت ترتجف داخلي كشيء على وشك أن ينفلت من عقاله. كنت أشعر أنني أقف على حافة معنى يتصدع، وأنني إن خطوت خطوة واحدة إضافية، فلن أعود كما كنت . ومع ذلك، ومن مكان لا أعرفه في داخلي، جاء قرار هادئ، غير صاخب، لا يشبه الانهيار بل يشبه التراجع خطوة إلى الوراء. قلت لنفسي: أوقف كل شيء. عد. عد إلى فجيج . لا أعرف هل كنت أهرب أم أواجه. لكنني شعرت أن عليّ أن أعود إلى ذلك الطفل الذي تركته هناك، بين الأزقة اليابسة، تحت سماء لا تمطر إلا نادرًا، وفي بيت كان الدفء فيه أقوى من كل قسوة خارجه. أعلم أن ما يرهقني اليوم ليس وليد هذه السنة وحدها، بل هو تراكم طويل، جذوره ضاربة في سنوات لم أكن أملك فيها لغة لأفهم ما يحدث لي. عنفٌ صامت، قهرٌ يتخفى في العادات، وأسئلة لم يسمح لها أن تُطرح . أريد أن أعود لا لأحتمي، بل لأقف أمام ذلك الطفل وجها لوجه. أن أنظر في عينيه وأقول له: عدتُ ومعي سنة كاملة من التجربة، من البعد، من الاحتكاك بعالم أكبر من البلدة وأصغر من أحلامي....