آخر ليلة في هذا العالم
في هذه الليلة، سأفترض أنها آخر ليلة لي في هذا العالم. آخر ليلة أجلس فيها قرب نافذتي، أراقب أضواء المدينة البعيدة وهي ترتجف كنجوم متعبة، آخر ليلة أشعل فيها سيجارة بيد مرتعشة قليلا، وأشرب الجعة ببطء كأنني أريد أن أُطيل عمر الوقت لدقائق إضافية فقط. سأفترض أنني حين أنام هذه المرة، لن أستيقظ أبدا. أو ربما لن أموت بالمعنى المعروف للموت، ربما فقط سأتبخر بهدوء، كأنني لم أكن هنا يوما، كأن هذا الجسد كان مجرد فكرة عابرة في رأس الكون، وكأن الكاتب الذي يكتب هذه الكلمات الآن ليس سوى ظل مؤقت سيمحوه الصباح. أفكر أحيانا في الذي سيقرأ هذا النص. كيف سيكون شعوره؟ هل سيتوقف قليلا عند هذه الجملة تحديدا؟ هل سينظر حوله في صمت، ثم يشعر فجأة بأن صاحب هذه الكلمات لم يعد موجودا حقا؟ هل سيؤمن أنني اختفيت بالفعل؟ أن الشخص الذي كان يسهر هذه الليلة ويكتب بحزن خافت، صار الآن مجرد غياب؟ ربما سيشعر بشيء يشبه الحنين لشخص لم يقابله قط. وربما لن يشعر بأي شيء، سيمر على الكلمات كما تمر الريح فوق العشب، دون أن تترك أثرا. لا أعرف عماذا يجب أن أكتب في ليلتي الأخيرة هذه. أشعر أن حياتي كانت مليئة بأشياء صغيرة جدا، لكنها كان...