المشاركات

آخر ما نشر كارل!

من أكون عبر الزمن؟

  لطالما تعجبت من نفسي، ومن هذا الأسلوب في الكتابة الذي يعود إليّ دائمًا، مهما ابتعدت عنه أو ظننت أنني تجاوزته. لطالما جاء إلى ذهني كأول محاولة للتعبير عن شيء لا يختلف كثيرًا رغم مرور الزمن، وكأنني أعود في كل مرة إلى السؤال نفسه، وإلى الحيرة نفسها، وإلى ذلك الشعور الغامض الذي لا أعرف له اسمًا. أتذكر نفسي في السابعة عشرة من عمري، أجلس وحيدًا وأكتب بالطريقة نفسها تقريبًا، محاولًا أن أقول الشيء نفسه الذي أحاول قوله الآن. لم تكن الكلمات نفسها، ولم تكن الظروف نفسها، ولم أكن الشخص نفسه تمامًا، ومع ذلك كان هناك شيء ثابت، شيء يمر من خلال كل تلك السنوات دون أن يتغير كثيرًا. وأتذكر أنني كنت أتعجب من نفسي آنذاك كما أتعجب منها اليوم. وهذا ما يثير دهشتي. لقد مرت سنوات طويلة، تغيرت فيها الأماكن والأفكار والوجوه والأحلام، وخسرت أشياء كثيرة وربحت أشياء أخرى، وعرفت من الحياة ما لم أكن أعرفه، لكنني ما زلت أعود إلى ذلك التعجب الأول. ما زلت أنظر إلى نفسي وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه وأجهله في الوقت نفسه. أحيانًا أشعر أنني لم أفهم نفسي بعد، وأحيانًا أشعر أنني اقتربت منها كثيرًا، ثم لا يلبث ذلك الشعور أن ي...

حواريات مارتن و كارل: لغة الحب القاسية

  طنجة، مساء صيفي هادئ. كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركة خيوطًا ذهبية فوق صفحة البحر الممتدة حتى الأفق. من بعيد كانت أصوات النوارس تتداخل مع ضجيج خافت قادم من الكورنيش، بينما كانت نسائم البحر تداعب وجوه المارة وتخفف من حرارة النهار. في مقهى يطل على البحر، جلس كارل ومارتن إلى طاولة صغيرة في زاوية هادئة. أمامهما فنجانا قهوة، وخلفهما مدينة تبدو غارقة في حياتها اليومية، أما هما فكانا غارقين في شيء آخر؛ في أسئلة لا تنتهي عن الحب والذاكرة والزمن. كان كارل يحدق في الأفق البعيد، وكأنه يرى فيه صورًا لا يراها أحد سواه. أما مارتن فكان يتأمله بصمت، مدركًا أن خلف ذلك الشرود حكايات كثيرة لم تُحكَ بعد. بعد لحظات طويلة من الصمت، قال مارتن: مارتن: ماذا يكتب العشاق حينما يحبون يا كارل؟ أدار كارل رأسه نحوه قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال: كارل: العشاق لا يكتبون، الحب يكتبهم بنفسه يا مارتن... مارتن: إنني أفكر في القصص التي عشتها يا كارل في الحب، وأفهم من جوابك أنك تعلمت بقسوة أن تتحمل معاناة الحب والوحدة، لدرجة أنك تصورت أن الحب كتبك الآن... كارل: أجل، لقد مررت بتجارب حب عميقة وقاسية، وتحملت الكث...

محاكمة الصباح

(صباح الرابع من يونيو 2026، طنجة) لم يكن الأمر ممتعًا في الصباح، بل إنني لم أستوعب حجم الخطأ الذي اقترفته إلا بعدما أصبح الخطأ واقعًا لا يمكن إصلاحه. تأخرت عن لقاء عمل مهم، ووجدت نفسي أحدق في الساعة كمن يكتشف فجأة أن الزمن ليس فكرة مجردة، بل شيء يمر فعلًا ويترك وراءه آثارًا حقيقية. الغريب أنني ليلة البارحة لم أكترث كثيرًا. كنت أعرف أن لدي التزامات في الصباح، وأعرف ما ينبغي أن أفعله، لكن شيئًا ما بداخلي كان قد استسلم. ليس استسلامًا بطوليًا أو حزينًا كما تصوره الروايات، بل استسلامًا باردًا، عديم الشكل، كأنني وضعت سلاحي على الأرض وقررت أن أترك الحياة ترتب نفسها بنفسها. لم أعد أفكر في أولويات الغد، ولا في ما يجب إنجازه، ولا حتى في الأشياء التي أحبها عادة. الحقيقة أنني لم أنم أصلًا. كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، وأنا ما زلت مستلقيًا على الأريكة. أراقب الظلام وهو ينسحب ببطء من الغرفة، وأراقب الضوء وهو يتسلل من النافذة دون أن أشعر بأنني جزء من هذا التحول. كنت أفكر في كل شيء، ولذلك لم أستطع التفكير في أي شيء. تمر الأفكار مثل أسراب طيور مذعورة، لا تستقر على غصن واحد. العمل، المستقبل، الم...

رحلة متاعب اسمها العيد

  لم أرغب في الكتابة، ولم أكن محفزًا لها، لكن، وكعادتي دائمًا، أجد أن المخرج الوحيد ليوم أريد له نهاية حقيقية، هو أن أكتب. وكان من الصدفة ربما، أن هذه اللحظة توازي حاليًا في المغرب لحظة العيد، أقصد عيد الأضحى. هذا العيد الذي ألفت، منذ سنوات، أن أكون فيه بجانب عائلتي الصغيرة، لا لشيء ديني حقًا، بل فقط لأنهم يكونون سعداء بحضوري معهم خلال يوم العيد، ولا يزعجني الأمر أن أفعل ذلك، حتى وأنا بعيد جدًا عنهم. فأن تكون في أقصى شمال المغرب، وتسافر إلى أقصى شرق المغرب الجنوبي، فأنت حتمًا تذهب من آخر نقطة حدودية بحرية إلى آخر نقطة حدودية برية. والأمر دائمًا بالنسبة لي، رحلة متاعب، رحلة فيها قلق، وأحيانًا مرض وتعب وإرهاق. وحتى بوجود المال، لا يمكن تجاوز بعض العثرات المرتبطة بمصيري مع رحلة الجنوب الشرقي، فلا بد من الحظ، مثلًا أن تكون شركة الطيران تعمل في الأيام التي أود السفر فيها، أو أن يكون هنالك نوع من الصفاء الذهني بداخلي أيضًا. وغالبًا لا تجتمع كل هذه الظروف مرة واحدة، لا بد أن ينقص الرحلة شيء ما. هذه المرة، لا الطائرة موجودة، ولا أنا صافي الذهن، وفوق هذا، مناسبة عيد الأضحى، المغرب كله يتنقل...

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

كلما تذكرت، ابتعدت الأشياء أكثر

  أحيانا أشعر أن حياتي كلها حدثت في أسبوع واحد فقط. أتذكر نفسي صغيرًا، أجلس على الأرض أمام البيت، أراقب الناس يمرون، و أظن أن العالم كبير جدًا، و أن الكبار يعرفون كل شيء. كانت الأيام طويلة بشكل غريب، الظهيرة لا تنتهي، و العطلة الصيفية تبدو كأنها عمر كامل. كنت أستطيع أن أعيش أسبوعًا كاملًا فقط من أجل لعبة صغيرة، أو من أجل زيارة قريبة، أو فقط لأن أبي وعدني أن نخرج مساءً. اليوم، تمر الأسابيع دون أن أشعر بها. أحيانا أستيقظ صباحًا، ثم أجد الليل قد جاء بسرعة غير مفهومة، كأن النهار لم يُفتح بالكامل أصلًا. حتى الفصول لم تعد واضحة كما كانت، لم أعد أشعر بدخول الشتاء كما كنت أشعر به وأنا صغير، ولا برائحة الصيف الأولى، كل شيء صار يمر سريعًا، هادئًا، دون أن يترك أثره الطويل. الغريب أن الذاكرة ما تزال تحتفظ بكل شيء. أتذكر وجوهًا لم أرها منذ سنوات، و أتذكر بيوتًا هُدمت ربما، و طرقًا كنت أظنها بعيدة جدًا، ثم اكتشفت حين كبرت أنها لا تبعد سوى دقائق. أتذكر أصوات الملاعق في المطبخ، و صوت التلفاز في الليل، و تلك الطمأنينة القديمة حين كان كل شيء مرتبًا بطريقة لا أفهمها، لكنني كنت أشعر بها. كبرنا فجأة. أ...

لا بيت أخير لنا

 ليس سهلا أن يشعر الإنسان اليوم بأنه ينتمي فعلا إلى شيء ثابت. خصوصا في هذا العصر الذي صارت فيه المدن الكبيرة تبتلع الناس بهدوء، دون أن ينتبهوا أنهم يفقدون شيئا أساسيا في داخلهم. ربما لأن الحياة الحديثة لم تعد تصنع جماعات، بل تصنع أفرادا متجاورين فقط، أفرادا يمرون قرب بعضهم مثل العابرين في محطة قطار طويلة. أحيانا أفكر أن الإنسان قديما، في زمن القبائل والقصور والواحات، لم يكن يحتاج أن يسأل نفسه: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟ كان يولد فيجد العالم قد سبق واحتضنه قبل أن يفهم أي شيء. الأرض موجودة، النخيل موجود، الناس يعرفونه حتى قبل أن يتعلم الكلام، والعائلة ليست مجرد أب وأم وإخوة، بل شبكة كاملة من الوجوه والبيوت والقرابة والذاكرة والعمل المشترك. حتى الفقر وقتها كان له معنى مختلف، لأنه فقر داخل جماعة، لا فقر داخل عزلة. الطفل هناك لم يكن مطالبا أن يخترع نفسه من الصفر. لم يكن مطلوبا منه أن يهاجر باحثا عن معنى أو وظيفة أو فرصة. كان يكبر فقط ليدخل مكانه الطبيعي وسط دورة الحياة. يعمل، يتعب، يحب، يتزوج، ويواصل ما بدأه الذين قبله. ربما كانت الحياة قاسية، لكنها كانت مفهومة. أما نحن، أبناء المدن الحديث...