المشاركات

آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

نصوص كتبتها كي لا أموت وحدي

  رياح طنجة في سبتمبر كل شيء جميل، أو هكذا يبدو لي الآن على الأقل. النباتات الصغيرة أمامي تراقصها الريح كأنها تعرف موسيقى لا أسمعها أنا، ورائحة جميلة تنتشر من قميصي كلما تحرك الهواء، فيما تتداخل أصوات بعيدة مع موسيقى الأمازيغ الأحرار، أهل الجبال، أولئك الذين أشعر أحيانًا أن في أصواتهم شيئًا قديمًا جدًا، شيئًا أعرفه ولا أعرف من أين أعرفه . أمسك القلم كأنني أمسك وسيلة صغيرة لمقاومة الوقت، كأنني أقول لهذه اللحظة: انتظري قليلًا، لا تمري بهذه السرعة، دعيني أحتفظ بك هنا على الورق، حتى إذا ساء كل شيء غدًا أعود إليك وأتأكد أنك حدثت فعلًا. أمامي قنينة الجعة المغربية الخضراء، سبيسيال جولد، ولفافة حشيش، والجو جميل في شقة بالطابق الثامن. رياح طنجة في سبتمبر تدخل من النافذة بلا استئذان، تحرك الستارة، تلمس وجهي، وتجعل المدينة تبدو من فوق أصغر مما هي عليه حين أكون وسط شوارعها . من هنا يبدو كل شيء هادئًا، والغريب أنني لست هادئًا. هناك حرب نفسية عميقة بداخلي لا يراها أحد من هذه النوافذ. المدينة ساكنة وأنا ممتلئ بالأصوات. البحر بعيد وهادئ وأنا لا أعرف كيف أصل إلى هدوئه. متى أصبح هادئًا وغير مش...

اعترافات متأخرة: الرسالة الثانية

  كلما أخفيتُ سعادتي، عشتُها بصورة أصدق . كلما أبقيتُها في داخلي، بعيدًا عن العيون والأسئلة والتفسيرات، شعرتُ بأنها تخصني حقًا؛ لا يستطيع أحد أن يلوّثها بحكم، أو ينتزع منها براءتها بتعليق ساخر، أو يحوّلها إلى مناسبة للمقارنة والغيرة والشك. أعيشها وحدي، دون أن يراني أو يسمعني أحد، حتى أولئك الذين يُفترض أنهم الأقرب إليّ، فتظل كاملة، هادئة، ومستدامة، كأن الأشياء الجميلة لا تحتاج دائمًا إلى شهود كي تصبح حقيقية . لقد فهمت، بعد سنوات طويلة، أن السعادة التي نعرضها على الآخرين لا تعود إلينا كما كانت. ما إن نفتح لها نافذة حتى تدخل إليها أصوات كثيرة: من يسألنا لماذا نفرح، ومن يرى في فرحنا استفزازًا لحزنه، ومن يبحث فيه عن نقص ليطمئن إلى أنه ليس أقل منا، ومن يعجز ببساطة عن مشاركتنا الشعور الجميل. لذلك تعلمت ألا أضع كل ما يضيء في داخلي على طاولة مكشوفة، منتظرًا من الآخرين أن ينظروا إليه بعينيّ أنا . نحن نعيش في عالم قلق وهش، عالم ممتلئ بأشخاص يخوضون حروبًا صامتة مع أنفسهم. بعضهم، حين يرى إنسانًا سعيدًا، لا يعرف كيف يفرح له؛ لأن سعادة الآخر توقظ فيه ما فقده، أو ما لم يستطع الوصول إليه. وحين...

الخروج من قصة نفسي

القلق المستمر، والشك في الذات، والأسئلة التي لا تنتهي. أقولها بهذه الطريقة وكأنني ضحية شيء غامض يحدث لي، وكأن رأسي غرفة اقتحمها غرباء وقرروا السكن فيها. لكن ربما الحقيقة أقل شاعرية من ذلك. ربما جزء كبير من تعبي صنعته بنفسي. أفكر كثيرا، نعم، لكنني أيضا أستخدم التفكير أحيانا حتى لا أفعل شيئا. أحلل نفسي، ثم أحلل تحليلي لنفسي، ثم أتساءل إن كان تحليلي صادقا، ثم أبحث عن سبب يجعلني هكذا، فأعود إلى الماضي، إلى الناس، إلى المجتمع، إلى الخوف، إلى الحساسية، إلى الظروف... وتمر الساعات وأنا ما زلت في المكان نفسه. كأن فهم سبب الحريق سيطفئ النار. لكنه لا يطفئها . يوما أشعر بالحماية والتميز، وكأن الحياة تخبئ لي شيئا عظيما، وكأنني مختلف، وكأن كل هذا الاضطراب ليس إلا مقدمة لحياة استثنائية تنتظرني. لكن حتى هذه الفكرة بدأت تثير شكي. لماذا يجب أن أكون استثنائيا؟ لماذا لا أقبل أنني إنسان عادي، عليه أن يعمل ويتعلم ويفشل ويكرر المحاولة مثل ملايين البشر؟ ربما فكرة أنني «مختلف» لم تكن دائما إيمانا بالنفس، بل كانت أحيانا طريقة جميلة للهروب من حقيقة أكثر إزعاجا: أن الموهبة لا تكفي، والذكاء لا يكفي، والحساسية لا ت...

اعترافات متأخرة: الرسالة الأولى

ليس من السهل عليّ أن أتحدث عن النجاح في العمل، لأنني لم أعد أعرف إن كان ما حققته يُسمّى نجاحًا فعلًا، أم أنه مجرد قدرة طويلة على الاحتمال. لقد مرّت أكثر من خمس سنوات منذ حصلت على أول فرصة عمل. بعد سنوات الدراسة والاعتماد على الأهل، بدأت أكسب مالي بنفسي، وأدفع نفقاتي، وأتنقل بين المدن والشركات، وأتولى مسؤولية حياتي. صرت، وفق المعايير الشائعة، شابًا نشيطًا وناجحًا داخل الحياة الاقتصادية. لم أعد أنتظر من أحد أن ينفق عليّ، وأصبحت قادرًا على مساعدة أهلي أحيانًا، والسكن في مكان جيد، وشراء ما أحتاج إليه، والسفر حين تسمح الظروف. من الخارج، تبدو الحكاية مستقيمة: درست، ثم عملت، ثم استقللت، ثم تقدمت. لكنها لا تبدو كذلك من الداخل. في أعماقي، لا أشعر بالفخر الذي يُفترض أن يصاحب هذه الرحلة. أشعر بشيء أقرب إلى خيبة الأمل؛ خيبة لا تتعلق بوظيفة بعينها أو بشركة محددة، بل بالطريقة التي اكتشفت أن الحياة تعمل بها. كنت أظن أن العمل سيمنحني الحرية، ثم وجدت أنه يمنحني قدرًا محدودًا من الحرية مقابل أن يأخذ الجزء الأكبر من وقتي وطاقتي. لقد حررني العمل من الاعتماد على الأهل، لكنه أخضعني لاعتماد آخر: الاعتماد على...

حين نسمّي القفص سماءً

  يقال إن الطيور على أشكالها تقع، وقد كنت أفهم هذه العبارة، مثلما يفهمها معظم الناس، على أن المتشابهين يلتقون، وأن الإنسان، مهما ابتعد، سينتهي به الأمر إلى صحبة من يشبهونه في الطباع والرغبات وطريقة النظر إلى العالم. لكنني، كلما أعدت العبارة في رأسي، توقفت طويلًا عند كلمة «تقع»، وشعرت بأنها تقول شيئًا أكثر قسوة وغموضًا مما اعتدنا أن نسمعه فيها. فالطيور لا تقع على أشكالها بمعنى أنها تجتمع بها فقط؛ لعلها تقع أيضًا بمعنى أنها تتعثر بها، أو تسقط فيها، أو تنتهي إلى المصير الذي كان شكلها نفسه يقودها إليه. ربما كان كل واحد منا يسقط، في مرحلة ما، في الشكل الذي تكوّن داخله منذ البداية. لا أعرف إن كان هذا التأويل عادلًا للعبارة، وربما لا يهم أن يكون عادلًا لها بقدر ما يهم أنه يكشف شيئًا نراه كل يوم ولا ننتبه إليه. فالناس، على اختلافهم، يمرون بأشياء متشابهة: يمرضون، ويفشلون، ويخسرون من يحبون، ويكبرون، ويفقدون بالتدريج ذلك الشعور القديم بأن الحياة فضاء مفتوح لا نهاية لاحتمالاته. غير أن كل واحد يعيش هذه الوقائع بطريقته، لأن الواقعة شيء، وما تفعله في أعماق الإنسان شيء آخر. نحن نمرض جميعًا، لكن ال...