المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حين نسمّي القفص سماءً

  يقال إن الطيور على أشكالها تقع، وقد كنت أفهم هذه العبارة، مثلما يفهمها معظم الناس، على أن المتشابهين يلتقون، وأن الإنسان، مهما ابتعد، سينتهي به الأمر إلى صحبة من يشبهونه في الطباع والرغبات وطريقة النظر إلى العالم. لكنني، كلما أعدت العبارة في رأسي، توقفت طويلًا عند كلمة «تقع»، وشعرت بأنها تقول شيئًا أكثر قسوة وغموضًا مما اعتدنا أن نسمعه فيها. فالطيور لا تقع على أشكالها بمعنى أنها تجتمع بها فقط؛ لعلها تقع أيضًا بمعنى أنها تتعثر بها، أو تسقط فيها، أو تنتهي إلى المصير الذي كان شكلها نفسه يقودها إليه. ربما كان كل واحد منا يسقط، في مرحلة ما، في الشكل الذي تكوّن داخله منذ البداية. لا أعرف إن كان هذا التأويل عادلًا للعبارة، وربما لا يهم أن يكون عادلًا لها بقدر ما يهم أنه يكشف شيئًا نراه كل يوم ولا ننتبه إليه. فالناس، على اختلافهم، يمرون بأشياء متشابهة: يمرضون، ويفشلون، ويخسرون من يحبون، ويكبرون، ويفقدون بالتدريج ذلك الشعور القديم بأن الحياة فضاء مفتوح لا نهاية لاحتمالاته. غير أن كل واحد يعيش هذه الوقائع بطريقته، لأن الواقعة شيء، وما تفعله في أعماق الإنسان شيء آخر. نحن نمرض جميعًا، لكن ال...

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

البحر لا يجيب

 في السماء لا تطير الطيور فقط، إنها ترى، وتفهم. وفي عمق البحر أمشي، كأن قدميَّ تحفظان ألفة الماء. بين البحر والسماء لا تكفي الرؤية، ولا يكفي الفهم، ولا يكفي أن نمشي. ثمة شيءٌ آخر، شيءٌ يشبه الطريق ولا يصل إلى مكان: محاولةٌ هادئة لإيجاد المعنى. في طنجة لم أجد المعنى. كانت الجبال تبتعد كلما اقتربتُ منها، وكان البحر يبسط زرقته أمامي ولا يمنحني جوابًا. الطيور تعبر بطمأنينةٍ لا أعرفها، والريح تعرف طريقها، أما أنا فأمشي وفي يدي سؤالٌ لا وطن له. كلُّ هذا البحر، كلُّ تلك الجبال، كلُّ هذه السماء ولا معنى. لا عليكِ، أيتها الحياة. لقد سافرتُ مدنًا كثيرة، وتركتُ خلفي طرقاتٍ ونوافذَ وأسماءً لم تعد تعرفني. والآن أنا في الشمال. لا شيء أمامي إلا البحر. لا عليكِ، أيتها الجبال. عبرتُ قممًا كثيرة، وفي كل قمة كان المعنى يؤجّل موعده. بحثتُ عنه في البحر، فأعطاني البحرُ ماءه. بحثتُ عنه في الطيور، فأعطتني السماء. بحثتُ عنه في الجبال، فأعطتني المسافة. ولم أجد المعنى. ربما آن الأوان أن أتوقف عن البحث. أن أترك البحر بحرًا، والطير طيرًا، والجبل جبلًا. وأن أمشي دون أن أسأل الطريق إلى أين يأخذني. ربما آن الأوان...