المشاركات

آخر ما نشر كارل!

في صعوبة أن نكون بخير

  ليس أمرًا سهلًا أن تكون بخير، وليس أمرًا صعبًا، على عكس ما قد يوحي به التعبير، أن تكون في مأساة. ولعلني أقول هذا بشيء من المبالغة، أو ربما بشيء من الصدق الذي لا أعرف كيف أضعه في عبارة أقل قسوة. فإنني، وبحق القلب والروح، تعلمت أن المأساة هي البشرية، أو على الأقل هي شيء من جوهر وجود الجميع، شيء لا يمكن أن نفصله عن الإنسان مهما حاولنا أن نجعل من حياته قصة جميلة تستحق أن تُروى. وربما قد كتب في هذا الأمر فلاسفة من قبلي، وقديسون، ورجال دين وروحانيون، وربما أشخاص عاديون لم يجدوا من يقرأ ما كتبوه، أو لم يكتبوا شيئًا أصلًا. ولكن لا يهم. فالحكمة ليست في أن الحقيقة قد اكتُشفت من قبل، ولا في أن نكون أول من قالها، وإنما في أننا، ولسوء الحظ أحيانًا، مضطرون إلى اكتشافها في كل مرة، بأنفسنا، وبالطريقة التي تسمح لنا بها الحياة. كأن المعرفة لا تنتقل كاملة من إنسان إلى آخر، وكأن بعض الحقائق، رغم وضوحها، لا تصبح حقيقية في داخلنا إلا بعد أن ندفع شيئًا من أعمارنا ثمنًا لها. وقد يكون هذا في حد ذاته مأساة أخرى. أن تعرف أن غيرك قد عاش الألم نفسه، وأن تقرأ عنه، وأن تفهمه من بعيد، ثم يأتي يوم تجد فيه نفسك أ...

لم يحدث ما يستحق توقف العالم

تمر أيامي يا نورة كأنها حلقات معادة من برنامج تلفزيوني ممل، يشاهده الناس كل مساء، لا لأنهم يحبونه، ولكن لأن الملك لا يحب الجديد، ولأن وزير الثقافة مقتنع بأن التغيير مؤامرة خارجية، ولأن الشعب، بعد سنوات طويلة من مشاهدة الحلقة نفسها، أصبح يخاف أن يموت أحد الممثلين فيضطر إلى تعلّم أسماء جديدة. تمر أيامي كأيام جدة عجوز أنجبت من الأولاد ما يكفي لتأسيس قبيلة، ثم أنجب أولادها من الأحفاد ما يكفي لتأسيس دولة، فأصبحت تنادي الجميع باسم واحد، لا لأنها فقدت ذاكرتها، بل لأنها اكتشفت متأخرة أن الأسماء لا تغيّر كثيرًا من حقيقة البشر، وأن الطفل الذي يبكي لأنه جائع لا يختلف كثيرًا عن الرجل الذي يبكي لأنه عاش أكثر مما يجب في انتظار شيء لا يأتي. تمر أيامي كالسجن الذي خُصّص لأولئك الذين ارتكبوا جرائم دفاعًا عن ذاكرتهم، الذين رفضوا أن ينسوا ما طلب منهم القاضي نسيانه، والذين احتفظوا برسائل قديمة وصور ناقصة وأسماء نساء لم يعد لهن وجود إلا في هواتف معطلة وقلوب ترفض تحديث أنظمتها. وهل تعرفين كيف تمر أيامي أيضًا؟ تمر يا نورة كأنها محاولات انتحار رمزية يقوم بها رجل حكمت عليه الآلهة بالخلود؛ كلما حاول أن ينهي يومه...

نص مسرحي: بين حكيم و جبران

  تفتح الستارة على حديقة واسعة، أشجارها عالية، وأرضها مبللة. يُسمع صوت المطر وهو يضرب الأوراق والمقاعد الحديدية. في آخر الممر يظهر شاب نحيل يمشي ببطء، كأنه لا يعرف إلى أين يذهب. إنه حكيم. يرتدي معطفًا داكنًا، وشعره مبلل، ويداه ترتجفان من البرد. هاتفه مغلق منذ الصباح. يمشي وحيدًا منذ ساعات، ولا يبدو أنه ينتظر أحدًا. حكيم: (يتوقف أمام شجرة كبيرة) ثلاثون سنة... يا إلهي، ثلاثون سنة. في هذا العمر يتزوج الناس، ينجبون الأطفال، يشترون البيوت، ويفرحون بالسيارات الجديدة. وأنا؟ (يبتسم ابتسامة حزينة) أنا أفرح حين يمر يوم كامل دون أن أشعر بالتعب. أفرح حين أستيقظ في الصباح ولا أجد ذلك الحزن الثقيل جالسًا فوق صدري. أفرح حين أستطيع أن أقرأ عشر صفحات دون أن يهرب مني التركيز. يا لها من أحلام صغيرة! (يصمت قليلًا) هل هذه هي الحياة التي كنت أحلم بها حين كنت طفلًا؟ أذكر أنني كنت أريد أن أصبح شيئًا عظيمًا. لا أعرف ما هو ذلك الشيء العظيم، لكنني كنت متأكدًا أنني سأكون سعيدًا. (ينظر إلى السماء) أين ذهبت كل تلك الثقة؟ يشتد المطر. يمشي حكيم نحو مقعد حجري تحت شجرة، فيجلس عليه. يخرج من جيبه دفترًا صغيرًا، وقد ا...