المشاركات

آخر ما نشر كارل!

الخروج من قصة نفسي

القلق المستمر، والشك في الذات، والأسئلة التي لا تنتهي. أقولها بهذه الطريقة وكأنني ضحية شيء غامض يحدث لي، وكأن رأسي غرفة اقتحمها غرباء وقرروا السكن فيها. لكن ربما الحقيقة أقل شاعرية من ذلك. ربما جزء كبير من تعبي صنعته بنفسي. أفكر كثيرا، نعم، لكنني أيضا أستخدم التفكير أحيانا حتى لا أفعل شيئا. أحلل نفسي، ثم أحلل تحليلي لنفسي، ثم أتساءل إن كان تحليلي صادقا، ثم أبحث عن سبب يجعلني هكذا، فأعود إلى الماضي، إلى الناس، إلى المجتمع، إلى الخوف، إلى الحساسية، إلى الظروف... وتمر الساعات وأنا ما زلت في المكان نفسه. كأن فهم سبب الحريق سيطفئ النار. لكنه لا يطفئها . يوما أشعر بالحماية والتميز، وكأن الحياة تخبئ لي شيئا عظيما، وكأنني مختلف، وكأن كل هذا الاضطراب ليس إلا مقدمة لحياة استثنائية تنتظرني. لكن حتى هذه الفكرة بدأت تثير شكي. لماذا يجب أن أكون استثنائيا؟ لماذا لا أقبل أنني إنسان عادي، عليه أن يعمل ويتعلم ويفشل ويكرر المحاولة مثل ملايين البشر؟ ربما فكرة أنني «مختلف» لم تكن دائما إيمانا بالنفس، بل كانت أحيانا طريقة جميلة للهروب من حقيقة أكثر إزعاجا: أن الموهبة لا تكفي، والذكاء لا يكفي، والحساسية لا ت...

حين نسمّي القفص سماءً

  يقال إن الطيور على أشكالها تقع، وقد كنت أفهم هذه العبارة، مثلما يفهمها معظم الناس، على أن المتشابهين يلتقون، وأن الإنسان، مهما ابتعد، سينتهي به الأمر إلى صحبة من يشبهونه في الطباع والرغبات وطريقة النظر إلى العالم. لكنني، كلما أعدت العبارة في رأسي، توقفت طويلًا عند كلمة «تقع»، وشعرت بأنها تقول شيئًا أكثر قسوة وغموضًا مما اعتدنا أن نسمعه فيها. فالطيور لا تقع على أشكالها بمعنى أنها تجتمع بها فقط؛ لعلها تقع أيضًا بمعنى أنها تتعثر بها، أو تسقط فيها، أو تنتهي إلى المصير الذي كان شكلها نفسه يقودها إليه. ربما كان كل واحد منا يسقط، في مرحلة ما، في الشكل الذي تكوّن داخله منذ البداية. لا أعرف إن كان هذا التأويل عادلًا للعبارة، وربما لا يهم أن يكون عادلًا لها بقدر ما يهم أنه يكشف شيئًا نراه كل يوم ولا ننتبه إليه. فالناس، على اختلافهم، يمرون بأشياء متشابهة: يمرضون، ويفشلون، ويخسرون من يحبون، ويكبرون، ويفقدون بالتدريج ذلك الشعور القديم بأن الحياة فضاء مفتوح لا نهاية لاحتمالاته. غير أن كل واحد يعيش هذه الوقائع بطريقته، لأن الواقعة شيء، وما تفعله في أعماق الإنسان شيء آخر. نحن نمرض جميعًا، لكن ال...

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...