المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حين اخترت الآداب ولم أكن أعرف لماذا

  هل تعلمين يا حبيبتي، هناك سؤال ظلّ يرافقني كظلّ شجرة قديمة … سؤال لم أعرف يوماً كيف أجيب عنه بصدق كامل . لماذا سنة 2010، وأنا في الإعدادي بإعدادية مولاي علي بن العابد ببني تدجيت، اخترت شعبة الآداب في الثانوي؟ ولماذا وضعت الاختيار نفسه ثلاث مرات… كأنني أوقّع اسمي عليه بإصرار طفل يخشى أن يُمحى؟ كنت آنذاك في عمر المراهقة، عمر لا يعرف كثيراً عن الفلسفة ولا عن الوجود ولا عن الهوية . ..لم أكن قد قرأت ما يكفي لأقول إنني عاشق للفكر... لم أكن قد اكتشفت أنني، بطريقة ما، كارل جبران الذي يتشكل ببطء . .. كنت فقط فتى يجلس في الصف، يراقب الكلمات أكثر مما يراقب الأرقام . وضعته ثلاث مرات … أداب . أداب . أداب . كأنني أقول للجنة التوجيه : انتبهوا، هذا ليس خطأً في الترتيب… هذا أنا . كان المطبخ دافئاً تلك اللحظة التي أخبرها فيها بذلك . ..الطاجين على نار هادئة، يفوح برائحة الزيت والبهارات والليمون المصبّر . ...المذياع يصدح بأغاني أمازيغية أطلسية ثم ريفية، ثم نغمة سوسية خفيفة تمرّ كنسمة على روحهما . ...كان اليوم جميلاً بطريقة لا تحتاج إلى تفسير . ...ابتسمت نحوه، تلك الابتسامة التي تعرف ك...

الكتابة كمسافة بين الصدق والرحمة

  الكتابة ليست فعلًا بسيطًا كما تبدو، وليست معقّدة كما نحب أن نبرّر لأنفسنا. هي، في جوهرها، مساحة بين الجرأة والتردّد، بين الرغبة في البوح والخشية من العاقبة. ما دام الإنسان تعلّم الحروف، فهو قادر على أن يكتب. لكن حين تتزاحم المعاني في رأسه، وتتشابك الأسئلة مع القيم، ويصبح لكل جملة ظلٌّ سياسي أو ديني أو اجتماعي، عندها تتحوّل الكتابة إلى امتحان داخليّ، لا إلى تمرين لغوي . أحيانًا أشعر أنني لا أخاف من ردّة الفعل بقدر ما أخاف من وضوح الفكرة نفسها. لأن الفكرة إذا اكتملت، صارت موقفًا. والموقف إذا كُتب، صار إعلانًا. والإعلان، في عالمٍ مزدحم بالحساسيّات، قد يُحسب عليك لا لك. فهل أكتب لأنني أبحث عن الحقيقة؟ أم لأنني أبحث عن نفسي داخل هذه الحقيقة؟ وهل يسمح الزمن الراهن بمساحةٍ آمنة للتفكير بصوتٍ مسموع؟ لطالما رغبت أن أكتب عن كل شيء: عن الدين حين يُفهم بوصفه تجربة روحية لا شعارًا، عن السياسة حين تتحوّل إلى لعبة مصالح لا مشروع قيم، عن الاقتصاد حين يُقاس الإنسان فيه بالأرقام، وعن المجتمع حين يُخفي تناقضاته خلف أعرافٍ مقدّسة. لكنني، في كل مرة، أجد نفسي أمام سؤال بسيط وقاسٍ: هل الكتابة تغيير، أم...

حواريات مارتن و كارل: حين يكون الإبداع ضرورة

  مساء شتوي هادئ. نافذة مفتوحة على شارع مبلل بالمطر، وضوء أصفر خافت ينساب فوق طاولة صغيرة في مقهى شبه فارغ. يجلس مارتن أمام كارل، وبينهما صمت كثيف كأنهما يتلمسان فكرة لا تريد أن تُقال بسهولة . مارتن: هل حقًا حينما تحب شيئًا وتحلم به يتحقق؟ أقصد ليس مجرد رغبة عابرة، بل شيء داخلك يحثك عليه، يدفعك نحوه حتى وأنت تحاول أن تتجاهله، ألا تؤمن به، أن تقنع نفسك أنه وهم… ثم يعود. يعود بإلحاح غريب، كأنه لا يقبل أن يُنسى . كارل: أعطني مثالًا دقيقًا لأفهم ما تعنيه . مارتن : حكيم مثلًا. نعرفه جميعًا. أراه دائمًا يعيش في تناقضات كثيفة كسحاب الشتاء؛ يهرب من شيء ثم يغرق في شيء آخر. أحيانًا يبدو كمن يركض بعيدًا عن ذاته، وأحيانًا كمن يسلم نفسه لها بالكامل. لكنه في النهاية مبدع. لديه حدس حاد، يفهم ما يجري بسرعة، يلتقط الإشارات قبل أن تكتمل. رأيته يفشل كثيرًا، يتعثر، يضيع في اختياراته، ثم فجأة أراه راقيًا في التربية، في تكنولوجيا التعلم، في الشعر والفن والموسيقى. كأن شيئًا يقوده رغم فوضاه. ومع ذلك، يقول إن ما يفعله ليس نجاحًا، بل مجرد تعبير عن تراكمات نفسية، عن عقد قديمة، عن محاولة تفريغ داخلي. يرفض أ...

السكن في الغياب

لطالما عشت كمن يستعير نفسه ليوم واحد ثم يعيدها دون أن يسألها إن كانت بخير. أستيقظ في الصباح، أرتدي ملامحي بعناية، أخرج إلى العالم كأنني أعرف الطريق، بينما في داخلي تتراكم الأسئلة بلا أسماء، بلا عناوين، فقط ثقل خفيف لا يُرى لكنه يُتعب . أمشي كثيرًا داخل رأسي. أركب أفكارًا لا تصل إلى محطات، أُقيم في احتمالات، وأقضي ساعات كاملة وأنا حاضر بالحد الأدنى، غائب بالحد الأقصى. الناس في العمل، في الشارع، في المقاهي العابرة، يرون شابًا يؤدي دوره بإتقان: يبتسم حين يجب، يصغي حين يُنتظر منه الإصغاء، ويتفاعل كما لو أن التفاعل جزء طبيعي من جلده. لكن خلف هذا كله، هناك فراغ مهذّب، شبح لا يزعج أحدًا، يعيش بسلام مع الآخرين لأنه لا يعرف كيف يعيش مع نفسه . أستعيد الأمس كثيرًا، لا لأنه كان استثنائيًا، بل لأنه يشبه كل ما سبقه وكل ما سيأتي. يوم العاشر من فبراير، سنة ألفين وستة وعشرين، يوم كتبت فيه ثلاث مقالات، أو ربما كنت أكتب نفسي خارج نفسي. يوم مارست فيه الهروب بكل أناقته الممكنة: هروب بالكلمات، بالانشغال، بالتحليل، وحتى بالتعب. أتذكره كعلامة، لا كحدث. علامة تقول: كنت هنا، حتى لو لم أشعر بذلك تمامًا . ص...

اعتراف متأخر قليلًا

كتبتُ نصوصًا بسرعة ونشرتها في مدوّنتي، لا لأنني كنت متأكدًا مما أريد قوله، بل لأنني كنت متعبًا من التفكير. أردت فقط أن أضع شيئًا خارج رأسي. حين عدت وقرأتها بعد أيام، لاحظت أمرًا بسيطًا ومزعجًا في الوقت نفسه: لم أكن أكتب عمّا يشغلني فعلًا. كنت أكتب حوله، بالقرب منه، لكن دون أن ألمسه مباشرة . فكّرت في حذفها. الحذف كان سيعني أنني تداركت الخطأ، أنني ما زلت أتحكم في صورتي ككاتب. لكنني لم أفعل. تركت النصوص كما هي، وبدأت أقرأها بهدوء. لم أجد فيها كذبًا، لكنني لم أجد فيها المخاطرة أيضًا. كانت نصوص شخص يعرف ما يجب أن يُقال، لا شخص يقول ما يؤلمه . عدت وجلست على مكتبي، الحاسوب أمامي، موسيقى هادئة في الخلفية، وسجائر تتوالى دون أن أنتبه للعدد. لم تكن لحظة إلهام، بل لحظة انتظار. كنت أنتظر أن تتشكّل فكرة واضحة، أن يظهر موضوع واحد أستطيع الإمساك به، لكن الذي ظهر كان شعورًا عامًا بالارتباك، بشيء غير محسوم . أريد أن أكتب حقًا، لكن كلما حاولت، اكتشفت أنني أكتب بطريقة دفاعية. أختار كلمات ذكية، جملًا متوازنة، أفكارًا يمكن تبريرها. أفعل ذلك دون وعي كامل، كأنني أحاول أن أحمي نفسي من شيء أعرفه جيدًا. ال...

عن الكتابة بعد استنفاد اللذة

  لا يبدو ممكنًا، منطقيًا على الأقل، أن تكون هذه الأطروحة صحيحة. ومع ذلك، ها هي تقف أمامي، بإلحاحٍ غريب، كأنها تريد أن تُفهم لا أن تُصدَّق . أن تكون مستمتعًا بالكتابة، أو قادرًا عليها بصدق، فقط في تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك استنفدت كل وسائل الاغتناء باللذة. كأن العقل، بعد أن يُرهَق، بعد أن يُجرَّد من أوهام التعويض السريع، يصبح فجأة أكثر قابلية لرؤية شيء يشبه الحقيقة . لكن… عن أي حقيقة أتحدث أصلًا؟ هل هناك حقيقة واحدة؟ أم أن ما أسميه حقيقة ليس سوى لحظة صفاء عابرة، تزامنت صدفةً مع تعبٍ جسدي أو فراغٍ داخلي؟ ربما لا أحاول الإمساك بحقيقة، بل تحرير فكرة. فكرة أن تكون صريحًا مع ذاتك، عاريًا تقريبًا، أمام مختبرٍ خفيّ من القوى الداخلية. تلك القوى التي لا تعمل دائمًا في الاتجاه نفسه : أحيانًا تدفعك لأن تكون فضاضًا، متساهلًا، كأن كل شيء مباح لأنك “تستحق ”. وأحيانًا أخرى تحاصرك من الداخل، تحرقك بوعيٍ قاسٍ، وتُقنعك أن الراحة لا تكون إلا في المتعة، في أي شيء يمكن أن يُسمّى متعة، حتى لو كان هشًّا، مؤقتًا، أو مريبًا . لقد عشت هذا الصراع طويلًا، وما زلت أعيشه. وليس من زاوية سطحية فقط، ليس بوصف...

خمس دقائق لا تجد مكانًا

  ماذا يعني أن أطلب من شخص قريب خمس دقائق فقط، لا لأجادل ولا لأشرح، بل لأقول ما تراكم في صدري، فيجيبني بسؤال يبدو بسيطًا لكنه قاسٍ: هل ضروري أن تتحدث؟ كأن الكلام يصبح أمرًا زائدًا عن الحاجة، كأن التعبير عبء يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه. هذا السؤال لا ينهي الرغبة في الحديث فحسب، بل يزرع شكًا خفيًا: هل ما أشعر به يستحق أن يُسمع أصلًا؟ وفي الوقت نفسه، يتصل بي صديق آخر دون موعد أو تمهيد، ويتحدث لساعتين كاملتين. أكون حاضرًا، منصتًا، متفاعلًا، صادقًا في كل لحظة. لا أشعر بثقل، ولا برغبة في الهروب. أستمع بشغف حقيقي، كأن هذا هو مكاني الطبيعي في العلاقات: أن أكون الوعاء، المساحة، الشخص الذي يُؤتمن على الكلام لا الذي يقوله . حين أضع هاتين الصورتين جنبًا إلى جنب، يتسلل إليّ إرهاق صامت. ليس لأنني أكره الاستماع، بل لأنني ألاحظ أن الأبواب تُغلق في اللحظة التي أحاول فيها أن أشارك ما بداخلي. كأن ما أحمله لا يجد مكانًا آمنًا، أو كأن دوري غير مكتوب ليكون صوتًا، بل صدى فقط . منذ سنوات، تعلّمت   بهدوء ومن دون قرار واضح   أن لا أتحدث. قلّصت مساحات علاقاتي الاجتماعية، اختصرت الدوائر، وا...