المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

لهذا السبب أبتسم أحيانا

  لا أتعجب من الناس الذين ينامون مطمئنين.. بل أكاد أحسدهم أحيانًا. تخيل أن تستيقظ كل صباح، فتجد العالم مرتبًا في رأسك كما رتبه لك أحدهم منذ طفولتك؛ الخير هناك، والشر هنا، الحقيقة مكتوبة، والخطأ محفوظ في هامش الصفحة، وما عليك إلا أن تعيش حتى تموت، ثم تموت وأنت مقتنع أنك كنت تعرف لماذا عشت . يا لها من نعمة . أما أنا، فقد وُلدت بعقل لا يحترم الأدب . كلما جلس أمام فكرة، بدأ يسألها عن هويتها، وعن شهادة ميلادها، وعن عدد الأكاذيب التي مرت بها حتى وصلت إلينا في هذه الهيئة الجميلة . كبرت في بيت لم يبخل علي بشيء. أمي علمتني أن الخير موجود، وأن الناس، مهما قست قلوبهم، يبقى في داخلهم شيء من الرحمة. وأخوالي وأعمامي علموني أن الرجل يجب أن يكون مستقيمًا، وأن العمل عبادة، وأن الدراسة طريق النجاة، وأن الله لا يترك أحدًا، وأن الصبر مفتاح الفرج . ولسنوات، كنت أردد كل ذلك كما يردد الأطفال أسماء الشوارع التي لم يختاروها . ثم كبرت . واكتشفت أن أكثر ما يخيف الإنسان ليس الكذب، بل احتمال أن تكون الحقيقة أقل جمالًا من الأكاذيب التي تربى عليها . يقولون إن الدين يمنح السلام . ربما . لكنني ...

قصيدة حرة: دموع حمراء

  كنت أجري كأرنبٍ على بساط أحلامي هذا الصباح. كانت الأرض أخف من قدمي، وكان الهواء يفتح لي الأبواب دون أن أطلب منه ذلك. كنت كشروق الشمس في ربيعٍ جميل، أولد كل ثانية، وأظن أن العالم يبدأ معي. أقفز بين فرحةٍ وأخرى، كطفلٍ لم يتعلم بعد أن للأيام أنياباً. كنت أضحك دون سبب، وأصدق ضحكتي كأنها الحقيقة الوحيدة. كنت واثقاً من هلوساتي، أعاملها كما يعامل الناس ذكرياتهم القديمة. كنت مؤمناً بخرافاتي، أحملها في جيبي، وأخاف أن تضيع أكثر مما أخاف أن أضيع أنا. كنت أظن أن الغيوم تسير فوق رأسي كي تحميني من الشمس. وأن الريح حين تناديني باسمي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. كنت أظن أن الطريق ينتهي دائماً عند بابٍ مفتوح. وأن التعب مجرد كلمة اخترعها الغرباء. لكن... كل شيء كان مخطئاً. وفي لحظةٍ لا أعرف من أين جاءت، رأيت المرآة. لم تكن معلقةً على الجدار، بل كانت كأنها تنتظرني منذ سنوات. اقتربت. ورأيت رجلاً آخر لا يشبهني. كان يحمل وجهي، لكن ملامحه كانت أثقل من العمر. يذرف دموعاً حمراء، كأن قلبه ذاب قبل عينيه. وعيناه لا تشعان. كان الضوء يمر من أمامهما ولا يدخل. وكان الصمت يجلس على كتفيه كطائرٍ لا يريد الطيران. رأيت...

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...