المشاركات

آخر ما نشر كارل!

قصيدة حرة: دموع حمراء

  كنت أجري كأرنبٍ على بساط أحلامي هذا الصباح. كانت الأرض أخف من قدمي، وكان الهواء يفتح لي الأبواب دون أن أطلب منه ذلك. كنت كشروق الشمس في ربيعٍ جميل، أولد كل ثانية، وأظن أن العالم يبدأ معي. أقفز بين فرحةٍ وأخرى، كطفلٍ لم يتعلم بعد أن للأيام أنياباً. كنت أضحك دون سبب، وأصدق ضحكتي كأنها الحقيقة الوحيدة. كنت واثقاً من هلوساتي، أعاملها كما يعامل الناس ذكرياتهم القديمة. كنت مؤمناً بخرافاتي، أحملها في جيبي، وأخاف أن تضيع أكثر مما أخاف أن أضيع أنا. كنت أظن أن الغيوم تسير فوق رأسي كي تحميني من الشمس. وأن الريح حين تناديني باسمي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. كنت أظن أن الطريق ينتهي دائماً عند بابٍ مفتوح. وأن التعب مجرد كلمة اخترعها الغرباء. لكن... كل شيء كان مخطئاً. وفي لحظةٍ لا أعرف من أين جاءت، رأيت المرآة. لم تكن معلقةً على الجدار، بل كانت كأنها تنتظرني منذ سنوات. اقتربت. ورأيت رجلاً آخر لا يشبهني. كان يحمل وجهي، لكن ملامحه كانت أثقل من العمر. يذرف دموعاً حمراء، كأن قلبه ذاب قبل عينيه. وعيناه لا تشعان. كان الضوء يمر من أمامهما ولا يدخل. وكان الصمت يجلس على كتفيه كطائرٍ لا يريد الطيران. رأيت...

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

هل أنا من يقود حياتي؟

  الانتقال من مزاج سيء إلى مزاج سيء آخر ليس أمراً بسيطاً كما قد يبدو للوهلة الأولى. أحياناً أشعر أن الأمر يحدث بطريقة تلقائية، وكأنني لا أشارك فيه إلا بقدر محدود جداً، وأحياناً أخرى أكون واعياً بكل ما يحدث داخلي ومع ذلك أعجز عن إيقافه أو حتى فهمه بالكامل. الأمر يبدو عادياً إذا نظرنا إليه من الخارج. فالإنسان بطبيعته يعيش تقلبات كثيرة، وتؤثر فيه الظروف والأحداث والأشخاص. لكن ما يثير دهشتي هو أنني كلما حاولت أن أقترب من جذور هذه التحولات، اكتشفت أن جزءاً كبيراً منها يسبقني. أشعر أن ما لا يقل عن سبعين في المئة مما أفكر فيه أو أفعله مرتبط بشبكات قديمة تشكلت قبل أن أمتلك القدرة على الاختيار الواعي. شيء ما في الطفولة، شيء ما في العادات، شيء ما في اللاوعي الذي يعمل بصمت في الخلفية بينما أعتقد أنا أنني صاحب القرار. لهذا أجد نفسي أحياناً أمام مفارقة غريبة: أشعر أنني حر، ثم أكتشف أن جزءاً كبيراً من حريتي محكوم بقوى لم أخترها بنفسي. لطالما تخيلت المزاج كسحابة. ليس مجرد شعور عابر أو حالة مؤقتة، بل سحابة تحملني معها في الزمان والمكان. عندما تتغير، يتغير العالم كله معها. الأشياء نفسها تبقى في مكا...

اليوم سيلعب المغرب ضد إسكتلندا، و لكن...

  اليوم سيلعب المغرب ضد اسكتلندا. وأنا هنا، في الحانة كعادتي، قبل الجميع تقريباً. أحب أن أصل مبكراً، ليس لأنني متحمس للمباراة أكثر منهم، بل لأنني أحب أن أرى الأمكنة وهي لا تزال فارغة، أو شبه فارغة، قبل أن تبتلعها الضوضاء. في هذه الساعة يكون للمكان وجه آخر. الكراسي ما تزال في أماكنها الطبيعية، والطاولات لم تتراكم فوقها الكؤوس والقصص الصغيرة التي يتركها الناس وراءهم. حتى العاملون هنا يتحركون بهدوء أكبر، كأنهم يعرفون أن العاصفة لم تبدأ بعد. أما الآخرون، فيفضلون المجيء بعد العاشرة. وهذا مفهوم. الليل هو الوقت الحقيقي للحانات. في آخر الليل تصبح الحانة شيئاً يشبه الميناء؛ ترسو فيه أرواح كثيرة جاءت من أماكن مختلفة، تحمل تعبا مختلفا، وأحلاما مختلفة، وخيبات مختلفة أيضاً. الغريب أنني أشعر أنني أنتمي إلى هؤلاء الناس، وفي الوقت نفسه أشعر أنني لا أنتمي إليهم أبداً. أعرف وجوههم. أعرف طريقتهم في الضحك. أعرف الموضوعات التي يعودون إليها كل ليلة. لكنني لا أشعر أنني واحد منهم بالمعنى الكامل للكلمة. ربما لأنني لا أحب اللقاءات أصلاً. لا أحب أن أكون وسط مجموعة كبيرة من الناس. أحب أن أجلس وحدي، وأن أراقب،...

بين سيجارة وفكرة

  ربما حين أجلس لأكتب، لا أفعل شيئًا عظيمًا كما كنت أتخيل. لا أواجه العالم، ولا أواجه نفسي حتى. ربما كل ما أفعله هو أن أرتب الفوضى قليلًا، كعامل نظافة يصل متأخرًا إلى موقع حادثة، فيجمع الشظايا في زاوية مرتبة ثم يعود إلى بيته مطمئنًا لأنه أنجز شيئًا. كنت أظن أن الكتابة ستغيرني. كنت أظن أن الإنسان إذا وصف جراحه بما يكفي، فإنها ستلتئم خجلًا من وضوحها. لكن الجراح لا تقرأ ما نكتب. أكتب عن التدخين، ثم أدخن. أكتب عن الإفراط في الشرب، ثم أجد نفسي أساوم كأسًا أخرى كأننا لم نتحدث في الموضوع أصلًا. أكتب عن الوقت الضائع، ثم أضيع وقتًا أطول في الكتابة عن الوقت الضائع. والمضحك أنني صرت جيدًا جدًا في وصف فشلي. ربما أفضل من نجاحي نفسه. أستطيع أن أشرح لك بدقة لماذا أنا متعب، ولماذا أنا قلق، ولماذا أنا عالق في المكان نفسه منذ سنوات، لكنني أعجز عن اتخاذ قرار صغير يجعل يوم الغد أخف من يوم الأمس. أحيانًا أشعر أنني لا أعيش حياتي، بل أعيش النسخة المكتوبة منها. أن الحدث الحقيقي أقل أهمية عندي من الفقرة التي سأكتبه بها مساءً. أنني صرت أجمع التجارب كما يجمع طفل طوابع البريد، لا ليستفيد منها، بل ليضيفها إلى ...

هل يمكن أن أصبح واحداً منهم؟

منذ مدة، لا أستطيع أن أحدد إن كانت ثلاثة أشهر أم ثلاث سنوات كاملة، بدأت ألاحظ شيئا يتكرر أمامي كلما خرجت لأتمشى في شوارع طنجة. المتشردون. في البداية كنت أراهم كأي عابر سبيل يرى وجها مألوفا في الطريق، ثم صار حضورهم أكثر وضوحا في عيني، حتى أصبح من النادر أن أمضي يوما دون أن أصادف عددا منهم. وإن لم يكن العدد كبيرا، فغالبا ما أرى خمسة أو أكثر موزعين بين الأرصفة والساحات والزوايا المنسية من المدينة. أراقبهم أحيانا من بعيد، لا بدافع الشفقة وحدها، ولا بدافع الفضول فقط، بل لأن وجودهم يثير في داخلي أسئلة لا أجد لها جوابا. رجال ونساء، شباب وأحيانا أطفال. أجساد تتحرك داخل المدينة، لكنها تبدو وكأنها تعيش خارج إيقاعها. فأجد نفسي أتساءل: ما الذي أوصلهم إلى هنا؟ هل هي أسرة تفككت يوما؟ هل هو فقر تراكم ببطء؟ هل هو مرض نفسي لم يجد من يعالجه؟ أم أنها حياة بدأت أصلا من الهامش، فلم تعرف طريقا آخر غير الهامش؟ نادرا ما أتحدث إلى أحد منهم. غالبا ما يحدث فقط ذلك التلاقي السريع بين عينين غريبتين. قليل منهم من يبتسم. وكثير منهم يحملون ذلك التعب الذي يجعل الملامح نفسها تبدو منهكة. أحيانا أشعر وكأنهم يكررون الحركا...

ما زال اسمك يسكنني

  عزيزتي نورة، إن الحب صعب جداً. لا أزال أفكر فيك، من صادق قلبي، رغم أنك متزوجة الآن، وربما تعيشين حياة أفضل مني بكثير. لا أعرف لماذا أكرر الخطأ نفسه كل يوم. لا أعرف لماذا لا أزال أحبك، رغم أنك عبّرتِ عن خذلانك بكل هدوء وثقة، ثم أكملتِ رحيلك كأنني مجرد جزء صغير من الماضي، أمام المستقبل الكبير الذي كنتِ تفكرين فيه، ربما أنتِ وحبيبك. إنني حزين جداً، لأنني لا أزال أحمل هذا الشعور بالوفاء، وهذا الحب القوي لك، وفي الوقت نفسه أشعر بقوة وشجاعة لأنني أعبر حقاً عما بداخلي دون أن أتردد. أحاول أن أفهم نفسي، لكنني اكتشفت أن جزءاً كبيراً من نفسي كان مجرد انعكاس لحبك. لم أتصور يوماً في حياتي أن يكون حبي لك أكبر شيء عشته، وفي الوقت نفسه أشد شيء أنهكني وأفناني. لا أدري كيف أعبر لك عن هذا بالتفصيل، لكنني أؤمن بأن ما أفعله الآن ليس إلا انعكاساً آخر لذلك الجزء العميق بداخلي، ذلك الجزء الذي يؤمن بالحب، ويعرف قيمة الوفاء، ويدرك أهمية ألا يخون الإنسان وعداً قطعه لنفسه أو لإنسان آخر. ربما ستقولين إنه لم يكن بيننا أي وعد. ولك الحق أن تقرئي رحيلك بالطريقة التي تريحك. لكنني لن أتردد في أن أقول الشيء نفسه: ف...