المشاركات

آخر ما نشر كارل!

السكن في الغياب

لطالما عشت كمن يستعير نفسه ليوم واحد ثم يعيدها دون أن يسألها إن كانت بخير. أستيقظ في الصباح، أرتدي ملامحي بعناية، أخرج إلى العالم كأنني أعرف الطريق، بينما في داخلي تتراكم الأسئلة بلا أسماء، بلا عناوين، فقط ثقل خفيف لا يُرى لكنه يُتعب . أمشي كثيرًا داخل رأسي. أركب أفكارًا لا تصل إلى محطات، أُقيم في احتمالات، وأقضي ساعات كاملة وأنا حاضر بالحد الأدنى، غائب بالحد الأقصى. الناس في العمل، في الشارع، في المقاهي العابرة، يرون شابًا يؤدي دوره بإتقان: يبتسم حين يجب، يصغي حين يُنتظر منه الإصغاء، ويتفاعل كما لو أن التفاعل جزء طبيعي من جلده. لكن خلف هذا كله، هناك فراغ مهذّب، شبح لا يزعج أحدًا، يعيش بسلام مع الآخرين لأنه لا يعرف كيف يعيش مع نفسه . أستعيد الأمس كثيرًا، لا لأنه كان استثنائيًا، بل لأنه يشبه كل ما سبقه وكل ما سيأتي. يوم العاشر من فبراير، سنة ألفين وستة وعشرين، يوم كتبت فيه ثلاث مقالات، أو ربما كنت أكتب نفسي خارج نفسي. يوم مارست فيه الهروب بكل أناقته الممكنة: هروب بالكلمات، بالانشغال، بالتحليل، وحتى بالتعب. أتذكره كعلامة، لا كحدث. علامة تقول: كنت هنا، حتى لو لم أشعر بذلك تمامًا . ص...

اعتراف متأخر قليلًا

كتبتُ نصوصًا بسرعة ونشرتها في مدوّنتي، لا لأنني كنت متأكدًا مما أريد قوله، بل لأنني كنت متعبًا من التفكير. أردت فقط أن أضع شيئًا خارج رأسي. حين عدت وقرأتها بعد أيام، لاحظت أمرًا بسيطًا ومزعجًا في الوقت نفسه: لم أكن أكتب عمّا يشغلني فعلًا. كنت أكتب حوله، بالقرب منه، لكن دون أن ألمسه مباشرة . فكّرت في حذفها. الحذف كان سيعني أنني تداركت الخطأ، أنني ما زلت أتحكم في صورتي ككاتب. لكنني لم أفعل. تركت النصوص كما هي، وبدأت أقرأها بهدوء. لم أجد فيها كذبًا، لكنني لم أجد فيها المخاطرة أيضًا. كانت نصوص شخص يعرف ما يجب أن يُقال، لا شخص يقول ما يؤلمه . عدت وجلست على مكتبي، الحاسوب أمامي، موسيقى هادئة في الخلفية، وسجائر تتوالى دون أن أنتبه للعدد. لم تكن لحظة إلهام، بل لحظة انتظار. كنت أنتظر أن تتشكّل فكرة واضحة، أن يظهر موضوع واحد أستطيع الإمساك به، لكن الذي ظهر كان شعورًا عامًا بالارتباك، بشيء غير محسوم . أريد أن أكتب حقًا، لكن كلما حاولت، اكتشفت أنني أكتب بطريقة دفاعية. أختار كلمات ذكية، جملًا متوازنة، أفكارًا يمكن تبريرها. أفعل ذلك دون وعي كامل، كأنني أحاول أن أحمي نفسي من شيء أعرفه جيدًا. ال...

عن الكتابة بعد استنفاد اللذة

  لا يبدو ممكنًا، منطقيًا على الأقل، أن تكون هذه الأطروحة صحيحة. ومع ذلك، ها هي تقف أمامي، بإلحاحٍ غريب، كأنها تريد أن تُفهم لا أن تُصدَّق . أن تكون مستمتعًا بالكتابة، أو قادرًا عليها بصدق، فقط في تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك استنفدت كل وسائل الاغتناء باللذة. كأن العقل، بعد أن يُرهَق، بعد أن يُجرَّد من أوهام التعويض السريع، يصبح فجأة أكثر قابلية لرؤية شيء يشبه الحقيقة . لكن… عن أي حقيقة أتحدث أصلًا؟ هل هناك حقيقة واحدة؟ أم أن ما أسميه حقيقة ليس سوى لحظة صفاء عابرة، تزامنت صدفةً مع تعبٍ جسدي أو فراغٍ داخلي؟ ربما لا أحاول الإمساك بحقيقة، بل تحرير فكرة. فكرة أن تكون صريحًا مع ذاتك، عاريًا تقريبًا، أمام مختبرٍ خفيّ من القوى الداخلية. تلك القوى التي لا تعمل دائمًا في الاتجاه نفسه : أحيانًا تدفعك لأن تكون فضاضًا، متساهلًا، كأن كل شيء مباح لأنك “تستحق ”. وأحيانًا أخرى تحاصرك من الداخل، تحرقك بوعيٍ قاسٍ، وتُقنعك أن الراحة لا تكون إلا في المتعة، في أي شيء يمكن أن يُسمّى متعة، حتى لو كان هشًّا، مؤقتًا، أو مريبًا . لقد عشت هذا الصراع طويلًا، وما زلت أعيشه. وليس من زاوية سطحية فقط، ليس بوصف...

خمس دقائق لا تجد مكانًا

  ماذا يعني أن أطلب من شخص قريب خمس دقائق فقط، لا لأجادل ولا لأشرح، بل لأقول ما تراكم في صدري، فيجيبني بسؤال يبدو بسيطًا لكنه قاسٍ: هل ضروري أن تتحدث؟ كأن الكلام يصبح أمرًا زائدًا عن الحاجة، كأن التعبير عبء يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه. هذا السؤال لا ينهي الرغبة في الحديث فحسب، بل يزرع شكًا خفيًا: هل ما أشعر به يستحق أن يُسمع أصلًا؟ وفي الوقت نفسه، يتصل بي صديق آخر دون موعد أو تمهيد، ويتحدث لساعتين كاملتين. أكون حاضرًا، منصتًا، متفاعلًا، صادقًا في كل لحظة. لا أشعر بثقل، ولا برغبة في الهروب. أستمع بشغف حقيقي، كأن هذا هو مكاني الطبيعي في العلاقات: أن أكون الوعاء، المساحة، الشخص الذي يُؤتمن على الكلام لا الذي يقوله . حين أضع هاتين الصورتين جنبًا إلى جنب، يتسلل إليّ إرهاق صامت. ليس لأنني أكره الاستماع، بل لأنني ألاحظ أن الأبواب تُغلق في اللحظة التي أحاول فيها أن أشارك ما بداخلي. كأن ما أحمله لا يجد مكانًا آمنًا، أو كأن دوري غير مكتوب ليكون صوتًا، بل صدى فقط . منذ سنوات، تعلّمت   بهدوء ومن دون قرار واضح   أن لا أتحدث. قلّصت مساحات علاقاتي الاجتماعية، اختصرت الدوائر، وا...

إرادة الماء

  من أكثر ما يرهق الكائن، أن يكون واعيًا، لا على فترات، بل باستمرار، حاضرًا أمام تناقضاته دون مهرب، كأن الوعي نفسه تحوّل إلى ساحة صراع مفتوحة بين ما يظنه حقيقة، وما يطفو من أعماقه دون استئذان. أن تعي صراع الوعي واللاوعي في كل لحظة، ليس امتيازًا، بل عبء ثقيل، يجعل أبسط التفاصيل مشحونة بتوتر غير مرئي، ويحوّل الصمت إلى ضجيج داخلي لا ينقطع . أشعر أحيانًا أنني شريد، لا في مدينة أو مكان، بل في حالة وجودية عالقة، شريد بين سحب مثقلة ببخار الماء، سحب خُلقت في الأصل لتمنح الحياة، لتروي الأرض وتوقظ البذور النائمة، لكنها تظل معلّقة، مترددة، لا تمطر ولا تنقشع. أنا تلك السحب، أو ربما ذلك الشريد الذي يسكنها، أحمل في داخلي طاقة الخير وإرادة العطاء، لكنني عاجز عن تحديد اللحظة التي أتحوّل فيها إلى مطر، أو الاتجاه الذي ينبغي أن أسقط فيه دون أن أدمّر ما أحاول إنعاشه . لا أدري إلى أي حد أكتب بحدّة، ولا إن كانت هذه الكتابة، بعد سنوات من التجربة والمكابدة، قد نجحت فعلًا في تحرير شيء من هذه المعاناة السوداء المتراكمة. أحيانًا أشعر أن الكلمات لا تُخفّف الألم، بل تكشف وزنه الحقيقي، تجعله أكثر حضورًا، أكثر ا...

حواريات مارتن و كارل: مساء طويل مع الذات

 إضاءة خافتة. مقعدان خشبيان في ساحة شبه فارغة. شجرة عارية. مساء طويل. مارتن (ينظر إلى الأرض): هل حقًا لا معنى للوجود؟ أم أننا نخترع المعنى كي لا نسقط؟ أحيانًا أشعر أن كل شيء مجرد تأويلات… وأنه لا توجد حقيقة أستند إليها لأقيس نفسي. كارل (بهدوء، كمن اعتاد هذا السؤال): أعتقد ذلك، وبشدة. لكن انتبه، هذا لا يعني الفراغ، بل يعني الحرية الثقيلة. مارتن: حرية؟ أنا لا أشعر إلا بالتيه. صرت لا أدري ماذا يهم وماذا لا يهم. حاولت أن أمارس الرياضة، اليوم الأول كان حماسة خالصة. ثم… بعد أيام، نسيت. لا لأنني كرهتها، بل لأن الرغبة نفسها تبخرت، رغم أنني لطالما قلت إنها جيدة. كارل (يبتسم ابتسامة صغيرة): هذا مثال دقيق. الحياة يا مارتن ليست خطًا مستقيمًا، بل ازدحام احتمالات. أفكار تريد أن تكون، رغبات تريد أن تتحقق، مخاوف تشدّك من الخلف، وذكريات طفولة تهمس لك: كن هكذا، لا تكن هكذا. أنت لا تفشل في الاستمرار، أنت فقط تعيش صراع القوى بداخلك. مارتن (بشيء من القلق): لكنني تعبت من الصراع. أريد طريقًا واحدًا، واضحًا، أرتاح فيه وأقول: الآن الأمور بخير. كارل: ذلك الوعد هو أكثر ما يخدعنا. حين نكوّن صورة عن أنفسنا “أن...

اعتراف رجل لم يتقن القسوة

  اعتقدتُ طويلًا أن الحب يكفي . ليس لأنني ساذج، بل لأنني كنت أظن أن الصدق فضيلة كافية لبناء أي شيء. كنت أظن أن العائلة تُبنى بالنية الحسنة، وبالرغبة في ألا نؤذي أحدًا. لاحقًا فقط فهمت أن العالم لا يعمل هكذا، وأن ما يُطلب منك ليس أن تحب، بل أن تفرض، أن تتحمّل، وأحيانًا أن تؤذي دون أن تُسمّي ما تفعله عنفًا . اكتشفت أن الرجل، لكي يُعترف به، لا يكفي أن يكون طيبًا. عليه أن يكون قادرًا على القسوة عند الحاجة، أو على الأقل على ادّعائها. أن يكون ابن بيئته، لا ابن قلبه. وهذا الاكتشاف لم يأتِ كصدمة مفاجئة، بل كتراكم بطيء، كإحساس خفي بأنني دائمًا متأخر خطوة عن الآخرين . أصدقائي لم يشبهوني. لم يتوقفوا كثيرًا عند الأسئلة التي أرهقتني. لم يبحثوا عن جوهر الأشياء، ولم يسألوا أنفسهم إن كانوا يخونون شيئًا في داخلهم. هم فقط فعلوا، وتقدّموا، وبنوا حياة كاملة من الخارج. وحين أنظر إليهم الآن، لا أستطيع أن أقول إنهم مخطئون، لأن حياتهم تعمل، بينما أنا ما زلت أراجع المعنى . حين حاولت أن أنصح أخي، لم أكن أعلّمه، كنت أكلّم نفسي بصوته. قلت له إن عليه ألا يصبح إنسانًا بلا قلب ولا روح، لكنني في الوقت نفسه كنت أع...