آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

 هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام.

هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة.

لا أدري.

لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل مجيء الضيوف، بينما الغرف الداخلية ما تزال فوضى كاملة.

أنا لا أفكر في نهاية النص. ليس لأنني أؤمن بأن كل النهايات مفتوحة، بل لأنني لا أعرفها أصلًا. أفكر فقط في اللحظة، وفي نوع غريب من الوفاء لما يمر في رأسي، حتى لو كان مجرد هلوسة مؤقتة، أو فكرة سيئة ارتدت ثوبًا لغويًا جميلًا فأقنعتني بأنها تستحق الحياة.

أحاول أن أكتب الحقيقة، لكنني لا أعرف من أين تبدأ. أبدأ بالله، ثم أتذكر الطبيعة، ثم يقفز سبينوزا من مكان ما، وكأن الرجل لم يمت منذ قرون، وما زال مصرًا على إرباك كل من يحاول أن يفكر بهدوء. أقول إن الله هو الحقيقة، ثم أقول إن الله هو الطبيعة، ثم أتساءل إن كانت الأشجار تعلم أصلًا أنها أصبحت موضوعًا في نقاش فلسفي، أم أنها منشغلة بأمر أكثر حكمة، كأن تنمو بصمت.

ثم يخطر ببالي أن الحقيقة قد لا تكون شيئًا أصلًا، بل عادة سيئة ورثها الفلاسفة عن بعضهم بعضًا. كل واحد يكتب كتابًا ليصحح الكتاب السابق، ثم يأتي الذي بعده ليصحح الجميع، وفي النهاية يموتون جميعًا، بينما تواصل الشمس الشروق دون أن تقرأ هوامشهم.

ربما لهذا أحب الشعر أكثر من الفلسفة أحيانًا؛ لأن الشاعر يعترف منذ البداية بأنه يكذب بطريقة جميلة، بينما الفيلسوف يقسم أنه يقول الحقيقة، ثم يختلف مع فيلسوف آخر يستخدم الكلمات نفسها تقريبًا.

لكنني لا أستطيع أن أكون ساخرًا إلى النهاية، لأن السخرية نفسها تتعب.

هناك مشاكل كثيرة أكتشفها بداخلي، أكثر مما أكتشفه في الكتب. هناك عقد نفسية، وخوف قديم، وكسل يرتدي قناع التأمل، وتأمل يرتدي قناع الكسل. وأحيانًا أخلط بينهما فلا أعرف إن كنت أتأمل الوجود، أم أؤجل غسل الصحون.

لا يمكن لي أن أكون صريحًا دون أن أعترف بأنني، وأنا أكتب عن الحقيقة، لا أعتني بحقيقتي الصغيرة. ربما لم أنم جيدًا. ربما لم آكل كما ينبغي. ربما أشرب قهوة أكثر مما يشربها عقل يريد أن يبقى عاقلًا. وربما أؤجل الغد كل مساء، ثم ألوم الزمن لأنه يركض.

إنه أمر مضحك قليلًا.

أتحدث عن الحقيقة المطلقة بينما لا أستطيع أن أضبط منبه الهاتف على ساعة واحدة ثابتة. أبحث عن معنى الوجود، ثم أقضي عشر دقائق أفتش عن نظارتي وهي فوق رأسي. أجادل سبينوزا، وأعجز عن مجادلة عادتي في السهر.

وأحيانًا أظن أن الله ينظر إلينا بابتسامة هادئة، لا لأنه يسخر منا، بل لأنه يعرف أننا معقدون أكثر مما ينبغي. لقد منحنا كونًا كاملًا، لكننا فضلنا أن نتشاجر حول تعريف كلمة "حقيقة". ربما لو تكلمت الأشجار لقالت لنا: "كان بإمكانكم أن تجلسوا تحت الظل قليلًا بدل كل هذا."

ثم أعود إلى نفسي.

أكتشف أنني لا أكتب الحقيقة، بل أكتب محاولاتي الفاشلة للاقتراب منها. وكل نص ليس إلا أثر قدم على طريق طويل، وليس الطريق نفسه. وربما لهذا السبب لا أحب النصوص التي تبدو واثقة أكثر من اللازم؛ إنها تشبه الأشخاص الذين يجيبون عن كل سؤال بسرعة. هؤلاء لا يثيرون إعجابي، بل خوفي.

أثق أكثر بمن يتوقف في منتصف الجملة، وينظر إلى الفراغ، ثم يقول: "لا أدري."

إن عبارة "لا أدري" تبدو لي أكثر أخلاقًا من آلاف الجمل التي تبدأ بـ"أنا متأكد".

وأظن أن الإنسان لا ينضج حين يجد الحقيقة، بل حين يكتشف أن الحقيقة أكبر من أن تُحشر في كتاب، أو عقيدة، أو قصيدة، أو فيلسوف، أو حتى في صلاة واحدة.

لذلك سأواصل الكتابة.

ليس لأنني سأصل.

بل لأن التوقف سيجبرني على مواجهة نفسي دون كلمات، وأنا لا أثق كثيرًا في هذا الرجل الذي يسكنني عندما يصمت.

إنه شخص غريب.

يتحدث عن الله أكثر مما يصلي، ويتحدث عن الطبيعة أكثر مما يمشي فيها، ويتحدث عن الحقيقة أكثر مما يعيشها، ثم يجلس آخر الليل ليكتب كل ذلك في نص، ويأمل، بسذاجة طفل وفخر فيلسوف، أن تكون هذه المرة قد كتب شيئًا صادقًا.

ثم يقرأ ما كتب، ويحذف نصفه، ويشك في النصف الآخر، ويحتفظ بالباقي، لا لأنه جيد، بل لأنه تعب.... وربما... وربما فقط... كان التعب هو الحقيقة الوحيدة التي لم أختلف معها حتى الآن....أرجو سلاما لروحي.

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")