آخر ما نشر كارل!

أنا ناجح لكنني لست بخير

ليس من السهل عليّ أن أتحدث عن النجاح في العمل، لأنني لم أعد أعرف إن كان ما حققته يُسمّى نجاحًا فعلًا، أم أنه مجرد قدرة طويلة على الاحتمال. لقد مرّت أكثر من خمس سنوات منذ حصلت على أول فرصة عمل. بعد سنوات الدراسة والاعتماد على الأهل، بدأت أكسب مالي بنفسي، وأدفع نفقاتي، وأتنقل بين المدن والشركات، وأتولى مسؤولية حياتي. صرت، وفق المعايير الشائعة، شابًا نشيطًا وناجحًا داخل الحياة الاقتصادية. لم أعد أنتظر من أحد أن ينفق عليّ، وأصبحت قادرًا على مساعدة أهلي أحيانًا، والسكن في مكان جيد، وشراء ما أحتاج إليه، والسفر حين تسمح الظروف. من الخارج، تبدو الحكاية مستقيمة: درست، ثم عملت، ثم استقللت، ثم تقدمت. لكنها لا تبدو كذلك من الداخل. في أعماقي، لا أشعر بالفخر الذي يُفترض أن يصاحب هذه الرحلة. أشعر بشيء أقرب إلى خيبة الأمل؛ خيبة لا تتعلق بوظيفة بعينها أو بشركة محددة، بل بالطريقة التي اكتشفت أن الحياة تعمل بها. كنت أظن أن العمل سيمنحني الحرية، ثم وجدت أنه يمنحني قدرًا محدودًا من الحرية مقابل أن يأخذ الجزء الأكبر من وقتي وطاقتي. لقد حررني العمل من الاعتماد على الأهل، لكنه أخضعني لاعتماد آخر: الاعتماد على...

لهذا السبب أبتسم أحيانا

 لا أتعجب من الناس الذين ينامون مطمئنين.. بل أكاد أحسدهم أحيانًا. تخيل أن تستيقظ كل صباح، فتجد العالم مرتبًا في رأسك كما رتبه لك أحدهم منذ طفولتك؛ الخير هناك، والشر هنا، الحقيقة مكتوبة، والخطأ محفوظ في هامش الصفحة، وما عليك إلا أن تعيش حتى تموت، ثم تموت وأنت مقتنع أنك كنت تعرف لماذا عشت.

يا لها من نعمة.

أما أنا، فقد وُلدت بعقل لا يحترم الأدب.

كلما جلس أمام فكرة، بدأ يسألها عن هويتها، وعن شهادة ميلادها، وعن عدد الأكاذيب التي مرت بها حتى وصلت إلينا في هذه الهيئة الجميلة.

كبرت في بيت لم يبخل علي بشيء. أمي علمتني أن الخير موجود، وأن الناس، مهما قست قلوبهم، يبقى في داخلهم شيء من الرحمة. وأخوالي وأعمامي علموني أن الرجل يجب أن يكون مستقيمًا، وأن العمل عبادة، وأن الدراسة طريق النجاة، وأن الله لا يترك أحدًا، وأن الصبر مفتاح الفرج.

ولسنوات، كنت أردد كل ذلك كما يردد الأطفال أسماء الشوارع التي لم يختاروها.

ثم كبرت.

واكتشفت أن أكثر ما يخيف الإنسان ليس الكذب، بل احتمال أن تكون الحقيقة أقل جمالًا من الأكاذيب التي تربى عليها.

يقولون إن الدين يمنح السلام.

ربما.

لكنني رأيت كثيرين لا يبحثون عن الله، بل عن مخدر محترم. يريدون فقط أن يسكت شيء ما في رؤوسهم. ليس مهمًا أن يكون الجواب صحيحًا، المهم أن يكون نهائيًا.

فالإنسان يتعب من الأسئلة.

وأنا أيضًا تعبت.

لكنني لم أستطع أن أبيع عقلي مقابل راحة مؤقتة، كما لم أستطع أن أشتري القلق على أنه فضيلة.

أقف بين الفريقين كغبي محترف؛ لا أملك يقين المؤمن، ولا خفة اللامبالي.

أما الحب...

هذه الكينونة الجميلة التي في النهاية، في أوساط الناس، صارت تتجه للرجل حينما يحب إمرأة بأسئلة مباشرة...

"كم راتبك؟"

"وهل تملك بيتًا؟"

حتى الرومانسية أصبحت تطلب كشفًا بنكيًا قبل أن تسمح للقلب أن يخفق.

ثم يحدثونك عن الأرواح التي تلتقي.

أي أرواح؟

أنا لا أرى إلا مصالح تلبس العطر، وخوفًا من الوحدة يرتدي بدلة أنيقة، ورغبة قديمة في أن يجد الإنسان شاهدًا على وجوده قبل أن يموت.

بعض العلاقات تشبه شركات التأمين.

يدفع كل طرف قسطًا شهريًا من المجاملات، على أمل أن يجد من يقف معه عندما ينهار السقف.

وإذا توقف أحدهما عن الدفع...

اكتشفا فجأة أن الحب قد نفدت صلاحيته.

ثم يأتي العمل.

ذلك الإله الحديث.

استيقظ باكرًا، اعمل أكثر، طور نفسك، اقرأ عشرين كتابًا في الشهر، تعلم ثلاث لغات، ابتسم لمديرك، لا تتذمر، كن إيجابيًا، اصنع علامتك الشخصية، ولا تنس أن تشرب لترين من الماء.

وأخيرًا...

ستموت.

لكنك ستموت وأنت منظم.

لقد نجحت الحضارة في شيء واحد فقط؛ أنها جعلت الإنسان يركض طوال حياته، ثم أقنعته أن الركض هو معنى الحياة.

وأنا، كلما نظرت إلى الناس وهم يركضون، سألت نفسي:

هل يعرف أحدهم إلى أين؟

ثم أضحك.

ليس لأن السؤال مضحك.

بل لأن الجميع يتصرف كما لو أن الجواب معروف.

حتى الفلاسفة.

خصوصًا الفلاسفة.

كل واحد منهم يحمل مطرقة، ثم يقنع نفسه أن العالم كله مسامير.

ومن حسن حظ دور النشر أن البشر لا يملّون من شراء اليقين في طبعات جديدة.

أما أنا، فقد فقدت الثقة في كل الفلسفات تقريبًا.

الفلسفة التي تقول إن المال يصنع الحرية.

والفلسفة التي تقول إن الفقر يطهر الروح.

والفلسفة التي تجعل النجاح دينًا.

والفلسفة التي تجعل الفشل بطولة.

كلها تحاول أن تضع ضمادة على جرح لا تريد أن تنظر إليه.

الحقيقة، في رأيي، أكثر وقاحة.

نحن لا نفهم شيئًا تقريبًا.

لكننا نتحدث بثقة مذهلة.

وهذا هو أكثر ما يثير إعجابي في الإنسان.

أنه جاهل...

لكنه يتحدث بنبرة مدير الكون.

أحيانًا أنظر إلى نفسي فأضحك.

أنا أيضًا لست استثناء.

أجلس ساعات أكتب عن العبث، ثم أقلق لأن أحدهم لم يعجبه ما كتبت.

أعلن أن لا شيء له معنى، ثم أغضب إذا نسي أحدهم عيد ميلادي.

أسخر من المجتمع، ثم أحزن لأن المجتمع لا يفهمني.

كم هو مضحك هذا الكائن الذي يسمى الإنسان.

يرفض المسرحية كلها...

ثم يغضب لأن دوره فيها لم يكن البطولة.

وربما، بعد كل هذه السنوات، لم أخرج بأي حكمة.

خرجت فقط باعتراف صغير، لا يصلح لأن يكون فلسفة، ولا دينًا، ولا كتابًا في التنمية البشرية.

لقد تعبت من محاولة إقناع نفسي بأن العالم عادل.

وتعبت أكثر من محاولة إقناع الآخرين بأنني وجدته ظالمًا.

كل ما أعرفه أنني ما زلت أستيقظ كل صباح، وأحمل رأسي كمن يحمل قنبلة لا يعرف متى تنفجر، ثم أخرج لأقابل بشرًا يتصرفون بثقة مذهلة، وكأن أحدًا منهم تلقى بالأمس اتصالًا هاتفيًا من الحقيقة نفسها.

وربما لهذا السبب أبتسم أحيانًا.

ليس لأنني سعيد.

بل لأن السخرية، في النهاية، آخر طريقة مهذبة يمكن للإنسان أن يعترف بها أنه لم يفهم شيئًا.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")