آخر ما نشر كارل!
على مهل... أحببت ألمانيا
أحب الشعب الألماني كثيرا، وأحب ألمانيا، وليس لأن تاريخها يبدو قويا فقط، أو لأن الكثير من الناس يربطونها بالقوة أو النفوذ أو بما يسمى أحيانا بالشعور بالتفوق. في الحقيقة، ما يجذبني أكثر هو شيء آخر. لطالما شعرت أن هؤلاء الناس، على امتداد تاريخهم الطويل، كانوا يبحثون عن التميز بطريقة خاصة جدا. قد يختلف المرء معهم في أشياء كثيرة، وقد ينتقدهم في أشياء أخرى، لكن من الصعب ألا يلاحظ ذلك السعي المستمر نحو أن يكونوا أفضل مما كانوا عليه بالأمس.
قبل قليل كنت جالسا في هدوء، أحتسي قهوتي وأفكر في أمور الحياة العادية، وإذا بالتلفاز يعرض مباراة بين ألمانيا وساحل العاج. وأنا في الأصل لا أحب مشاهدة كرة القدم كثيرا. حتى عندما يلعب المغرب، البلد الذي أنتمي إليه، قد أجد نفسي منشغلا بأمور أخرى أو منشغلا بالتفكير أكثر من متابعة المباراة نفسها.
لكن هذه المرة كان الأمر مختلفا قليلا.
ربما لأن المباراة كانت بين بلدين أشعر تجاه كل واحد منهما بشيء خاص. ألمانيا من جهة، ذلك البلد الذي لم أزره يوما، ومع ذلك أشعر أنني التقيت به عشرات المرات من خلال الأشخاص الذين عملت معهم. في عملي أتعامل كثيرا مع ألمان، وكنت دائما ألاحظ عندهم تلك العلاقة الخاصة مع التفاصيل. أحيانا تعجبني إلى درجة كبيرة، وأحيانا تجعلني أشعر بشيء من القلق. فهم يحبون التنظيم، ويحبون الوضوح، ويحبون أن يكون لكل شيء مكانه الصحيح، ولكل فكرة تفسيرها المنطقي. وقد يبدو ذلك مرهقا أحيانا، لكنه في الوقت نفسه مثير للإعجاب.
ومن الجهة الأخرى كانت ساحل العاج، البلد الذي تعرفت أيضا على بعض أبنائه من خلال مشاريع مختلفة. أحببت فيهم روحا مختلفة تماما. دفئا إنسانيا خاصا، وعفوية جميلة، وقوة تأتي من مكان آخر. أحببت قصصهم، وتاريخهم، والطريقة التي ينظرون بها إلى الحياة. ولذلك وجدت نفسي فجأة أشاهد المباراة وكأنني أشاهد حوارا بين عالمين مختلفين، لا مجرد فريقين يركضان خلف كرة.
وخلال المباراة، بدا لي في لحظات كثيرة أن ساحل العاج أقرب إلى الانتصار. كانوا جيدين، وكانوا يلعبون بثقة، وشعرت أن الأمور تميل لصالحهم. لكن الشيء الذي أثار انتباهي لم يكن النتيجة نفسها، بل الطريقة التي استمرت بها ألمانيا في اللعب.
كان هناك شيء مألوف في ذلك المشهد.
ذلك الإصرار الهادئ.
ذلك الرفض غير المعلن للاستسلام.
ذلك الإيمان بأن المباراة لم تنته بعد، مهما كانت الظروف.
وفجأة وجدت نفسي أفكر في كل التجارب التي مررت بها مع ألمان في العمل. كم مرة رأيت مشروعا يبدو معقدا أو متعثرا، ثم يبدأ الجميع في البحث عن الحلول بطريقة منهجية وصبورة. كم مرة رأيت اهتماما بالتفاصيل كنت أظنه مبالغا فيه، ثم أكتشف لاحقا أنه كان جزءا من سبب النجاح.
وربما لهذا السبب لا أرى ما يسمى بالسعي إلى التميز شيئا سيئا. نعم، يمكن أن يتحول أحيانا إلى غرور إذا فقد الإنسان توازنه، ويمكن أن يصبح مشكلة إذا تحول إلى شعور بالاستعلاء على الآخرين. لكن في صورته الصحية، أراه شيئا جميلا. أن يستيقظ الإنسان كل يوم وهو يريد أن يكون أفضل، وأن يبني شيئا متقنا، وأن يترك أثرا جيدا وراءه، فهذه ليست صفة سيئة.
أنا مغربي، وأفتخر بذلك. أحب بلدي بكل ما فيه من جمال وتناقضات وأحلام وصعوبات. لكنني في الوقت نفسه لا أؤمن بأن حب بلدك يفرض عليك أن تغلق قلبك أمام بقية العالم. على العكس تماما. أعتقد أن الإنسان يصبح أكثر ثراء عندما يتعلم أن يرى الجمال في أماكن مختلفة، وأن يعجب بصفات شعوب أخرى دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من هويته.
ولهذا فأنا أحب شعوبا كثيرة، وأشعر بالفضول تجاه ثقافات كثيرة، وأستمتع بالتعرف إلى طرق مختلفة لرؤية الحياة. لكنني اليوم أكتب عن ألمانيا فقط، لأن مباراة عابرة أعادت إلى ذهني كل هذه الأفكار.
ومن يدري؟
ربما ستصل هذه الكلمات يوما إلى شخص ألماني فيقرأها ويبتسم.
وربما أجد نفسي بعد سنوات أجلس في مقهى صغير في برلين، أحتسي قهوة ساخنة في صباح بارد، وأتحدث مع أدباء وكتاب ألمان عن الحياة والفن والكتب والرحلات والأحلام. وربما نتحدث جميعا بالإنجليزية، لأنني لا أعرف الألمانية حتى الآن.
وقد نختلف في أشياء كثيرة، لكننا سنتفق على شيء واحد على الأقل: أن العالم يصبح أكثر جمالا عندما نحاول أن نفهم بعضنا البعض، لا عندما نحاول أن نشبه بعضنا البعض.
وربما لهذا السبب بالتحديد ما زلت أحب ألمانيا، رغم أنني لم أزرها يوما. ليس لأنها مثالية، فليس هناك شعب مثالي، وليس هناك بلد كامل. بل لأنها، مثل كل الأماكن التي تستحق الاهتمام، تجعلني أفكر، وتجعلني أتعلم، وتجعلني أرى جانبا آخر من الإمكانيات التي يمكن أن يصل إليها الإنسان عندما يؤمن بالعمل والانضباط والإصرار على أن يترك بصمته الخاصة في هذا العالم.
ك.ج
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق