آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

حكيم… إصدار غير مستقر

(إضاءة خافتة. يقف في المركز. ينظر قليلًا إلى الأمام، ثم يبدأ.)

أنا حكيم…

(وقفة قصيرة)

نسخة تجريبية… ما زالت تحت التحديث.

(رفع حاجب خفيف.)

مررتُ بمرحلةٍ حاولتُ فيها أن أكون… مزيجًا راقيًا:

قليل من الكون…

وقليل من القلب…

(يرفع رأسه، بنبرة هادئة متعالية قليلًا.)

“نحن مجرد غبار نجمي…”

(يضع يده على صدره فورًا، بنبرة شاعرية.)

“لكننا أيضًا… معنى الحياة!”

(يتوقف. ينظر للأمام.)

والنتيجة؟

(وقفة)

لا أنا فهمتُ الكون…

ولا فهمتُ نفسي.

(يتحوّل الجسد إلى انحناءة خفيفة.)

عمري ثلاثون عامًا…

لكن داخلي… إدارة كاملة من كبار السن.

(خطوة بطيئة.)

هناك صوت يقول:

“خفّف… لا تركض… الحياة طويلة.”

(استقامة فجائية.)

وصوت آخر يقول:

“أسرع! لقد تأخّرت أصلًا!”

(ينظر بين الجهتين.)

بين النصيحتين…

أقف…

وأتأخر… بهدوء.

(يتحوّل الإيقاع إلى أسرع. حركة اليدين نشيطة.)

في العمل…

أنا مهندس بيداغوجي.

(بأسلوب عرضي.)

أصمّم تجارب تعلّم…

أجعل الناس يفهمون أشياء معقّدة…

بطرق بسيطة…

(وقفة. ينظر لنفسه.)

ثم أعود إلى البيت…

ولا أفهم نفسي.

(ابتسامة خفيفة.)

أشرح… أرتّب… أُبسّط…

وأكتشف أنني… أحتاج دورة تدريبية عن نفسي.

(يتوقف فجأة. ثبات.)

أفكّر كثيرًا…

وأحلّل كثيرًا…

وأتكلّم كثيرًا…

(تسارع بسيط.)

أبدأ جملة…

ثم أشرحها…

ثم أشرح الشرح…

ثم

(قطع مفاجئ، بصوت مختلف حاد.)

اصمت.

(صمت تام. ثانيتان.)

(يعود بهدوء.)

شكرًا…

هذا الصوت… مفيد جدًا.

(تتحرك اليد كأنها تمسك ملعقة.)

في المطبخ…

الأمر مختلف.

(هدوء.)

لا فلسفة…

لا تحليل…

فقط… نار حقيقية.

(تقليب بطيء.)

أخلط…

أذوق…

أخطئ…

(ينظر للقدر الوهمي.)

وأحيانًا…

أحرق كل شيء.

(وقفة قصيرة.)

لكن الجميل في المطبخ…

أن الفشل…

له طعم.

(نبرة ساخرة خفيفة.)

الحياة عندي… تشبه وصفة معقّدة:

قليل من القلق

كثير من التفكير

وملح…

(وقفة)

غالبًا أنساه.

(يتراجع قليلًا. هدوء.)

أحبّ أن أبقى وحدي…

(ينظر جانبًا.)

هدوء…

سلام…

لا أحد يزعجني…

(يتغير الإيقاع فجأة.)

لكن عندما أتكلم…

أتكلم وكأنني كنتُ صامتًا منذ القرن التاسع عشر.

(وقفة. ابتسامة خفيفة.)

أحبّ أن أفكّر بطريقة مبدعة…

لكن أحيانًا…

أبدع في تعقيد الأمور فقط.

(نبرة أبطأ.)

حاولتُ أن أكون واضحًا…

متوازنًا…

مستقرًا…

(ينظر للأمام.)

لكن بصراحة…

الاستقرار…

ممل قليلًا.

(هدوء عميق.)

لذلك…

توقّفت عن محاولة أن أكون نسخة مثالية…

(وقفة.)

واكتفيت بأن أكون…

نسخة تعمل… أحيانًا.

(ينظر للجمهور مباشرة.)

أنا لست عالمًا…

ولا شاعرًا عظيمًا…

أنا حكيم.

(ابتسامة خفيفة.)

أفكّر كثيرًا…

أشعر كثيرًا…

أحاول كثيرًا…

وأخطئ…

بإبداع.

(وقفة أخيرة.)

وفي كل يوم…

تبدأ التجربة من جديد.

إن نجحت…

جميل.

(ابتسامة أوسع.)

وإن لم تنجح…

(وقفة قصيرة.)

يُعاد التشغيل.

(إظلام تدريجي. ثبات. نهاية.)


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")