المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

حواريات مارتن و كارل: الملعقة تهزم الذكاء الاصطناعي

  كارل (ساخرًا):  مارتن… منذ ساعة وأنت تحدّق في هذه الشاشة، كأنك تنتظر أن يخرج منها المخلّص. ماذا تفعل؟ مارتن (بنشوة):  أتعلم فنون المستقبل ! كارل (مستغربًا):  فنون المستقبل؟! كنت أظنها الزراعة على سطح القمر أو الرقص على موسيقى الكواكب… فما هي إذن؟ مارتن (بفخر طفولي):  الذكاء الاصطناعي يا رجل. أعبث بأدوات كثيرة… واحدة تولّد صورًا كأن بيكاسو انبعث من قبره، وأخرى تكتب لي موسيقى كأن موزارت تعاقد مع معالج إلكتروني . كارل (ضاحكًا):  رائع… صار عندك مقبرة فنية رقمية! تستحضر الأشباح واحدًا واحدًا. ماذا بعد؟ ستطلب من سقراط أن يشرح لك كيف تحضّر بيتزا؟ مارتن (متحمسًا):  ولم لا؟! كل شيء ممكن الآن. لقد صنعت أمس قصيدة فلسفية خلال ثوانٍ . كارل:  خلال ثوانٍ؟! الشعر يحتاج نارًا، وأنت تطهوه بالمايكروويف . مارتن:  المهم النتيجة! الكلمات جميلة، الإيقاع ساحر، الصور مدهشة . كارل (ساخرًا):  وهل جرّبت أن تفهم ما كتبت؟ أم أنك اكتفيت بالتصفيق للآلة كالأب الذي يصفّق لمولود لا يعرف لمن يشبه؟ مارتن (ينقر على لوحة المفاتيح بحماس): ...

حواريات مارتن و كارل: أزمة طفل في ثوب رجل

حديقة في مساء غامض. كارل ومارتن يتمشيان، تتعانق أصوات الريح مع وقع خطواتهما. يجلسان على مقعد خشبي قديم. مارتن (بصوت متردد): كارل، ما أثقل القلب حين يعطي، ثم ينتظر في صمت كمن يمد يده ولا يلقى غير الفراغ. كارل (ضاحكًا، يلوّح بيده): الفراغ يا صديقي أكثر وفاءً من بعض القلوب. فهو على الأقل، لا يعدك بشيء! مارتن (بعينين غارقتين): أتهزأ بي؟ أنا أتحدث عن الجرح، وأنت تقدم لي نكتة. كارل (ساخرًا بجدية): النكتة يا مارتن ليست إلا الحقيقة حين ترتدي قميصا قصيرا كي لا تبدو وقورة أكثر من اللازم. مارتن: لكن قل لي... لماذا نشعر بالنقص حين لا يرد علينا الآخر بسرعة؟ لماذا يتحول غياب رسالة صغيرة إلى امتحان قاسٍ للكرامة؟ كارل (يميل نحوه بهدوء): لأننا لم نتعلم بعد كيف نصادق الوحدة. حين نصادقها، لا نحتاج إلى رسائل كي نثبت أننا موجودون. مارتن (متذمرًا): إذن تريدني أن أعيش كراهب، أن أتعلم أن أكون حجرا؟ كارل: الحجر أكثر حكمة منا. فهو لا يسأل النهر لماذا مرّ ولم يقف، ولا يخاصم الريح إن تجاهلته. مارتن (بصوت ينكسر بين الجد والهزل): وما نفع القلب إذن إن صار حجراً؟ كارل (ساخرًا برهافة): القلب ليس ليُطالب بالردّ، بل ليض...

حواريات مارتن و كارل: قلوب على طاولة الواقع

المكان: مشهد سينوغرافي يحمل انطباعا لمقهى يطل على ساحة الأمم، طاولتان صغيرتان، ضوء أصفر خافت...كأن الشمس لا تريد أن تغرب... أصوات فناجين، وضحك بعيد....يدخل "مارتن" متوترًا، يجلس أمام "كارل" الذي يقرأ جريدته اليومية كالعادة... مارتن: (بصوت متردد) على أساس ماذا نحب يا كارل؟ وعلى أساس ماذا نبقى أوفياء؟ حتى وإن كتبنا رسائل الفراق بأيدينا؟ كارل: (يضع الجريدة ببطء، ينظر إليه بابتسامة ساخرة) سؤالك يذكّرني بإشكاليات لا تنتهي. لكن الأجوبة دائمًا قصيرة العمر، مثل زهور مقطوعة . مارتن: (بنفاد صبر) لا تراوغني. أريد جوابًا، لا رائحة فلسفة منزوعة الدسم . كارل: (يتنهّد، يرفع صوته قليلًا كأنه يخاطب الجمهور) الحب يا صديقي ليس ميثاقًا مكتوبًا بخط اليد ولا عهدًا عند كاتب العدل. الحب... هو فوضى من نوع خاص، نوقّع عليها بأرواحنا، ثم ننكرها عند أول اختبار للواقع . مارتن: (يميل للأمام) إذن الوفاء وهم؟ مجرد شعار؟ كارل: (ضاحكًا بمرارة) الوفاء؟! هو عادة أكثر منه قيمة. نكرّرها كما يكرّر الناس قولهم: "هذه هي الحياة". وكأنها تبرير عالمي لكل خيانة، لكل سقوط، لكل ق...

حواريات مارتن و كارل: طغيان اللحظة

  المكان: مقهى صغير على زاوية شارع، طاولة عليها فنجانان لم يُشربا بعد. الزمان: بين لحظةٍ لم تبدأ، ولحظةٍ لن تنتهي. مارتن (يحدق في الفنجان) : كارل، لماذا لا تصبر؟ لماذا أنت عديم التريّث؟ في كل شيء لا تستطيع أن تنتظر… كأنك تفقد الأمل إن لم تُفتح لك الأبواب في لحظتها . كارل (بحدة هادئة) : لأن الأبواب حين تُغلق دقيقة، أشعر أن خلفها مدينة كاملة تحترق. الانتظار، يا صديقي، موتٌ بالتقسيط .   مارتن (ساخرًا) : الموت نفسه ينتظر! ألا ترى كيف يصبر على البشر واحدًا واحدًا، حتى يأتي دوره؟ كارل (يضحك بمرارة) : لو كان في الحب منطق… لَما قيل لمن يحب: انتظر . ولو كان في الوفاء حكمة… لما تُركت الرسائل دون ردّ . أنا، يا مارتن، أردّ حتى على الرسائل الغريبة… لأنني أرى في التأخير إهانة للحياة ذاتها . مارتن (يهز رأسه) : ولكنك تحرق نفسك بهذا اللهب، ثم تشكو الرماد . كارل (بصوت متصاعد، كأنه يخطب) : أنا لا أحرق نفسي… أنا أُضيء الظلمة التي يصنعها الانتظار . أتعرف، يا مارتن؟ مشكلتي ليست مشكلتي وحدي… إنها مشكلة عالم كامل يختبئ خلف كلمة "غدًا ". العشاق يقتلون قلوبهم بتأجيل لقاء،...

حين تصير الخرائط أجنحة

صورة
  صِرتُ أضعُ يدي على صدري فأسمعُ حجَرًا يتعلَّمُ اسمَ الماء، وأرى نبضي يسبقُ شمسَ عينيَّ بساعةِ حنينٍ أو أكثر . صرتُ أُحبُّ ما يبتعدُ كي أراه، وأشتاقُ لأيّامٍ ظننتُها لن تنتهي فانتهتْ لتبدأ فيَّ . صرتُ أقرأُ جرائدَ الشرقِ لأطمئنَّ، وأتعلَّم من طبولِ الفيتنام أنَّ البعيدَ يستطيعُ أن يوقظَ قلبًا لا يعرفُ سببَ ارتعاشِه . صرتُ أفكّرُ في المغرب كأنَّه جزيرةٌ أُزيحَتْ قليلًا لتسكنَ جهةَ هوىً لا جهةَ خرائط، وأقولُ: ليست الأوطانُ مكانًا، إنما الأوطانُ ما يعرُجُ فينا حينَ نغفو . هيه يا حياةُ، يا معلِّمةَ الصبرِ على نارٍ تمشي، يا خيطَ نورٍ يُحيكُ بردَ الروح، لماذا تأخذينَ منّا الخطوةَ الأولى ثم تترُكينَ لنا بقيةَ الطريق؟ هيه يا حكيمُ، علِّمني كيف يُمسكُ القلبُ بالعالم ولا ينكسر . فقال : خذْ من الحجرِ ثِقَلَهُ كيلا تذروكَ رياحُ الخبر، وخُذْ من الماءِ دأبَهُ، فليسَ للوادي أن ينجو إلا إذا صَبَرَ على صخرِهِ . وخُذْ من النارِ نورًا لا حريقًا، فإنّ النارَ إذا جاعتْ أكلتْ صاحبَها، وإذا شبعتْ أضاءَتْ طريقَ مَنْ أحبّ . وخُذْ من الهواءِ خِفَّتَه، فما طارَ إلا لأنّه ...

دمعة خلف الهدية

كلما مددت يدي بالعطاء، وقذفت شيئاً من نور قلبي في ظلمة الأيام، وجدت نفسي واقفاً أمام مرآة الآخرين ... إن قالت المرآة: "هذا لا يكفي"، شعرتُ وكأن نهراً عظيماً جفّ في داخلي ... وإن قالت: "أحسنت"، أضاءت في روحي شمعة، لكنها سرعان ما تنطفئ حين يسكنني السؤال: هل فعلتُ ذلك حقاً لأجلهم، أم لأرى صورتي مشرقة في أعينهم؟ العطاء والجرح إنني حين أعطي، أهب ما يفيض من قلبي، ولكنّ القلب جريح ... الناس يطلبون الكمال في هديتك، ولا يرون الدمعة المختبئة خلف ابتسامتك .... ولأنّهم لا يرون، يظنون أنك قصّرت ... أما أنت، فتعود إلى نفسك مثقلاً، كأنك لم تفعل شيئاً. وهنا يولد الحزن . ما يكفي وما لا يكفي ليس في وسع إنسان أن يكفي إنساناً آخر، فالحاجة في قلوبهم بحر لا قرار له ... كل ما نفعله ليس إلا قطرة، فإن رأوها صغيرة، غابت عنهم أنها خرجت من أعماقنا .... وإن رأوها عظيمة، نسوا أننا أعطيناها ونحن عطاشى ... فلا تزن نفسك بمقياسهم، ولا تزن حبك بموازينهم؛ فالحب الذي لا يُحسب هو وحده الحب الصادق . ما العمل؟ اعمل ما يولد من قلبك، ودع الحكم لسماء أوسع من قلوب البشر ... افرح بما صنعت، ولو لم ي...

حواريات مارتن و كارل: فضيلة للبيع... بنصف ثمن

صورة
المشهد: غرفة بسيطة، ضوء خافت. كارل يدخل مرتبكًا، يمرر يده في شعره وكأنه يبحث عن منفذ لقلقه. كارل (بصوت متهدج) : إنني صرت لا أعرف كيف أشرح ما يقع... كيف يمكن أن يحدث هذا؟ إنني أفعل ما أراه صوابًا، بل أعيش كل يوم باحثًا عنه، منقبًا عن تلك الشرارة الصغيرة التي تسمى الخير. ومع ذلك... يبدو أن العالم يسخر مني، وكأن الفضيلة مجرد مزحة في سوق مكتظ بالأنذال . مارتن (يرفع حاجبيه، نصف ابتسامة ساخرة) : أنت تتحدث كمن اكتشف سرًّا، بينما ما تقوله هو أقدم من سقراط. حاول أن تشرح أكثر: هل الخير الذي تريده هو لك، أم للعالم الذي لا يكترث لك؟ كارل (متحمسًا، يتقدم خطوة) : كلاهما! أريده لأنني أشعر أنني إن لم أنتمِ للفضيلة سأفقد نفسي، وسأغرق في هذا الوحل من التناقضات. وأريده للآخرين لأن حياة بلا أخلاق ليست سوى قطيع بلا راعٍ... لكن المشكلة أن القطيع نفسه يضحك على من يحاول أن يقوده نحو الضوء . مارتن (بصوت هادئ، يميل على كرسيه) : إذن، تريد أن تكون راهبًا في سيرك، عاشقًا في مقبرة، فارسًا في زمن النيون والإعلانات. أليست هذه رومانسية ميؤوس منها؟ كارل (ينظر إليه بحدة) : أو لعلها هي وحدها الحقيقة. ...