آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: قلوب على طاولة الواقع

المكان: مشهد سينوغرافي يحمل انطباعا لمقهى يطل على ساحة الأمم، طاولتان صغيرتان، ضوء أصفر خافت...كأن الشمس لا تريد أن تغرب... أصوات فناجين، وضحك بعيد....يدخل "مارتن" متوترًا، يجلس أمام "كارل" الذي يقرأ جريدته اليومية كالعادة...

مارتن: (بصوت متردد)

على أساس ماذا نحب يا كارل؟ وعلى أساس ماذا نبقى أوفياء؟ حتى وإن كتبنا رسائل الفراق بأيدينا؟

كارل: (يضع الجريدة ببطء، ينظر إليه بابتسامة ساخرة)

سؤالك يذكّرني بإشكاليات لا تنتهي. لكن الأجوبة دائمًا قصيرة العمر، مثل زهور مقطوعة.

مارتن: (بنفاد صبر)

لا تراوغني. أريد جوابًا، لا رائحة فلسفة منزوعة الدسم.

كارل: (يتنهّد، يرفع صوته قليلًا كأنه يخاطب الجمهور)

الحب يا صديقي ليس ميثاقًا مكتوبًا بخط اليد ولا عهدًا عند كاتب العدل. الحب... هو فوضى من نوع خاص، نوقّع عليها بأرواحنا، ثم ننكرها عند أول اختبار للواقع.

مارتن: (يميل للأمام)

إذن الوفاء وهم؟ مجرد شعار؟

كارل: (ضاحكًا بمرارة)

الوفاء؟! هو عادة أكثر منه قيمة. نكرّرها كما يكرّر الناس قولهم: "هذه هي الحياة". وكأنها تبرير عالمي لكل خيانة، لكل سقوط، لكل قلب مكسور.

يصمت لحظة، يحدق في فنجان قهوته كمن يرى داخله غابة من الذكريات.

مارتن: (بهدوء، وكأنه يتذكر)

لكن... هناك لحظات تجعلنا نصدق. ضحكة، نظرة، كلمة. تلك اللحظات، أليست هي التي تدفعنا لأن نبقى؟

كارل: (ساخرًا)

نبقى؟ (يصفق بخفة) نبقى مثل من يحرس أطلال بيت محترق. نرعى الرماد ونسمّيه وطنًا.

مارتن: (بحدة)

أنت قاسٍ جدًا.

كارل: (بجدية مفاجئة)

بل واقعي. الحب يختارنا، نعم. لكن الواقع يحاكمنا بلا محامٍ. القلب يريد أن يركض، بينما العقل يصرخ: "قف! هناك فواتير يجب دفعها!"، "هناك التزامات"، "هناك حياة!".

مارتن: (مبتسم بحزن)

إذن نحن مجرد ضحايا معادلة خاسرة؟

كارل: (ينهض فجأة، يتجوّل على الخشبة كخطيب مسرحي)

ضحايا؟ نحن المتواطئون. نحن من رفعنا شعار "هذه هي الحياة" لنغطي عجزنا. نحن من نبرر خيانتنا ونسمّيها "قدرًا". نحن من نخون قلوبنا باسم الواقعية.

يتوقف، يواجه الجمهور مباشرة.

ألا ترون؟ الإنسان أكبر مهرّج على خشبة وجوده. يضحك وهو يبكي، يبقى وهو يهرب، يصرخ بالحب وهو يوقّع أوراق الطلاق.

مارتن: (ينهض بدوره، يصفق ببطء وهو يحدق في كارل)

جميل، لكنك نسيت شيئًا يا صديقي: حتى وإن كانت المسرحية عبثية، يظل الجمهور يأتي لمشاهدتها. لأنهم، رغم كل شيء، يريدون أن يصدقوا لحظة حب واحدة، ولو كانت كذبة.

يسود صمت ثقيل. ضوء خافت ينسدل تدريجيًا. يبقى الاثنان واقفين، كتمثالين منسيين. يهمس كارل أخيرًا:

كارل:

وهكذا، نحب... ونفترق... ونبقى أوفياء للوهم.

إظــلام كامل. تُسمع جملة أخيرة من مكبّر الصوت، صوت راوي غامض:

 "هذه ليست الحياة... هذه محاولتنا البائسة لتفسيرها."

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")