آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

دمعة خلف الهدية

كلما مددت يدي بالعطاء، وقذفت شيئاً من نور قلبي في ظلمة الأيام، وجدت نفسي واقفاً أمام مرآة الآخرين...إن قالت المرآة: "هذا لا يكفي"، شعرتُ وكأن نهراً عظيماً جفّ في داخلي...وإن قالت: "أحسنت"، أضاءت في روحي شمعة، لكنها سرعان ما تنطفئ حين يسكنني السؤال: هل فعلتُ ذلك حقاً لأجلهم، أم لأرى صورتي مشرقة في أعينهم؟

العطاء والجرح

إنني حين أعطي، أهب ما يفيض من قلبي، ولكنّ القلب جريح...الناس يطلبون الكمال في هديتك، ولا يرون الدمعة المختبئة خلف ابتسامتك....ولأنّهم لا يرون، يظنون أنك قصّرت...أما أنت، فتعود إلى نفسك مثقلاً، كأنك لم تفعل شيئاً. وهنا يولد الحزن.

ما يكفي وما لا يكفي

ليس في وسع إنسان أن يكفي إنساناً آخر، فالحاجة في قلوبهم بحر لا قرار له...كل ما نفعله ليس إلا قطرة، فإن رأوها صغيرة، غابت عنهم أنها خرجت من أعماقنا....وإن رأوها عظيمة، نسوا أننا أعطيناها ونحن عطاشى...فلا تزن نفسك بمقياسهم، ولا تزن حبك بموازينهم؛ فالحب الذي لا يُحسب هو وحده الحب الصادق.

ما العمل؟

اعمل ما يولد من قلبك، ودع الحكم لسماء أوسع من قلوب البشر...افرح بما صنعت، ولو لم يُرَ، فالنور لا يحتاج إلى شاهد ليكون نوراً....واعلَم أن الكفاية وهم، وأن العطاء الحق ليس أن تملأ قلوب الناس، بل أن تُنقّي قلبك من الظمأ إلى رضاهم....حين تفعل ذلك، لن تسأل: "هل يكفي؟"بل ستبتسم وتقول: "لقد فعلت ما يشبهني، وما خرج من أعماقي، وهذا يكفيني."

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")