آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حواريات مارتن و كارل: فضيلة للبيع... بنصف ثمن

المشهد: غرفة بسيطة، ضوء خافت. كارل يدخل مرتبكًا، يمرر يده في شعره وكأنه يبحث عن منفذ لقلقه.

كارل (بصوت متهدج):

إنني صرت لا أعرف كيف أشرح ما يقع... كيف يمكن أن يحدث هذا؟ إنني أفعل ما أراه صوابًا، بل أعيش كل يوم باحثًا عنه، منقبًا عن تلك الشرارة الصغيرة التي تسمى الخير. ومع ذلك... يبدو أن العالم يسخر مني، وكأن الفضيلة مجرد مزحة في سوق مكتظ بالأنذال.

مارتن (يرفع حاجبيه، نصف ابتسامة ساخرة):

أنت تتحدث كمن اكتشف سرًّا، بينما ما تقوله هو أقدم من سقراط. حاول أن تشرح أكثر: هل الخير الذي تريده هو لك، أم للعالم الذي لا يكترث لك؟

كارل (متحمسًا، يتقدم خطوة):

كلاهما! أريده لأنني أشعر أنني إن لم أنتمِ للفضيلة سأفقد نفسي، وسأغرق في هذا الوحل من التناقضات. وأريده للآخرين لأن حياة بلا أخلاق ليست سوى قطيع بلا راعٍ... لكن المشكلة أن القطيع نفسه يضحك على من يحاول أن يقوده نحو الضوء.

مارتن (بصوت هادئ، يميل على كرسيه):

إذن، تريد أن تكون راهبًا في سيرك، عاشقًا في مقبرة، فارسًا في زمن النيون والإعلانات. أليست هذه رومانسية ميؤوس منها؟

كارل (ينظر إليه بحدة):

أو لعلها هي وحدها الحقيقة. ألا ترى؟ الإرادة الخيّرة لا تُقاس بنجاحها في العالم، بل بإصرارها على ألا تخون ذاتها. أن تحب الخير، حتى حين يسخر الجميع من الخير. أن تظل وفيًّا لما هو نبيل، ولو بدا ذلك غباءً في نظر السوق، وتفاهة في عيون اللاهثين وراء الربح.

مارتن (يتنهد، بنبرة ساخرة ورقيقة معًا):

ربما، وربما أنت مجرد شاعر متخفٍ في زي فيلسوف. لكن اعترف، يا كارل... أليس في قلبك شيء من الحب، حب امرأة ربما، هو الذي يجعلك تتحدث عن "حب الخير" وكأنك تتغزل بمحبوبة؟

كارل (يبتسم لأول مرة، ابتسامة حزينة):

ولمَ لا؟ إن حب المرأة والفضيلة من طينة واحدة... كلاهما وعد بالسمو وسط هذا الطين.

يصمتان لحظة، كأن الغرفة تنصت معهما. مارتن يضحك بخفة.

مارتن:

إذن، فلنضحك معًا أيها الحالم. لنضحك ونحمل وصايا الفضيلة كما يحمل عاشقان سرّهما... في عالمٍ لا يملك أذنًا ليسمع.

يخرجان معًا من الغرفة، يذوب الحوار في ضحكة مريرة رومانسية.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")