آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

حين تصير الخرائط أجنحة

 صِرتُ أضعُ يدي على صدري

فأسمعُ حجَرًا يتعلَّمُ اسمَ الماء،
وأرى نبضي يسبقُ شمسَ عينيَّ
بساعةِ حنينٍ أو أكثر.

صرتُ أُحبُّ ما يبتعدُ كي أراه،
وأشتاقُ لأيّامٍ ظننتُها لن تنتهي
فانتهتْ لتبدأ فيَّ.

صرتُ أقرأُ جرائدَ الشرقِ لأطمئنَّ،
وأتعلَّم من طبولِ الفيتنام
أنَّ البعيدَ يستطيعُ أن يوقظَ قلبًا
لا يعرفُ سببَ ارتعاشِه.

صرتُ أفكّرُ في المغرب
كأنَّه جزيرةٌ أُزيحَتْ قليلًا
لتسكنَ جهةَ هوىً لا جهةَ خرائط،
وأقولُ: ليست الأوطانُ مكانًا،
إنما الأوطانُ ما يعرُجُ فينا حينَ نغفو.

هيه يا حياةُ،
يا معلِّمةَ الصبرِ على نارٍ تمشي،
يا خيطَ نورٍ يُحيكُ بردَ الروح،
لماذا تأخذينَ منّا الخطوةَ الأولى
ثم تترُكينَ لنا بقيةَ الطريق؟

هيه يا حكيمُ،
علِّمني كيف يُمسكُ القلبُ بالعالم
ولا ينكسر.
فقال:
خذْ من الحجرِ ثِقَلَهُ كيلا تذروكَ رياحُ الخبر،
وخُذْ من الماءِ دأبَهُ، فليسَ للوادي أن ينجو
إلا إذا صَبَرَ على صخرِهِ.
وخُذْ من النارِ نورًا لا حريقًا،
فإنّ النارَ إذا جاعتْ أكلتْ صاحبَها،
وإذا شبعتْ أضاءَتْ طريقَ مَنْ أحبّ.
وخُذْ من الهواءِ خِفَّتَه،
فما طارَ إلا لأنّه لم يُثقلْ نفسَهُ بما مضى.

يا حياةُ،
لسنا نطلبُ منكِ طولَ الأيام،
بل أن تعودي بنا كلَّ صباحٍ
إلى بستانٍ واحدٍ من الدهشة.

يا حكيمُ،
قلبي يتروَّضُ الآن:
يتعلّمُ أن يجاورَ صمتَهُ بلا فزع،
وأن يفتحَ نافذةً في جدارِه
كي لا يغدو حصنًا لليلٍ طويل.

صِرتُ أعرفُ:
أنّ الذي يبتعدُ عنّا
إنما يقتربُ بنوعٍ آخر،
وأنّ الفجرَ يُدرَّبُ نفسَهُ في القلب
قبل أن يتراءى على التلال.

إنْ خسرتَ أوّلَ الطريقِ،
فلا تقلْ إنّ الطريقَ خسرتْكَ؛
قُلْ: سأبتكرُ خطوةً أولى جديدة،
فالخطوةُ الأولى لا تُقتَل،
إنّما تُورِثُنا أبناءَها:
خطوةً للرجاء،
وأخرى للصفح،
وثالثةً تعودُ بنا إلى البداية
كأنّ البدايةَ لم تكنْ،
وكأنّها كانت كلَّ ما يكون.

سلامٌ على مَنْ يجعلُ من الحجرِ قلبًا،
ومن القلبِ شرقًا يهدأُ فيه الخبر،
ومن الشرقِ طريقًا
تمشي على جمرِها
فتورِقُ تحتَ قدمَيْكَ.

وإذا سألْتِني الحياةُ: هل شبعتَ؟
قلتُ:
ما شبعتُ،
غير أنّني تعلّمتُ
أنّ الجوعَ إلى النورِ هو الزاد،
وأنّ مَنْ انتظرَ الشمسَ في عينيه
رآها،
ولو سبَقهُ إليها قلبُهُ
بساعةِ حنينٍ أو أكثر.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")