آخر ما نشر كارل!

الخروج من قصة نفسي

القلق المستمر، والشك في الذات، والأسئلة التي لا تنتهي. أقولها بهذه الطريقة وكأنني ضحية شيء غامض يحدث لي، وكأن رأسي غرفة اقتحمها غرباء وقرروا السكن فيها. لكن ربما الحقيقة أقل شاعرية من ذلك. ربما جزء كبير من تعبي صنعته بنفسي. أفكر كثيرا، نعم، لكنني أيضا أستخدم التفكير أحيانا حتى لا أفعل شيئا. أحلل نفسي، ثم أحلل تحليلي لنفسي، ثم أتساءل إن كان تحليلي صادقا، ثم أبحث عن سبب يجعلني هكذا، فأعود إلى الماضي، إلى الناس، إلى المجتمع، إلى الخوف، إلى الحساسية، إلى الظروف... وتمر الساعات وأنا ما زلت في المكان نفسه. كأن فهم سبب الحريق سيطفئ النار. لكنه لا يطفئها.

يوما أشعر بالحماية والتميز، وكأن الحياة تخبئ لي شيئا عظيما، وكأنني مختلف، وكأن كل هذا الاضطراب ليس إلا مقدمة لحياة استثنائية تنتظرني. لكن حتى هذه الفكرة بدأت تثير شكي. لماذا يجب أن أكون استثنائيا؟ لماذا لا أقبل أنني إنسان عادي، عليه أن يعمل ويتعلم ويفشل ويكرر المحاولة مثل ملايين البشر؟ ربما فكرة أنني «مختلف» لم تكن دائما إيمانا بالنفس، بل كانت أحيانا طريقة جميلة للهروب من حقيقة أكثر إزعاجا: أن الموهبة لا تكفي، والذكاء لا يكفي، والحساسية لا تكفي، والأحلام بالتأكيد لا تكفي. العالم لا يدينني بشيء فقط لأنني أشعر بالأشياء بعمق.

ثم يأتي يوم آخر أشعر فيه أنني سأفقد كل شيء، والمثير للسخرية أنني أحيانا أخاف من خسارة أشياء لم أبنها أصلا. أخاف من فشل مستقبل لم أبدأ العمل عليه كما يجب، ومن ضياع فرص بينما أضيع ساعات كاملة في التفكير في الفرص. أخاف أن أصبح شخصا لم أرد أن أكونه، بينما أكرر بعض العادات نفسها التي ستقودني إليه. أريد نتائج شخص منضبط بعقلية شخص ينتظر المزاج المناسب، ثم أتعجب من التناقض وكأنه مأساة فرضتها الحياة علي.

يوما أستيقظ وأحب أن أسمع فيروز، وأشرب القهوة، وأفتح النافذة وأشعر أن العالم جميل. ويوما أستيقظ وكأن هذا آخر يوم في حياة الجحيم. وأنا أحب الصورة الأولى، ربما أكثر مما ينبغي: فيروز، القهوة، النافذة، الضوء، الوحدة الجميلة، الروح الحساسة التي تبحث عن معنى وسط عالم مادي قاس. كلها صور جميلة جدا، جميلة إلى درجة أنها قد تصبح خطيرة، لأن الإنسان يستطيع أن يحول فوضاه إلى هوية جميلة ثم يتعلق بها. يستطيع أن يصبح مفتونا بصورة نفسه وهو يتألم، أن يرى نفسه كالشخص الحساس الذي لم يفهمه العالم، والمختلف الذي سحقه المجتمع، والحالم الذي وضعته الحياة في المكان الخطأ.

إنها قصة جميلة، لكنها لا تدفع فاتورة، ولا تبني مستقبلا، ولا تصلح خطأ، ولا تعيد وقتا، ولا تغير عادة واحدة. وربما يجب أن أعترف بأنني في بعض الأحيان لم أكن أبحث عن حل بقدر ما كنت أبحث عن تفسير جميل لما يحدث لي. هناك فرق قاس بين أن تفهم نفسك وأن تستخدم فهمك لنفسك كعذر. قد أعرف تماما لماذا أخاف، ولماذا أهرب، ولماذا أتعلق، ولماذا أمل بسرعة، ولماذا أندفع ثم أندم، لكن ماذا بعد؟ هل ستتغير حياتي لأنني أصبحت أملك تفسيرا أنيقا لفوضاي؟ هناك لحظة يصبح فيها تحليل الذات شكلا محترما من أشكال الهروب، وأخشى أنني أعرف هذه اللحظة جيدا.

كأنني أعيش مع شخص مغرور يحب المغامرة ولا يتحمل المسؤولية. يريد حياة كبيرة، لكنه يكره التفاصيل الصغيرة التي تصنعها. يريد الحرية، لكنه لا يحب ثمن الحرية. يريد النجاح، لكنه يكره الروتين الذي يصنع النجاح. يريد المال، لكنه لا يحب الجزء الممل والمتكرر من الطريق إليه. يريد الحب، لكنه يريد أن يحتفظ دائما بباب صغير مفتوح للهروب. يريد الاستقرار، ثم يشعر أن الاستقرار سجن. يريد المغامرة، ثم عندما تأتي نتائج المغامرة يبحث عن الأمان. يريد أن يكون مختلفا، لكنه يتألم عندما لا يفهمه الناس. يقول إنه لا يهتم برأي المجتمع، ثم يستطيع تعليق واحد أن يفسد يومه كله.

هذا الشخص يحب البدايات، لأن البدايات جميلة ولا توجد فيها فواتير بعد. في البداية تستطيع أن تتخيل نفسك كما تريد: ناجحا، حرا، عاشقا، مختلفا، قويا. المشكلة تبدأ عندما يصبح عليك أن تكمل، عندما يختفي الحماس ولا يبقى إلا العمل. هنا يظهر الجزء الذي لا أحب الكلام عنه: الاستمرار. أن أفعل الشيء نفسه عندما يصبح مملا، أن أنهي ما بدأت، أن أتحمل نتيجة اختياري، وأن أقول لنفسي: أنا اخترت هذا، ولذلك سأتحمل جزءا من ثمنه. هذه الأشياء أقل شاعرية من الحديث عن الحرية، لكنها ربما أكثر صدقا.

ثم هناك شخص آخر يعيش معي: القاضي. وهو أسوأ بطريقة مختلفة. المغامر يفسد الأشياء ثم يهرب، والقاضي يصل بعد ذلك ليجلدني عليها. يا لها من شراكة ممتازة: واحد يرتكب الخطأ دون حساب كاف، والآخر يحوله إلى دليل على أنني إنسان فاشل. الأول يقول: افعلها، الحياة قصيرة. والثاني يقول بعد وقوعها: كيف كنت بهذا الغباء؟ الأول لا يفكر بما يكفي، والثاني لا يعرف كيف يتوقف عن التفكير. وبينهما أقف أنا وأدفع الفاتورة.

والأسوأ أنني أعطي كليهما سلطة أكبر مما يستحق. عندما أريد شيئا أقول: هذه طبيعتي. وعندما أندم أقول: هذه أيضا طبيعتي. كم هو مريح أن تصبح «الطبيعة» عذرا، كأن الإنسان حجر، وكأن العادات قوانين فيزيائية، وكأنني كلما قلت «أنا هكذا» حصلت على إعفاء من مسؤولية أن أتغير. ربما بعض ما أسميه شخصيتي ليس شخصيتي أصلا؛ ربما مجرد عادات كررتها طويلا حتى بدأت أدافع عنها وكأنها جزء مقدس مني.

ثم الذكريات. أقول إنها لا تريد أن تمحى، لكن هل هي التي لا تريد، أم أنني أنا الذي يعود إليها؟ كم مرة فتحت بابا أعرف تماما ما خلفه؟ كم مرة عدت إلى محادثة قديمة، إلى شخص قديم، إلى موقف انتهى، إلى سيناريو لا يمكن تغييره، ثم جلست أمامه كأنني أشاهد فيلما أعرف نهايته وأتفاجأ في كل مرة بأنها تؤلمني؟ ربما الذاكرة ليست دائما سجانا. أحيانا نحن من نرفض مغادرة الزنزانة لأننا حفظنا جدرانها.

 

هناك ألم نكرهه، وهناك ألم نتعلق به لأنه أصبح مألوفا. لأنه يعطينا قصة، وسببا، وشخصا نلومه، وتفسيرا لما أصبحنا عليه. وترك الألم يعني شيئا أكثر رعبا من الألم نفسه: أن نعيش من دونه. أن نتوقف عن استخدام الماضي كشرح دائم للحاضر، وأن نقول ببساطة: نعم، حدث ذلك. نعم، ظلمني شخص. نعم، ظلمت شخصا. نعم، كنت غبيا. نعم، خفت. نعم، أضعت فرصة. نعم، فعلت أشياء أخجل منها. ثم ماذا؟ ماذا سأفعل اليوم؟ وهذا السؤال أقسى من ألف تحليل نفسي، لأنه يسحب مني الأعذار ويعيد المسؤولية إلى يدي.

أقول إنني أريد أن أصبح «أفضل نسخة مني»، وحتى هذه الجملة بدأت تزعجني. كأن هناك تمثالا مثاليا ينتظرني في نهاية الطريق: منضبط، هادئ، حكيم، ناجح، قوي، حر، متوازن، يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، لا يتعلق بأحد، لا يخاف من شيء، ويملك جوابا جميلا عن معنى الحياة. ربما هذا كله هراء. ربما لا توجد نسخة نهائية مني. هناك فقط ما أفعله اليوم وما لا أفعله. النسخة التي أحلم بها لا قيمة لها إن كانت النسخة الموجودة الآن لا تستطيع القيام بالأشياء الصغيرة التي تعرف أنها ضرورية.

أريد الحرية، لكن الحرية دون مسؤولية ليست حرية، بل فوضى. أن أفعل ما أريد ثم أكره العالم عندما تصل النتائج ليس تمردا، بل طفولية متأخرة. أن أقول إنني أكره القيود بينما لا أستطيع فرض أي نظام على نفسي ليس استقلالا. أريد السلام، لكنني أحيانا أعيش بطريقة تصنع الحرب داخلي ثم أتساءل أين السلام. أؤجل ما يجب أن أفعله ثم أقلق، أهرب من القرار ثم أقلق، أفكر في أسوأ الاحتمالات ثم أقلق، أقارن نفسي ثم أقلق، أعيد الماضي ثم أقلق، وأريد السيطرة على أشياء لا أستطيع السيطرة عليها ثم أقلق. وبعد كل ذلك أتعامل مع القلق كأنه نزل علي من السماء. ليس دائما. بعضه يأتي من الحياة، وبعضه أنا أسقيه كل يوم.

وأحب الخير. لكن حب الخير سهل عندما يكون مجرد فكرة. السؤال الحقيقي هو ماذا أفعل عندما يصبح الخير مكلفا؟ هل أبقى عادلا عندما أكون غاضبا؟ هل أقول الحقيقة عندما تضر صورتي؟ هل أعترف بخطئي دون أن أكتب مرافعة كاملة تشرح لماذا فعلته؟ هل أعتذر دون أن أضع كلمة «لكن» في منتصف الاعتذار؟ هل أستطيع أن أرى الشر في نفسي دون أن أحوله إلى مأساة جديدة أكون أنا بطلها وضحيتها في الوقت نفسه؟

لأنني لست دائما الضحية، وهذه جملة ثقيلة. أحيانا كنت أنا المشكلة. أحيانا تكلمت عندما كان يجب أن أصمت، وصمت عندما كان يجب أن أتكلم. أحيانا جرحت، وكنت أنانيا، وطلبت من الآخرين أن يفهموني بينما لم أبذل الجهد نفسه لفهمهم. أحيانا أردت التسامح مع أخطائي وكنت قاسيا جدا مع أخطاء غيري. أحيانا سميت خوفي «حدسا»، وغروري «كرامة»، وهروبي «حرية»، وكسلي «فقدان شغف»، وتعلقي «حبا»، وفوضاي «عفوية»، والإفراط في التفكير «وعيا». الكلمات تستطيع أن تكون مخدرا ممتازا؛ نغير اسم الشيء كي لا نضطر إلى تغييره.

وأحب الحكمة. أحب الأفكار الكبيرة، والطبيعة، والإنسان، والخير والشر، والروح والمادة، ومعنى الوجود. لكن ما قيمة الحكمة التي لا تستطيع أن تنظم يوما واحدا؟ ما قيمة فلسفتي عن الحياة إذا كنت عاجزا عن اتخاذ قرار صغير لأنني أخاف أن يكون خطأ؟ ما قيمة فهمي للطبيعة البشرية إذا كنت أكرر السلوك نفسه الذي أعرف أنه يؤذيني؟ هناك غرور خفي في المعرفة أيضا. أن تعرف أسماء الأشياء لا يعني أنك تجاوزتها. قد تعرف كل شيء عن الخوف وتظل جبانا أمام قرار واحد، وقد تقرأ ألف صفحة عن الانضباط وتظل تؤجل، وقد تفهم العلاقات نظريا وتكون كارثة داخل علاقة حقيقية. المعرفة ليست التحول، والوعي ليس الإنجاز، والنية ليست الفعل.

ثم أقول إن المجتمع صعب وعنيف، وإنه لا بد أن تكون قويا، وأنا ضعيف وحساس جدا. نعم، المجتمع صعب، والناس يستطيعون أن يكونوا قساة، والعالم لا يكافئ الطيبة دائما. لكن حتى الحساسية يمكن أن تتحول إلى عذر إذا أحببتها أكثر مما ينبغي. الحساسية جميلة عندما تجعل الموسيقى أعمق، والحب أعمق، والفن أعمق، واللغة أعمق، وتجعل صباحا عاديا مع فيروز وقهوة يبدو كأنه مشهد يستحق الحياة. لكنها عندما تُترك بلا حدود قد تجعل كل نظرة تتعلق بي، وكل صمت رسالة لي، وكل تغير في صوت شخص دليلا على شيء، وكل رفض إهانة، وكل نقد هجوما، وكل مسافة تخليا.

والحقيقة الأكثر إحراجا أن العالم ليس مشغولا بي إلى هذه الدرجة. الناس لديهم حياتهم، ومخاوفهم، وعقدهم، وأيامهم السيئة. أحيانا الشخص الذي لم يرد على رسالتي لم يكن يرسل إلي رسالة وجودية عن قيمتي؛ ربما كان فقط مشغولا. وأحيانا النظرة التي قضيت الليل أحللها لم تكن تحمل أي معنى. كم من المعاناة صنعت لأنني وضعت نفسي في مركز أحداث لم تكن عني أصلا؟

وأقول إنني ضعيف. ربما. لكن حتى الضعف يمكن أن يتحول إلى هوية مريحة، لأن الشخص الذي يقرر أنه ضعيف لا يعود مطالبا بأن يجرب قوته. يستطيع دائما أن يقول: أنا حساس، أنا هكذا، الأمر أصعب بالنسبة لي. وقد يكون الأمر فعلا أصعب بالنسبة لي، لكن الحقيقة لا تصبح عذرا فقط لأنها حقيقة. إذا كان العالم قاسيا وحساسيتي عالية، فالمطلوب أن أتعلم: الحدود، والانضباط، واختيار الناس، واختيار المعارك، والقدرة على قول «لا»، والقدرة على تحمل أن يسيء أحد فهمي دون أن أقيم محكمة كاملة داخل رأسي دفاعا عن نفسي.

 

ربما القوة التي أحتاجها أقل إثارة مما كنت أتخيل. ليست أن أصبح باردا، ولا قاسيا، ولا شخصا لا يشعر بشيء. القوة ربما أن أفي بوعد قطعته لنفسي، وأن أنهض عندما لا أريد، وأن أنهي شيئا بدأت به، وأن أتحمل نتيجة قرار اتخذته، وأن أقول «أخطأت» دون قصيدة، و«لا أعرف» دون خجل، و«لا» دون شرح من عشر صفحات، و«انتهى» عندما ينتهي شيء. القوة أن أتوقف عن فتح القبور فقط لأتأكد أن الموتى ما زالوا موتى.

ربما مشكلتي أنني انتظرت طويلا أن أشعر بالطريقة الصحيحة قبل أن أعيش بالطريقة الصحيحة. أنتظر الثقة لكي أبدأ، والوضوح لكي أقرر، والحماس لكي أعمل، والسلام لكي أنام، وأن أحب نفسي تماما لكي أتحرك. لكن ربما الأشياء تأتي بالعكس. ربما أبدأ وأنا خائف، وأقرر وأنا غير متأكد، وأعمل وأنا غير متحمس، وأضع حدودا وأنا أشعر بالذنب، وأترك الماضي وأنا ما زلت أشتاق إليه. وربما الثقة لا تأتي قبل الفعل، بل بعد أن أرى نفسي أفعل ما قلت إنني سأفعله.

لن تأتي الحياة لتنقذني من نفسي، وهذه أكثر فكرة لا أحبها. لن يأتي صباح سحري أستيقظ فيه إنسانا جديدا. لن تختفي كل عقدي لأنني فهمتها، ولن تمحى الذكريات لأنني سامحت، ولن يصبح المجتمع لطيفا لأنني حساس، ولن يعطيني العالم وقتا إضافيا لأنني كنت مرتبكا. الوقت يمر على أي حال. وهذه حقيقة قاسية، لكنها تحمل شيئا من الحرية أيضا: إذا كنت جزءا من المشكلة، فهذا يعني أنني أستطيع أن أكون جزءا من الحل.

ليس كل شيء بيدي، لكن بعض الأشياء بيدي، والمثير للسخرية أن هذه الأشياء الصغيرة هي بالضبط ما أحب تجاهله بينما أفكر في الأشياء الكبيرة التي ليست بيدي. لن أسيطر على المستقبل، لكنني أستطيع أن أقرر ماذا أفعل اليوم. لن أتحكم في الناس، لكنني أستطيع أن أقرر من أسمح له بالبقاء قريبا مني. لن أمحو الماضي، لكنني أستطيع أن أتوقف عن تقديمه كل صباح كدليل جديد ضدي. لن أصبح بلا خوف، لكنني أستطيع أن أفعل بعض الأشياء وأنا خائف. لن أصبح قويا في ليلة، لكنني أستطيع على الأقل أن أتوقف عن تدريب ضعفي.

وربما يجب أن أتوقف قليلا عن البحث عن نفسي، كأن نفسي شيء ضائع في غابة فلسفية وعلي أن أجده. ربما نفسي ليست شيئا سأجده، بل شيئا أبنيه: بالاختيارات الصغيرة التي لا يراها أحد، بالأيام المملة، بالوعود التي أحافظ عليها عندما لا يوجد جمهور، بالأخطاء التي أعترف بها، بالأشياء التي أتركها، وبالأبواب التي أرفض العودة إليها مهما اشتقت لما خلفها.

ما زلت أحب فيروز، وما زلت أحب القهوة، وما زلت أريد أن أفتح النافذة في صباح هادئ وأشعر أن الحياة جميلة. لا أريد أن أفقد هذا الجزء مني، لكنني لا أريد أيضا أن أختبئ داخله. لا أريد أن أصبح الرجل الذي يعرف كيف يصف حياته بشكل جميل لكنه لا يعرف كيف يعيشها. لا أريد أن تصبح لغتي أكثر نضجا من أفعالي، ولا أفكاري أكبر من قدرتي على تحمل مسؤولية يوم عادي، ولا أن أصبح خبيرا في نفسي وعاجزا عن قيادتها.

ربما لا أحتاج دائما إلى مزيد من الفهم. ربما أحتاج أحيانا إلى أن أصمت، وأن أغلق المحكمة، وأن آخذ المطرقة من يد القاضي، وأن أمسك المغامر من كتفه قبل أن يقفز، وأن أجلس أنا في المنتصف. لا الضحية، ولا العبقري الذي لم يفهمه العالم، ولا الإنسان الملعون بحساسيته، ولا المشروع العظيم الذي ينتظر اللحظة المناسبة. أنا فقط. إنسان ارتكب أخطاء وسيرتكب غيرها، لديه أشياء جميلة وأشياء قبيحة، يخاف ويغتر ويحب ويهرب ويعود، وليس استثنائيا بما يكفي ليُعفى من قوانين الحياة.

إذا لم أعمل، فلن تتقدم الأشياء لأن نواياي جميلة. إذا لم أضع حدودا، سيدخل من لا أريده. إذا لم أتعلم من الخطأ، سيعود الخطأ مرتديا ملابس جديدة. وإذا لم أتحمل مسؤولية اختياراتي، فسأقضي حياتي أبحث عن متهم: الماضي، الناس، المجتمع، الخوف، الحساسية، الحظ. وأحيانا سيكونون مذنبين فعلا، لكن حتى بعد أن أثبت إدانتهم جميعا يبقى سؤال واحد لا أستطيع الهرب منه: ماذا سأفعل أنا بعد صدور الحكم؟

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")