آخر ما نشر كارل!

حين نسمّي القفص سماءً

 يقال إن الطيور على أشكالها تقع، وقد كنت أفهم هذه العبارة، مثلما يفهمها معظم الناس، على أن المتشابهين يلتقون، وأن الإنسان، مهما ابتعد، سينتهي به الأمر إلى صحبة من يشبهونه في الطباع والرغبات وطريقة النظر إلى العالم. لكنني، كلما أعدت العبارة في رأسي، توقفت طويلًا عند كلمة «تقع»، وشعرت بأنها تقول شيئًا أكثر قسوة وغموضًا مما اعتدنا أن نسمعه فيها. فالطيور لا تقع على أشكالها بمعنى أنها تجتمع بها فقط؛ لعلها تقع أيضًا بمعنى أنها تتعثر بها، أو تسقط فيها، أو تنتهي إلى المصير الذي كان شكلها نفسه يقودها إليه.


ربما كان كل واحد منا يسقط، في مرحلة ما، في الشكل الذي تكوّن داخله منذ البداية.


لا أعرف إن كان هذا التأويل عادلًا للعبارة، وربما لا يهم أن يكون عادلًا لها بقدر ما يهم أنه يكشف شيئًا نراه كل يوم ولا ننتبه إليه. فالناس، على اختلافهم، يمرون بأشياء متشابهة: يمرضون، ويفشلون، ويخسرون من يحبون، ويكبرون، ويفقدون بالتدريج ذلك الشعور القديم بأن الحياة فضاء مفتوح لا نهاية لاحتمالاته. غير أن كل واحد يعيش هذه الوقائع بطريقته، لأن الواقعة شيء، وما تفعله في أعماق الإنسان شيء آخر.


نحن نمرض جميعًا، لكن المرض لا يدخل إلى الحياة نفسها حين يدخل إلى شخصين مختلفين. عند أحدهم يكون المرض امتحانًا، وعند آخر يكون إهانة، وعند ثالث يكون استراحة لم يكن قادرًا على طلبها، وعند رابع يصبح نافذة يرى منها هشاشة الأشياء التي كان يظنها ثابتة. وقد نفشل جميعًا، لكن الفشل لا يحمل المعنى نفسه عند الجميع؛ فقد يكون لدى شخص دليلًا على أنه لم يكن جديرًا منذ البداية، ويكون لدى آخر مجرد منعطف، ويكون لدى ثالث خلاصًا متأخرًا من طريق لم يكن يريده، لكنه سار فيه طويلًا لأنه لم يعرف كيف يقول لا.


ربما نتشابه، إذن، في الوقائع، ونختلف في المعاني. تخضع أجسادنا للقوانين البيولوجية نفسها، وتسري علينا الجاذبية ذاتها، ويستنفد الزمن خلايانا جميعًا بالصبر نفسه، لكن أحدًا لا يستطيع أن يسكن جسد الآخر أو ينظر من نافذته الداخلية. لكل إنسان طريقته في حمل ما يحدث له، ولكل وعي طريقته في تحويل الضرورة إلى حكاية.


هذا صحيح، ولا أجد مانعًا في الاعتراف به. لكن ما يقلقني ليس هذا الاختلاف، بل التشابه الذي يختبئ تحته.


كلما عشت سنوات أكثر، والتقيت عددًا أكبر من الناس، بدا لي أننا مختلفون أقل مما نزعم. لا أعني أننا نسخ متطابقة، ولا أن تجاربنا الفردية بلا قيمة، بل أعني أن هناك بنية صامتة تسبقنا وتنتظرنا، ثم تدخل فينا بالتدريج حتى نظنها طبيعتنا. نولد في بيوت مختلفة، لكن البيوت كثيرًا ما تعلم أبناءها المخاوف نفسها، وتضع أمامهم الصور نفسها للحياة الجيدة، وتحذرهم من الأسئلة ذاتها. يقول الأب لابنه ما قاله له أبوه، لا لأنه اختبره دائمًا ووجده صحيحًا، بل لأن الكلمات القديمة تمنحه شعورًا بالأمان، ولأن تكرارها يعفيه من مواجهة احتمال أنه هو نفسه قد عاش عمرًا كاملًا داخل خطأ موروث.


ثم نذهب إلى المدرسة، وهناك نتعلم أشياء كثيرة، لكننا نتعلم، قبل كل شيء، كيف نجلس حين يطلب منا الجلوس، وكيف نتكلم عندما يؤذن لنا بالكلام، وكيف نحفظ الإجابة التي يريدها السؤال. نتعلم أن الخطأ ليس طريقًا إلى المعرفة بقدر ما هو سبب للخجل، وأن الذكاء هو القدرة على الوصول إلى النتيجة المنتظرة، وأن النجاح يمكن قياسه وترتيبه وتعليقه على الجدار. ولعل المدرسة لا تفعل ذلك عن سوء قصد؛ فهي بدورها جزء من مجتمع يخاف الفوضى، ويحتاج إلى أن يحول الأطفال المجهولين، بما فيهم من احتمالات مقلقة، إلى أشخاص يمكن توقعهم.


نكبر بعد ذلك ونبدأ العمل، فنظن أننا غادرنا المدرسة، مع أننا ربما نكون قد انتقلنا فقط إلى فصل أكبر. تصبح الدرجات رواتب وترقيات، ويصبح المعلم مديرًا، ويصبح الخوف من الرسوب خوفًا من السقوط خارج النظام. نتعلم لغة جديدة للطاعة، أكثر تهذيبًا وأقل وضوحًا. لا يقول لنا أحد دائمًا: أطع، بل يقال لنا: كن واقعيًا، كن مهنيًا، افهم كيف تسير الأمور، لا تكن صعبًا، لا تبالغ في التفكير، افعل ما يفعله الجميع.


وبهذه الطريقة لا تعود الطاعة أمرًا يصدر إلينا من الخارج؛ تصبح صوتًا داخليًا يتكلم بلساننا. نراقب أنفسنا بأنفسنا، ونحذف من رغباتنا ما يبدو غير ملائم، ونعتذر عن الأسئلة قبل أن نطرحها، وربما نسخر ممن يحاول الخروج عن المألوف لأن محاولته تفضح استسلامنا. نسمي خوفنا نضجًا، ونسمي الاعتياد استقرارًا، ونسمي العجز عن البدء من جديد وفاءً لما بدأناه. وقد يكون في ذلك كله شيء من الحكمة فعلًا، لكن المشكلة أن الحكمة والخوف يرتديان أحيانًا الثياب نفسها.


هنالك ظل مريح يعيش تحته الجميع. إنه ظل الجماعة، والعادة، وما جرى الاتفاق عليه من غير أن نتذكر متى اتفقنا عليه. يحمي هذا الظل الإنسان من حرّ السؤال ومن دوار الاحتمالات. ما دام المرء يفعل ما يفعله الآخرون، يستطيع أن يعتقد أنه لن يخطئ وحده. وإذا فشل، وجد حوله لغة جاهزة تفسر فشله؛ وإذا نجح، وجد سلمًا جاهزًا يقيس نجاحه. حتى الحزن له طقوس معروفة، والحب له شكل ينبغي أن يتخذه، والرجولة والأنوثة والكرامة والعائلة والعمل والسعادة، لكل واحدة منها حدود مرسومة قبل وصولنا.


ولست أقول إن علينا أن نعيش بلا جماعة أو ثقافة. لا يستطيع الإنسان أن يولد خارج اللغة، ولا أن يخترع العالم من الصفر. حتى تمردنا نستعير له كلمات ممن سبقونا، وحتى رغبتنا في الاختلاف لا تظهر إلا لأن هناك شيئًا نختلف عنه. المجتمع ليس سجنًا فحسب؛ إنه أيضًا البيت الذي تعلمنا فيه كيف نسمي الأشياء، وكيف نفهم الألم، وكيف نمنح محبتنا شكلًا يمكن للآخرين أن يتعرفوا إليه.


لكن البيت قد يتحول إلى سجن حين ننسى أن له أبوابًا.


والمشكلة ليست في أننا ورثنا أشكالًا للحياة، بل في أننا قد نموت قبل أن نسأل إن كانت هذه الأشكال تتسع لنا. قد يقضي الإنسان سنوات طويلة وهو يحاول أن يصبح شخصًا قيل له إنه جدير بالاحترام، ثم يكتشف، بعد أن ينجح في ذلك، أن الشخص الذي نجح في صنعه لا يشبهه. وربما تكون هذه إحدى أشد لحظات الفشل قسوة: أن تصل إلى المكان الذي طُلب منك الوصول إليه، ثم تكتشف أن وصولك لم يكن وصولًا إليك.


عندها أفكر من جديد في الطيور التي تقع على أشكالها. لعل الشكل ليس شكل الطيور الأخرى فقط، بل هو أيضًا شكل القفص الذي اعتادت الطيران داخله. قد يفتح أحدهم باب القفص، ولكن الطائر لا يغادر، لا لأنه يحب الأسر، بل لأن الفضاء المفتوح لا يشبه شيئًا تعلمه. القفص مؤلم، نعم، لكنه مفهوم؛ أما الحرية فواسعة إلى حد مخيف، ولا تقدم ضمانة بأنها ستقود إلى مكان آمن.


ربما لذلك يعود الناس إلى ما يعرفونه، حتى عندما يكون ما يعرفونه سببًا في شقائهم. يعود الابن إلى طريقة أبيه التي كان يكرهها، ويكرر العاشق الجرح الذي أقسم ألا يكرره، ويعيد المجتمع إنتاج القيم التي يشتكي منها أفراده. ليس لأن البشر أغبياء بالضرورة، بل لأن المألوف أعمق من الاقتناع. يمكن للإنسان أن يرفض فكرة بعقله، بينما يواصل جسده ووجدانه العيش وفقها. قد يقول إنه حر، لكن خوفه يختار عنه. وقد يعتقد أنه تجاوز الماضي، بينما يكون قد حمل الماضي معه في الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه والآخرين.


وهنا يبدو لي أن سقوط الإنسان لا يحدث فجأة. نحن لا نسقط دائمًا من مكان مرتفع، بل قد نسقط ببطء، على امتداد سنوات، من احتمال إلى عادة، ومن سؤال إلى جواب جاهز، ومن رغبة حية إلى واجب يؤديه الجسد بعدما غادره المعنى. وقد لا يلاحظ أحد سقوطنا، لأننا نكون في الخارج ناجحين تمامًا. ربما نصفق لأنفسنا ونحن نسقط، وربما يصفق لنا الآخرون أيضًا، ما دمنا نسقط في الاتجاه الذي يسقطون فيه.


ليست كل نهاية موتًا. بعض النهايات يحدث والإنسان ما يزال يمشي ويتكلم ويؤدي وظائفه اليومية. ينتهي شيء فيه حين يكف عن السؤال، أو حين يقبل أن تكون صورته في أعين الناس أهم من صوته في أعماقه، أو حين يصبح الحفاظ على ما بناه أغلى من معرفة ما إذا كان يستحق أن يُحفظ. قد يصل إلى الأربعين أو الخمسين، يلتفت إلى حياته، فيرى خطًا مستقيمًا ومنطقيًا وناجحًا، لكنه لا يستطيع أن يتذكر اللحظة التي اختار فيها هذا الخط.


ومع ذلك، لا أريد أن أحول الأمر إلى إدانة سهلة للناس. فالطاعة ليست دائمًا جبنًا، مثلما أن التمرد ليس دائمًا شجاعة. أحيانًا يطيع الإنسان لأنه يحب، أو لأنه مسؤول عن آخرين، أو لأنه لم يمتلك الامتياز الذي يسمح له بالمغامرة. وليس من العدل أن نطالب كل إنسان بأن يهدم حياته كي يثبت أنه حر. قد تكون الحرية أهدأ من ذلك بكثير؛ قد تبدأ فقط بأن يعرف الإنسان ما الذي يفعله به الخوف، وأن يميز بين ما اختاره وما اختاره الاعتياد نيابة عنه.


ربما لا نستطيع الخروج نهائيًا من الأشكال التي صنعتنا. حتى من يغادر جماعة يقع غالبًا في جماعة أخرى، ومن يرفض عقيدة قد يحول رفضه نفسه إلى عقيدة. والإنسان الذي يتباهى بأنه لا يشبه أحدًا قد يكون أكثر الناس احتياجًا إلى نظرة الآخرين، لأنه لا يستطيع معرفة اختلافه إلا من خلالهم. ليست المسألة إذن أن نصير بلا شكل، فهذا مستحيل، بل أن نرى الشكل الذي نحن فيه، وأن نعرف حدوده، وأن نترك فيه نافذة لا يغلقها اليقين.


قد تكون الحرية هي هذه المسافة الصغيرة بين ما تعلمناه وما نفعله؛ بين الخوف والاستجابة له؛ بين أن نرث طريقًا وأن نسير فيه مغمضي العينين. ليست الحرية غياب القوانين، بل حضور الوعي. وما دمنا قادرين على النظر إلى العادة وهي تعمل فينا، فإننا لا نكون أسرى لها تمامًا. الرؤية لا تحطم القفص، لكنها تمنعنا على الأقل من تسميته سماء.


لهذا صرت أرى العبارة على نحو مختلف. نعم، الطيور على أشكالها تقع، لأن الشبيه يجد شبيهه، ولأن الإنسان يبحث عمن يؤكد له أن حياته معقولة. لكنها تقع أيضًا في أشكالها: تقع في طباعها، وفي خوفها، وفي الصور التي كونتها عن نفسها، وفي الطرق التي طال تكرارها حتى بدت قدرًا. وقد يقع كل واحد منا، في النهاية، في الحفرة التي ظل يحفرها بعاداته الصغيرة، وهو يظن طوال الوقت أنه يبني طريقًا.


لكن لعل الحكمة ليست في أن نمنع الوقوع كله، فهذا فوق طاقة الإنسان. الحكمة أن نعرف، ولو متأخرين، ما الذي نسقط فيه، ولماذا. أن نسأل إن كانت الأرض التي نحط عليها اخترناها، أم أن تعب الأجنحة وحده هو الذي أقنعنا بأنها وطن. وأن نتعلم، حين نلتقي أشباهنا، ألا نبحث فيهم عن مرآة تطمئننا فقط، بل عن عين أخرى تساعدنا على رؤية ما عجزنا عن رؤيته في أنفسنا.


فنحن لا نحتاج دائمًا إلى من يشبهنا؛ ربما نحتاج أحيانًا إلى من يوقظ فينا الجزء الذي لم يجد له شكلًا بعد.


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")