آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العبارين

 بجانبي الكثير من المرايا،

وحينما أحاول أن أتجاهلها

لا أرى

إلا انعكاسًا لظلّي.


أشيح بوجهي عنها،

فأجدني في زجاج النافذة،

وفي ماء البحر،

وفي عيون الذين مرّوا بي،

وفي الأشياء التي ظننت

أنني تركتها خلفي.


أحاول أن أنسى

أنني انعكاسٌ لكل شيء،

لكل مدينة عبرتُها،

لكل باب أغلقته،

لكل يدٍ صافحتها ثم غابت،

لكل طريق قلت عنه:

لن أعود.


وأعود.


أخاف أن أتقبّل الأمر،

أن أتقبّل أن شيئًا مني

ليس لي وحدي،


وأن وجهي

يحمل وجوهًا كثيرة،


وأن صوتي

ربما ما زال يحتفظ

بأصوات الذين أحببتهم،


وأنني، في النهاية،

مجرد سطور

كتبتها مياه البحر

ثم تركتها على الرمل

ومضت.


ولا أعرف

إن كان البحر قد كتبني

أم محاني.


بجانبي الكثير من الذكريات،

وحينما أحاول أن أنساها

تأتي الأسماء.


أسماء كثيرة تواجهني،

تناديني

كما لو أنني ما زلت هناك،

كما لو أن السنوات

لم تمرّ.


أسماءٌ كنت أقولها كل يوم،

وأسماءٌ لم أعد أجرؤ

على قولها،

وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها

لكنني لم أنسَ

كيف كنت أشعر

حين ينادونني باسمي.


ثم تأتي الأماكن.


أماكن كثيرة،

بصخبها،

بأبوابها،

بشوارعها الطويلة،

تستفزني.


مدينةٌ تركتُ فيها نافذة،

مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا،

مدينةٌ تركتُ فيها حبًّا،

وأخرى

تركتُ فيها نسخةً مني

لم أعرف كيف أستعيدها.


وكلما ابتعدتُ

أشعر أنني أحملها معي.


كأن المدن

لا تبقى في مكانها،

كأنها تسافر داخلنا

حين نغادرها.


ثم تأتي الأوقات،

والأيام،

والسنون.


صباحاتٌ لا أعرف

لماذا أتذكرها،


أمسياتٌ عادية

صارت الآن أثمن

من أشياء كثيرة تمنّيتها،


لحظاتٌ مرّت

دون أن أعرف

أنها كانت تمرّ

للمرة الأخيرة.


قصص،

وتجارب،

وحنين.


وجوهٌ تدخل

وتخرج من ذاكرتي

دون استئذان.


ضحكاتٌ قديمة

تعود فجأة

من مكان لا أعرفه.


أغانٍ

تفتح أبوابًا

أمضيت سنوات

أحاول إغلاقها.


وروائح صغيرة

تعيد إليّ مدينة كاملة.


لا أتقبّل كل هذا.


لا أتقبّل

أن يكون الإنسان

كلَّ ما حاول نسيانه.


ولا أتقبّل

أنني كلما حاولت

أن أبدأ من جديد،

وجدتُ آثار خطواتي القديمة

تسبقني.


أقول لنفسي:

هذا أنا.


ثم أسأل:

أيُّ أنا؟


أنا الذي كان هناك؟

أم الذي رحل؟


أنا الذي أحبّ؟

أم الذي نسي؟


أنا الذي حلم؟

أم الذي استيقظ

ولم يجد الحلم؟


الحقيقة لا تأتي إليّ بهدوء.


إنها تفتح الباب

دون أن تطرقه،


تجلس أمامي،

وتضع على الطاولة

كل ما حاولت إخفاءه.


تقول لي:


هذه مدنك.

هذه أخطاؤك.

هؤلاء الذين أحببتهم.

هذه الأشياء التي فقدتها.

وهذه الأحلام

التي لم تعد تعرف

كيف تحلم بها.


فأنظر إليها

ولا أعرف ماذا أقول.


أحيانًا

أريد أن أكسر المرايا كلها،


لا لأنني أكره وجهي،

بل لأنني تعبت

من رؤية كل ما وراءه.


أريد وجهًا

لا يذكّرني بأحد.


مكانًا

لم أصل إليه من قبل.


يومًا

لا يحمل تاريخًا.


ساعةً

لا تأتي بعد شيء

ولا تسبق شيئًا.


أريد لحظة

لا تحتاج إلى ذاكرة.


لحظةً

لا أكون فيها

ما كنت،

ولا ما سأكون.


فقط ما أنا.


الآن.


هنا.


بجانب هذا البحر

الذي كتبني طويلًا،

وبجانب هذه المرايا

التي لا تتعب من إعادتي إليّ،

وبجانب كل هذه الذكريات

التي ما زالت تعتقد

أن لها حقًّا في قلبي.


أريد فقط

أن أجلس قليلًا.


أن أترك البحر

دون أن أسأله عن المعنى.


أن أنظر إلى المرآة

دون أن أسألها

من أكون.


أن تمرّ الأسماء

دون أن أتبعها.


أن تعود المدن

دون أن أسافر إليها.


أن يأتي الحنين

وألا أحاربه،

وألا أتبعه.


ربما لا يجب

أن أنسى شيئًا.


ربما لا يجب

أن أكسر المرآة.


ربما يكفي

أن أعرف

أن الانعكاس ليس أنا كلّي،


وأن الماضي،

مهما امتلأ بالأسماء،

ليس هذه اللحظة.


أنا هنا الآن.


والبحر أمامي،

والسماء فوقي،

وظلّي بجانبي.


وللمرة الأولى

لا أحاول أن أهرب منه.


لا أبحث عن معنى،

ولا أطلب من البحر جوابًا،

ولا أطلب من المرآة

وجهًا آخر.


أريد فقط

أن أكون ممتنًا

لهذه اللحظة،


لهذا النفس،

لهذا الصمت،

لهذا الجسد

الذي حمل كل تلك المدن

ووصل.


ممتنًا

لأن الأشياء مرّت،


ولأن بعضها بقي،


ولأنني،

رغم كل ما انعكس فيَّ،

ما زلت قادرًا

على النظر.


ربما

لا أحتاج الآن

أن أعرف من أنا.


ربما يكفي

أن أكون.


هنا.


في هذه اللحظة.


قبل أن تصبح

هي أيضًا

ذكرى.


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")