آخر ما نشر كارل!

مدينة اسمها نورة

 أنا في حبك يا نورة ثورة

لم تجد بلادًا تشتعل فيها،
فاشتعلت في صدري.

منذ عرفتكِ
وأنا أستيقظ كل صباح
على صوت المتظاهرين في دمي،
يهتفون باسمكِ،
يرفعون صورتكِ فوق شراييني،
ويطالبون قلبي
بألّا يعود إلى رشده.

أفهمكِ،
وأفهم أن الحياة ليست سوى فنّ النسيان:
أن ننسى يدًا أفلتتنا،
وأن ننسى بابًا أُغلق في وجوهنا،
وأن نضع وجعنا القديم
في صندوقٍ صغير،
ثم ندفنه تحت سرير السنوات
ونتظاهر أننا نمنا.

أفهم أن الحياة
تمسح أسماءنا عن مقاعد الانتظار،
وتبدّل وجوهنا في المرايا،
وتعلّمنا كيف نمرّ
قرب الأماكن التي قتلتنا
من دون أن نصرخ.

لكنني يا نورة
فشلت في هذا الدرس.

نسيت كثيرًا من الأشياء:
نسيت وجوه أصدقائي،
نسيت ضحكتي القديمة،
نسيت الطريق إلى نفسي،
ونسيت لماذا كنت أريد النجاة أصلًا،
لكنني لم أنسَكِ.

لم أنسَ يوم حضنتِني
وكأنكِ تجمعين حطام رجل
سقط لتوّه من السماء.
كان حضنكِ قصيرًا،
لكنه كان كافيًا
كي أقضي عمري كلّه
أبحث عن الطريق إليه.

مرّت سنوات.

كبرت الأشجار التي شهدت لقاءنا،
تهدّمت مقاهٍ،
تزوّج الأصدقاء،
وصار الذين كانوا يكتبون عن الحب
يكتبون عن أسعار البيوت
وأقساط السيارات.

ربما أنتِ أمّ الآن،
ربما توقظكِ طفلة في منتصف الليل،
فتضمّينها إلى صدركِ،
ولا تعرفين أن رجلًا بعيدًا
يستيقظ في اللحظة نفسها
لأن ذاكرته بكت.

ربما تقول لكِ طفلتكِ:
«أخبريني حكاية»،
فتخبرينها عن أميرة
أحبت الحرية،
ولا تذكرين لها
أن الحرية كانت تضحية شاب أحبها...

وأنا؟
أنا ما زلت واقفًا
في اليوم الأول نفسه.

لم أتقدم خطوة واحدة،
مع أن الأرض دارت آلاف المرات،
ومع أن القطارات عبرت المدن،
ومع أن عمري ركض أمامي
حتى لم أعد أرى غباره.

أنا ذلك الرجل
الذي تركتِه عند حافة عناق،
وذهبتِ.

ومنذ ذلك اليوم
وأنا أحمل غيابكِ
كما تحمل فاس
معاناة باب من أبوابها القديمة:
لا هو قادر على ترميم نفسه،
ولا الحاضر قادر على معرفة قيمته.

إنني مجنون يا نورة،
لكن جنوني ليس جميلًا
كما تصفه القصائد.

جنوني غرفة
تأكل نوافذها،
وساعة تقضم عقاربها،
وكلب ينتظر صاحبه
أمام قبرٍ لا يعرف اسمه.

ربما أخرج يومًا إلى الشوارع عاريًا،
لا لأنني فقدت ثيابي،
بل لأن الحزن
أكل آخر ما كان يستر روحي.

سأمشي بين الناس
وأشير إلى صدري قائلًا:
هنا كانت تسكن امرأة،
هنا كان لها مطبخ من الضوء،
وسرير من الياسمين،
وهنا تركت إبريق قلبي
يغلي سنوات
حتى احترق البيت.

سيمسك بي المارة،
سيقولون:
هذا رجل أضاع عقله.

ولن يعرف أحد
أنني لم أضع عقلي،
بل وضعته بين يديكِ ذات مساء،
وقلت لكِ: خذيه،
فأنا لا أحتاجه
ما دمتِ معي.

ثم ذهبتِ أنتِ،
وبقي هو معكِ.

ربما أصبح يومًا عبرة للشباب،
يأخذهم آباؤهم إلى وجهي
ويقولون:
انظروا جيدًا،
هكذا يصير الرجل
حين يظن أن الحب سينقذه.

سيقولون لهم:
اجتهدوا،
ابنوا بيوتًا،
احسبوا خطواتكم،
ولا تمنحوا أحدًا
مفاتيح الخراب.

سيقولون إن الحب حفرة،
وإن العاقل يمشي حولها.

أما أنا فسأضحك،
لأنهم لا يعرفون
أنني رأيت في قاع تلك الحفرة
سماءً لم أرها فوق الأرض.

لا،
الحب لم ينقذني.

الحب علّمني فقط
أن الغريق يستطيع الغناء،
وأن القلب، حين ينكسر تمامًا،
لا يموت؛
بل يتحول إلى ألف فم
ينادي اسمًا واحدًا.

نورة...

لم أفهم القمر منذ رحلتِ.
كلما ظهر
حسبته مصباحًا نسيتهِ
مشتعلًا في نافذة الغياب.

لم أفهم النجوم،
ربما هي ثقوب صغيرة
في سقف الليل،
ينظر منها الموتى إلينا
ويتعجبون
كيف نعيش بكل هذا الفقد.

ولم أفهم السماء.
لماذا تبدو واسعة
إذا لم يكن فيها طريق إليكِ؟
ولماذا تمطر
إذا كانت عاجزة
عن غسل صورتكِ من رأسي؟

حتى البحر لم أفهمه.
كل هذا الماء
ولا يستطيع أن يطفئ امرأةً واحدة
تشتعل في رجل!

وعدت نفسي أن أنساكِ.
قلت: غدًا.

وجاء الغد
ومعه غد آخر،
حتى تكوّن من الوعود
جبلٌ من الرماد،
وبقي اسمكِ تحته
جمرةً لا تشيخ.

وعدتكِ ألّا أنسى وجهكِ الجميل،
وقد وفيت.

حفظت انحناءة حاجبيكِ،
والارتباك الصغير في ابتسامتكِ،
والضوء الذي كان يتعثّر بخدّكِ،
كأن الله حين خلقكِ
ترك نافذةً مفتوحة
بين وجهكِ والجنة.

أفكر فيكِ
حين ينام العالم
ويخلع الليل حذاءه الثقيل.

أفكر فيكِ
حين أرى امرأة تصلح شعرها
في زجاج حافلة،
وحين يركض طفل إلى أمه،
وحين يجلس عاشقان في زاوية مقهى
ويعتقدان، مثلي قديمًا،
أن الزمن سيحترم عناقهما.

أريد أن أصرخ فيهما:
اهربا الآن!
الحب لا يقتل في لحظته،
إنه يترككما تعيشان طويلًا
كي تشاهدا ما فعله بكما.

لكنني أصمت،
وأتركهما يحلمان.

فبعض الكوارث جميلة
قبل أن تقع.

أحبكِ يا نورة،
ولا أقولها كي تعودي.
فالذين يعودون بعد كل هذا الغياب
لا يجدون الأشخاص أنفسهم؛
يجدون مقاعد فارغة
ترتدي ثيابهم.

ولا أقولها كي تشفقي عليّ.
أنا لا أريد شفقةً
تدخل من الباب
بعد أن خرج الحب من النافذة.

أقولها لأن الكلمة
آخر عضو حيّ في جسدي.

أحبكِ.

هذه ليست جملة،
إنها مدينة كاملة
قُصفت ولم تستسلم.

أحبكِ.

إنها سفينة
تعلم أنها لن تصل،
ومع ذلك تواصل شقّ البحر
كيلا يموت الموج وحيدًا.

أحبكِ.

إنها جنازة
يسير فيها الميت خلف المشيعين،
ويحمل صورته بيده،
ويبكي لأنه الوحيد
الذي يعرف أنه ما زال حيًّا.

سأبقى هكذا،
نصف رجل،
نصف ذكرى،
وكامل الوجع.

سأبقى أحرس وجهكِ
من النسيان،
حتى لو نسي العالم وجهي.

وحين أصبح عجوزًا،
وتتساقط الأيام من يدي
كأسنان مشطٍ قديم،
سيسألني أحدهم:
ما الذي فعلته في حياتك؟

سأقول:
أحببت امرأة اسمها نورة،
وكان ذلك أكثر من حياة
وأطول من موت.

وإذا عثروا عليّ يومًا
هادئًا كجثة،
فلا تقولوا إنني انتهيت.

قولوا فقط:
هذا رجلٌ ظلّ قلبه يركض
بعد أن توقفت قدماه.

هذا رجلٌ
أحبّ امرأة حتى صار غيابها وطنه،
ثم عاش غريبًا فيه.

هذا رجلٌ لم ينقذه الحب،
صحيح،
لكنه منحه نارًا
تكفي لأن يضيء خرابَه
حتى النهاية.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")