آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

 كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه.

أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها.

ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف إن كان هذا الشعور خاصاً بي أم أنه تجربة إنسانية أوسع مما أتصور. كثيراً ما أتساءل إن كان هناك أشخاص آخرون يشعرون بأن الراحة نفسها قد تصبح مصدراً للقلق. هل يوجد من يحاول أن يهدأ فتوقظه الأسئلة؟ هل يوجد من يشعر أن الطمأنينة أحياناً ليست نهاية التوتر، بل بدايته؟ لا أعرف. بل إنني أحياناً لا أفهم نفسي بما يكفي لأميز بين ما إذا كنت أعيش أزمة نفسية عابرة أو أواجه شيئاً أعمق يتعلق بطبيعة الوعي ذاته.

وربما لهذا السبب أكتب. فالكتابة بالنسبة إلي ليست وسيلة للتعبير عن أفكار جاهزة بقدر ما هي محاولة للعثور على أفكار لم تكتمل بعد. أشعر أحياناً أن هناك شيئاً يريد الخروج من داخلي لكنه لم يجد بعد اللغة المناسبة. فكرة، أو حدس، أو إحساس غامض بالحقيقة. ولذلك لا أكتب لأقول ما أعرفه، بل لأقترب مما لا أعرفه. وكثيراً ما تكون الجملة بالنسبة إلي خطوة في طريق البحث لا نتيجة له.

أنا لا أعارض الراحة، بل أرى أنها ضرورة لا غنى عنها. فالإنسان الذي لا يستريح ينهك نفسه، والجسد له حقوق لا يمكن تجاهلها، والعقل يحتاج إلى فترات من السكون كي يستمر في العمل. لكن ما يثير قلقي هو أن تتحول الراحة إلى غاية نهائية. أن يصبح الاستقرار هو القيمة العليا التي تُقاس بها الحياة كلها. ففي تلك اللحظة أشعر أن شيئاً من جوهر التجربة الإنسانية يضيع، لأن الإنسان لا يعيش فقط ليحافظ على توازنه، بل يعيش أيضاً ليطرح الأسئلة ويختبر الحدود ويواجه المجهول.

حين أنظر إلى العالم من حولي، يزداد هذا الشعور قوة. فالكثير مما نعتبره واقعاً يبدو لي أشبه ببناء ثقافي هائل صنعته أجيال متعاقبة من البشر. اللغة، والعادات، والتقاليد، والمؤسسات، وأنظمة التفكير، كلها تراكمات صنعت صورة معينة للعالم حتى صرنا نخلط بين الصورة والواقع نفسه. ولا أقول إن هذه الصورة كاذبة، لكنها ليست مطابقة تماماً لما هو موجود. إنها تفسير جماعي للحياة أكثر مما هي الحياة ذاتها.

ومن هنا تنشأ أسئلة أخرى لا تقل إلحاحاً. كيف يمكن فهم التحولات الثقافية الكبرى التي شهدتها البشرية خلال القرون الأخيرة دون العودة إلى الفلسفة؟ وكيف يمكن فهم الفلسفة دون العلم؟ وكيف يمكن فهم العلم دون اللغة التي تصوغه؟ وكيف يمكن فهم اللغة دون الأدب الذي يكشف حدودها وقدرتها على تشكيل وعينا؟ كلما حاولت أن أفصل هذه المجالات عن بعضها وجدتها متشابكة بطريقة تجعل كل فكرة تقود إلى فكرة أخرى، وكل إجابة تفتح باباً لسؤال جديد.

لهذا أحاول، قدر الإمكان، أن أكتب دون أن أتحصن داخل موقف نهائي. أحاول أن أترك للأسئلة حقها الكامل في الوجود. لا أريد أن أستعجل الطمأنينة الفكرية كما لا أريد أن أستعجل اليأس. ما أبحث عنه ليس الراحة ولا القلق في حد ذاتهما، بل الصدق. والصدق أحياناً يقتضي أن نعترف بأننا لا نعرف، وأن بعض الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من الأجوبة نفسها.

وربما لهذا السبب أشعر أن في الإنسان نزعة تتجاوز مجرد البحث عن البقاء. نعم، نحن نبحث عن الأمان والصحة والاستقرار، لكن يبدو أن فينا أيضاً رغبة غريبة في الاقتراب من حدودنا. كأن الوعي لم يُخلق فقط ليحمينا، بل ليضعنا في مواجهة المجهول. ولعل هذا ما يجعلني أتساءل أحياناً عن مستقبل الآلات الذكية أيضاً. فإذا بلغت درجة من التعقيد تسمح لها بالتأمل في ذاتها، فهل ستكتفي بالكفاءة والوظيفة؟ أم أنها ستجد نفسها، بطريقة ما، أمام الأسئلة نفسها التي واجهها الإنسان منذ آلاف السنين: ما الحقيقة؟ وما المعنى؟ ولماذا لا تكفي الراحة وحدها؟

لا أملك جواباً. لكنني أعرف شيئاً واحداً على الأقل: كلما اقتربت من السكينة، سمعت في داخلي صوتاً يذكرني بأن هناك شيئاً لم يُفهم بعد. لا صوتاً يدعوني إلى التعاسة، بل صوتاً يرفض الاكتفاء. وربما كان ذلك الصوت، في نهاية الأمر، هو أكثر أشكال الصدق إزعاجاً، وأكثرها ضرورة.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")