آخر ما نشر كارل!

من أكون عبر الزمن؟

 لطالما تعجبت من نفسي، ومن هذا الأسلوب في الكتابة الذي يعود إليّ دائمًا، مهما ابتعدت عنه أو ظننت أنني تجاوزته. لطالما جاء إلى ذهني كأول محاولة للتعبير عن شيء لا يختلف كثيرًا رغم مرور الزمن، وكأنني أعود في كل مرة إلى السؤال نفسه، وإلى الحيرة نفسها، وإلى ذلك الشعور الغامض الذي لا أعرف له اسمًا.

أتذكر نفسي في السابعة عشرة من عمري، أجلس وحيدًا وأكتب بالطريقة نفسها تقريبًا، محاولًا أن أقول الشيء نفسه الذي أحاول قوله الآن. لم تكن الكلمات نفسها، ولم تكن الظروف نفسها، ولم أكن الشخص نفسه تمامًا، ومع ذلك كان هناك شيء ثابت، شيء يمر من خلال كل تلك السنوات دون أن يتغير كثيرًا.

وأتذكر أنني كنت أتعجب من نفسي آنذاك كما أتعجب منها اليوم.

وهذا ما يثير دهشتي.

لقد مرت سنوات طويلة، تغيرت فيها الأماكن والأفكار والوجوه والأحلام، وخسرت أشياء كثيرة وربحت أشياء أخرى، وعرفت من الحياة ما لم أكن أعرفه، لكنني ما زلت أعود إلى ذلك التعجب الأول. ما زلت أنظر إلى نفسي وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه وأجهله في الوقت نفسه.

أحيانًا أشعر أنني لم أفهم نفسي بعد، وأحيانًا أشعر أنني اقتربت منها كثيرًا، ثم لا يلبث ذلك الشعور أن يتلاشى.

لكن ما يثير انتباهي أكثر هو ذلك الإحساس الغريب الذي ينتابني بين الحين والآخر؛ إحساس بالتناغم والاتصال مع جميع النسخ التي عشتها في الماضي.

لا أعرف كيف أشرح ذلك بدقة.

كأن الطفل الذي كنته، والمراهق الذي كنته، والشاب الذي حلم وخاف وأحب وتألم، لا يزالون جميعًا موجودين في مكان ما داخلي.

ليسوا مجرد ذكريات.

إنهم حاضرون بطريقة ما.

وأحيانًا، عندما أكتب، أو عندما أبقى وحيدًا لفترة طويلة، أو عندما أقف أمام البحر في ساعة متأخرة من المساء، أشعر بهم جميعًا يقتربون مني دفعة واحدة.

عندها يراودني شعور عجيب.

كأن الزمن لم يمر.

أو كأن الزمن مر فعلًا، لكنه لم يستطع أن يمحو ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين جميع تلك النسخ.

أشعر حينها أنني شخص واحد.

لكنني في اللحظة نفسها أعجز عن تعريف هذا الشخص.

من هو؟

أين يبدأ؟

وأين ينتهي؟

هل هو مجموع كل تلك النسخ؟

أم أنه شيء آخر كان حاضرًا فيها جميعًا منذ البداية؟

لا أدري.

أحيانًا تبدو لي هذه التجربة سحرية أكثر منها عقلانية.

وكأن هناك ذاتًا عميقة تختبئ خلف كل التحولات التي نعيشها.

ذات لا تكبر ولا تشيخ بالطريقة التي تكبر بها أجسادنا، ولا تتغير بالطريقة التي تتغير بها أفكارنا.

ذات تراقب بصمت.

وتظهر أحيانًا للحظات قصيرة.

ثم تختفي من جديد.

وربما لهذا السبب أشعر دائمًا أن الكتابة ليست فعل خلق بقدر ما هي فعل اكتشاف.

كأنني لا أكتب لأقول شيئًا جديدًا، بل لأقترب أكثر من شيء قديم جدًا يسكنني منذ البداية.

شيء أحس بوجوده، لكنني لا أستطيع الإمساك به تمامًا.

وربما لهذا السبب أيضًا أعود إلى الموضوع نفسه منذ سنوات طويلة.

ليس لأنني عاجز عن تجاوزه، بل لأنني لم أصل بعد إلى نهايته.

أشعر أن هناك سرًا ما يختبئ في الحياة الداخلية للإنسان.

سرًا يتعلق بالهوية، والذاكرة، والزمن، وبذلك الشعور الغريب الذي يجعلنا نبقى أنفسنا رغم كل ما يتغير فينا.

وأظن أن كل كتابة صادقة ليست سوى خطوة صغيرة نحو ذلك السر.

ولهذا أكتب.

ولهذا ما زلت أتعجب من نفسي.

ولعل أجمل ما في الأمر أن هذا التعجب نفسه لم يفارقني منذ سنوات طويلة، وكأنه الرفيق الأكثر وفاءً في حياتي كلها.

ك.ج


تعليقات