آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

هل أنا من يقود حياتي؟

 الانتقال من مزاج سيء إلى مزاج سيء آخر ليس أمراً بسيطاً كما قد يبدو للوهلة الأولى. أحياناً أشعر أن الأمر يحدث بطريقة تلقائية، وكأنني لا أشارك فيه إلا بقدر محدود جداً، وأحياناً أخرى أكون واعياً بكل ما يحدث داخلي ومع ذلك أعجز عن إيقافه أو حتى فهمه بالكامل.

الأمر يبدو عادياً إذا نظرنا إليه من الخارج. فالإنسان بطبيعته يعيش تقلبات كثيرة، وتؤثر فيه الظروف والأحداث والأشخاص. لكن ما يثير دهشتي هو أنني كلما حاولت أن أقترب من جذور هذه التحولات، اكتشفت أن جزءاً كبيراً منها يسبقني. أشعر أن ما لا يقل عن سبعين في المئة مما أفكر فيه أو أفعله مرتبط بشبكات قديمة تشكلت قبل أن أمتلك القدرة على الاختيار الواعي. شيء ما في الطفولة، شيء ما في العادات، شيء ما في اللاوعي الذي يعمل بصمت في الخلفية بينما أعتقد أنا أنني صاحب القرار.

لهذا أجد نفسي أحياناً أمام مفارقة غريبة: أشعر أنني حر، ثم أكتشف أن جزءاً كبيراً من حريتي محكوم بقوى لم أخترها بنفسي.

لطالما تخيلت المزاج كسحابة. ليس مجرد شعور عابر أو حالة مؤقتة، بل سحابة تحملني معها في الزمان والمكان. عندما تتغير، يتغير العالم كله معها. الأشياء نفسها تبقى في مكانها، لكن معانيها تختلف. الوجوه نفسها تبدو مختلفة. الأفكار نفسها تكتسب ألواناً جديدة. وحتى الذكريات يعاد ترتيبها وفق الضوء الذي تنشره تلك السحابة أو الظلام الذي تلقيه فوق كل شيء.

لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بسحابة واحدة. ربما يتعلق بسماء كاملة مليئة بالسحب المتراكمة. بعضها أبيض وخفيف، يجعلني أشعر بأن العالم أكثر رحابة وأن الحياة تستحق أن تعاش. وبعضها الآخر ثقيل ومشحون، كأنه يحمل داخله عاصفة تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر. وفي تلك اللحظات أشعر كأن حرباً تدور فوق رأسي. أصوات متناقضة، أفكار متصارعة، احتمالات لا تنتهي. ثم يبدأ المطر. مطر من القلق والتساؤلات والانفعالات التي لا أعرف دائماً من أين جاءت.

ولن أنكر أنني لا أعيش توازناً حقيقياً في هذه الانتقالات. أحياناً أشعر أن سنوات كاملة تمر وأنا أبحث عن مزاج واحد فقط، مزاج يسمح لي بأن أكون حاضراً في اللحظة دون مقاومة مستمرة لها. مزاج يجعلني أقل انشغالاً بأسئلة الوجود وأكثر قدرة على عيشه. مزاج يساعدني على النظر إلى الأشياء كما هي، لا كما تعكسها مخاوفي أو هواجسي أو تصورات ذهني المتعبة.

لكن المشكلة أنني أعيش صراعاً آخر لا يقل تعقيداً عن كل ما سبق.

فأنا أتأرجح باستمرار بين شخصين يسكنانني.

الأول يريد أن يعيش الحياة ببساطتها. أن يكون فرداً عادياً في المجتمع. أن يشارك الآخرين أفراحهم ومشاريعهم وأحلامهم الصغيرة. أن يشعر بالانتماء إلى العالم دون أن يراقبه باستمرار من الخارج.

أما الثاني فهو ذلك المتفلسف القلق الذي يخاف من الاندماج الكامل. يخاف أن يتحول إلى نسخة أخرى من الجميع. يخاف أن يفقد فردانيته أو استقلاله الفكري أو إخلاصه للحقائق التي وصل إليها بنفسه. إنه لا يريد أن يتخلى عن حريته الداخلية مقابل راحة الانتماء.

وهكذا أجد نفسي عالقاً بين رغبتين متناقضتين: الرغبة في المشاركة، والرغبة في المحافظة على المسافة. الرغبة في الانتماء، والرغبة في البقاء حراً. وكأن كل خطوة نحو إحدى الجهتين تعني الابتعاد عن الأخرى.

وربما تكون هذه مجرد شذرات شخص ضائع. لكنني لا أعتقد أن ضياعي حالة استثنائية. ربما نحن جميعاً ضائعون بدرجات مختلفة. ربما الفرق الوحيد أن بعض الناس يتوقفون عن طرح الأسئلة، بينما يستمر آخرون في ملاحقتها حتى عندما يعرفون أنها لن تمنحهم أجوبة نهائية.

ومع ذلك، ما يحيرني حقاً هو التكرار.

فبعد سنوات طويلة من التفكير والتجربة والقراءة والتغير، أجد نفسي أعود إلى النقطة نفسها. الغيوم نفسها تقريباً. المتاهة نفسها. الأسئلة نفسها. وكأنني أدور داخل شبكة واسعة لا أرى حدودها كاملة.

هل تغيرت حقاً خلال كل هذه السنوات؟

أم أنني فقط تعلمت أسماء جديدة للأشياء القديمة؟

أحياناً أفكر في زيارة طبيب نفسي. لا لأنني مقتنع تماماً بأن المشكلة مرض أو اضطراب، بل لأنني أتساءل إن كان هناك جانب لا أراه من الصورة. لكنني أتساءل أيضاً: هل سيفهم الطبيب أن ما أعيشه ليس مجرد مشكلة نفسية بالمعنى التقليدي؟ هل سيفهم أن جزءاً من معاناتي ليس ناتجاً فقط عن جرح أو صدمة أو نقص ما، بل عن أسئلة وجودية لا تكف عن العودة؟

وربما أكون مخطئاً في هذا الفصل بين النفسي والوجودي. فربما يتداخلان أكثر مما أعتقد. وربما يكون الإنسان في النهاية كائناً واحداً لا يمكن تقسيمه إلى أجزاء منفصلة.

وأحياناً أتخيل أن الشخص الذي قد يساعدني حقاً هو فيلسوف يشبهني. شخص لا يسارع إلى تقديم الحلول، بل يجلس معي داخل المتاهة نفسها. شخص يرى في الأحجية قيمة بحد ذاتها، لا مجرد مشكلة ينبغي التخلص منها. وربما سنقضي ساعات طويلة نتحدث عن هذا السر الغريب الذي نسميه المزاج أو العاطفة أو الحالة الداخلية.

ذلك السر الذي يجعلك تعتقد للحظة أنك قائد حياتك بالكامل، ثم يذكرك فجأة بأن هناك شيئاً أقدم منك يتحرك في أعماقك. شيئاً بدأ قبل أن تدرك وجودك، وما يزال يشاركك كتابة القصة حتى الآن.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")