آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

بين سيجارة وفكرة

 ربما حين أجلس لأكتب، لا أفعل شيئًا عظيمًا كما كنت أتخيل. لا أواجه العالم، ولا أواجه نفسي حتى. ربما كل ما أفعله هو أن أرتب الفوضى قليلًا، كعامل نظافة يصل متأخرًا إلى موقع حادثة، فيجمع الشظايا في زاوية مرتبة ثم يعود إلى بيته مطمئنًا لأنه أنجز شيئًا.

كنت أظن أن الكتابة ستغيرني.

كنت أظن أن الإنسان إذا وصف جراحه بما يكفي، فإنها ستلتئم خجلًا من وضوحها.

لكن الجراح لا تقرأ ما نكتب.

أكتب عن التدخين، ثم أدخن.

أكتب عن الإفراط في الشرب، ثم أجد نفسي أساوم كأسًا أخرى كأننا لم نتحدث في الموضوع أصلًا.

أكتب عن الوقت الضائع، ثم أضيع وقتًا أطول في الكتابة عن الوقت الضائع.

والمضحك أنني صرت جيدًا جدًا في وصف فشلي.

ربما أفضل من نجاحي نفسه.

أستطيع أن أشرح لك بدقة لماذا أنا متعب، ولماذا أنا قلق، ولماذا أنا عالق في المكان نفسه منذ سنوات، لكنني أعجز عن اتخاذ قرار صغير يجعل يوم الغد أخف من يوم الأمس.

أحيانًا أشعر أنني لا أعيش حياتي، بل أعيش النسخة المكتوبة منها.

أن الحدث الحقيقي أقل أهمية عندي من الفقرة التي سأكتبه بها مساءً.

أنني صرت أجمع التجارب كما يجمع طفل طوابع البريد، لا ليستفيد منها، بل ليضيفها إلى المجموعة.

ثم أعود لدفاتري.

دفاتر كثيرة.

ملاحظات كثيرة.

تأملات كثيرة.

وكأنني أبني أرشيفًا ضخمًا لرجل لا يتغير.

رجل يراقب انهياراته ببلاغة متزايدة.

وربما هنا تكمن الخدعة كلها.

فالكتابة لم تكن يومًا علاجًا كما كنت أظن.

كانت مجرد مصباح.

والمصباح لا يخرجك من النفق.

إنه فقط يسمح لك بأن ترى الجدران بوضوح أكبر.

أما الفضيلة التي أبحث عنها، فلا أعرف حتى شكلها.

أقول لنفسي: لا تفرط في الشرب.

ثم أفرط في التفكير.

أقول: لا تفرط في التفكير.

ثم أفرط في الأحلام.

أقول: كن متزنًا.

فأقضي ساعة كاملة أفكر في معنى الاتزان.

كأنني رجل يحاول عبور البحر وهو منشغل بتحليل تعريف الماء.

ولا أعرف إن كان أحد يقرأ ما أكتب.

ولا أعرف إن كان أحد سيفهم فعلًا هذه المتاهة الصغيرة التي أسميها حياتي.

لكنني أستمر.

أكتب.

أكتب لأنني تائه.

وأكتب لأنني أخاف من أن أتوقف.

وأكتب لأن الكلمات، رغم عجزها عن إنقاذي، ما تزال الشيء الوحيد الذي يجلس بجانبي عندما يرحل الجميع.

إنني تائه يا نفسي.

ولعل أكثر ما يرعبني ليس أنني تائه...

بل أنني بدأت أتقن وصف الضياع.


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")