آخر ما نشر كارل!

غيمة اسمها حكيم

 المكان: مطعم تريبل بامبو، طنجة.

الزمان: الثامنة مساء.

إضاءة دافئة. صوت التلفاز، مباراة كرة قدم، تختلط بأصوات الزبائن وأدخنة السجائر.

في زاوية بعيدة من المطعم يجلس حكيم وحده. أمامه كأس جعة، منفضة سجائر ممتلئة، حاسوب محمول مفتوح.

لا يرفع رأسه تقريباً.

على طاولة أخرى، قريبة وبعيدة في الوقت نفسه، يجلس مارتن وكارل.

كأنهما موجودان داخل النص الذي يكتبه.

مارتن:
(ينظر نحو حكيم)

أخبرني يا كارل، وكن صادقاً هذه المرة.

هل تعتقد أن حكيم فقد عقله؟

كارل:
أي يوم تقصد؟

مارتن:
لا أمزح.

أنظر إليه.

يستيقظ متوتراً.

يتناول فطوره بلا شهية.

يدخن أكثر مما يتنفس.

يجلس ساعات أمام عمله وكأنه يحاول أن يتذكر شيئاً نسيه منذ زمن بعيد.

أحياناً أشعر أنه يعمل بواحد بالمئة فقط من قدرته العقلية.

ومع ذلك...

(يتوقف)

بهذا الواحد بالمئة يفعل أشياء لا أفهم كيف يفعلها.

كارل:
(يبتسم)

إذن أنت لا تتحدث عن الجنون.

أنت تتحدث عن المقاومة.

مارتن:
مقاومة ماذا؟

كارل:
كل شيء.

هذا العالم مثلاً.

هذه السنة.

هذا العصر.

هذا التعب الذي لا اسم له.

انظر حولك.

كل هؤلاء الناس يبدون منشغلين بشيء ما.

لكن كم واحداً منهم يعرف لماذا يستيقظ صباحاً؟

مارتن:
أنت دائماً تحوّل الأمر إلى فلسفة.

أنا أتحدث عن إنسان.

إنسان لم يعد يحلم.

لم يعد يحب.

يعيش في الخوف والتردد.

كأنه ينتظر كارثة لا يعرف موعدها.

كارل:
وربما لأن الكارثة حدثت منذ زمن.

مارتن:
ماذا تقصد؟

كارل:
أقصد أن الناس يظنون أن الانهيار حدث مفاجئ.

لكن أغلب الانهيارات بطيئة.

تحدث نقطة بعد نقطة.

عاماً بعد عام.

إلى أن يصبح التعب هو الحالة الطبيعية.

مارتن:
(ينظر إلى حكيم)

ومع ذلك أنا أحبه.

كارل:
أعرف.

مارتن:
ربما لأنني أعرف أننا مدينون له بوجودنا.

هو الذي خلقنا.

هو الذي منحنا أصواتنا.

كارل:
بل لم يمنحنا شيئاً.

ترك لنا فراغاً وملأناه بأنفسنا.

لهذا نحن حقيقيان.

مارتن:
(ضاحكاً)

أحياناً أخاف منك.

كارل:
وأحياناً أخاف منه.

مارتن:
من حكيم؟

كارل:
نعم.

لأنه يكتبنا بهذه الدقة.

أنظر إليه.

هناك.

يجلس وحده.

يدخن.

يشرب.

ويكتب هذه الجمل نفسها.

مارتن:
هل تعتقد أنه يسمعنا؟

كارل:
أنا متأكد.

مارتن:
ولماذا لا يتدخل؟

كارل:
لأنه يعرف أن الشخصيات عندما تنضج تصبح أقل طاعة من مؤلفها.

صمت.

يعلو صوت كأس يُوضع على طاولة حكيم.

إنها كريمة، النادلة الشابة التي اعتادت حكيم لكثرة مجيئه إلى المطعم.

ينظران إلى بعضهما البعض بابتسام، يشكرها ثم يشعل سيجارة جديدة.

مارتن يتابعه بعينيه.

مارتن:
إذاً ماذا نفعل؟

كارل:
لا شيء.

مارتن:
لا شيء؟

كارل:
دعه يعيش.

دعه يخطئ.

دعه يتعب.

دعه يضيع.

هذه أشياء لا يمكن لأحد أن يعفيه منها.

مارتن:
وأنت تسمي هذا حكمة؟

كارل:
لا.

أسميه احتراماً.

مارتن:
وأنا إن وجدت طريقة لمساعدته فسأفعل.

كارل:
افعل.

لكن لا تخلط بين المساعدة والإنقاذ.

مارتن:
وما الفرق؟

كارل:
الإنقاذ يفترض أن الإنسان غارق.

أما المساعدة فتعني أنك تؤمن أنه يستطيع السباحة.

صمت طويل.

مارتن:
أتعرف؟

رغم كل شيء...

أظن أنه سيخرج من هذا.

كارل:
ربما.

مارتن:
لماذا؟

كارل:
(ينظر إلى حكيم)

لأنه ما زال يكتب.

طالما أنه يكتب...

فنحن ما زلنا نتحدث.

حكيم يتوقف عن الكتابة و يغلق حاسوبه.

يشرب الجعة الباردة مع سيجارة...

مارتن و كارل يختفيان.

ينظر حكيم إلى الطاولة الفارغة التي كان ينظر إليها أحيانا، كأنه كان يرى فيها مارتن و كارل، ثم يجدها فارغة حقا...

نهاية المشهد.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")