محاكمة الصباح
(صباح الرابع من يونيو 2026، طنجة)
لم يكن الأمر ممتعًا في الصباح، بل إنني لم أستوعب حجم الخطأ الذي اقترفته إلا بعدما أصبح الخطأ واقعًا لا يمكن إصلاحه. تأخرت عن لقاء عمل مهم، ووجدت نفسي أحدق في الساعة كمن يكتشف فجأة أن الزمن ليس فكرة مجردة، بل شيء يمر فعلًا ويترك وراءه آثارًا حقيقية.
الغريب أنني ليلة البارحة لم أكترث كثيرًا. كنت أعرف أن لدي التزامات في الصباح، وأعرف ما ينبغي أن أفعله، لكن شيئًا ما بداخلي كان قد استسلم. ليس استسلامًا بطوليًا أو حزينًا كما تصوره الروايات، بل استسلامًا باردًا، عديم الشكل، كأنني وضعت سلاحي على الأرض وقررت أن أترك الحياة ترتب نفسها بنفسها.
لم أعد أفكر في أولويات الغد، ولا في ما يجب إنجازه، ولا حتى في الأشياء التي أحبها عادة. الحقيقة أنني لم أنم أصلًا. كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا، وأنا ما زلت مستلقيًا على الأريكة. أراقب الظلام وهو ينسحب ببطء من الغرفة، وأراقب الضوء وهو يتسلل من النافذة دون أن أشعر بأنني جزء من هذا التحول.
كنت أفكر في كل شيء، ولذلك لم أستطع التفكير في أي شيء.
تمر الأفكار مثل أسراب طيور مذعورة، لا تستقر على غصن واحد. العمل، المستقبل، المال، العلاقات، الأحلام القديمة، الأخطاء الصغيرة التي حدثت قبل سنوات، وحتى الكلمات التي قلتها لأشخاص ربما نسوها منذ زمن طويل. كل شيء كان حاضرًا دفعة واحدة، حتى صرت عاجزًا عن الإمساك بأي فكرة أو التعامل معها.
وربما فعلت أشياء أخرى لا أحب أن أكتب عنها. أشياء لا تستحق الذكر بقدر ما تستحق التأمل في سبب حدوثها. كنت أشعر بأنني مسلوب الروح والفكر، كأن الجانب العاقل مني انسحب إلى مكان بعيد، وترك الجسد يدبر أموره وحده. مجرد كائن يبحث عن أي استجابة فورية تخفف عنه ثقل الساعات.
ثم سقطت.
لا أعرف إن كان إغماءً حقيقيًا أم مجرد انهيار من التعب، لكنني أتذكر أنني كنت مستيقظًا، ثم لم أعد كذلك. وكأن أحدهم أطفأ الضوء فجأة.
وفي لحظة ما، استيقظت.
وهنا تكمن المشكلة.
فنحن لا نموت من تعب ليلة واحدة، بل نستيقظ في اليوم التالي لنحمل التعب معنا من جديد. نستيقظ لنكرر بعض المعارك نفسها، ونرتكب بعض الأخطاء نفسها، ونحاول النجاة بالوسائل نفسها التي فشلت بالأمس.
وأحيانًا أظن أن هذا هو التصور الذي صرت أملكه عن أيامي الأخيرة. حرب طويلة بين يوم جميل أحلم أن أعيشه، ويوم آخر عصيب لا أستطيع التحكم فيه. يوم أستيقظ فيه ممتلئًا بالطاقة والأفكار والمعنى، ويوم آخر أشعر فيه أنني مجرد شاهد على انهيار بطيء لا أملك إيقافه.
لن أكذب.
لقد عشت في الآونة الأخيرة لحظات قاسية نفسيًا.
أحيانًا أقف أمام المرآة أو أجلس وحيدًا في الصباح، وأجد نفسي أتحدث إلى نفسي بلهجة لا أقبل أن يخاطبني بها أي إنسان آخر.
أقول لنفسي: إذا كنت لا تستطيع تحمل هذا العالم، فلماذا ما زلت هنا؟
ماذا تريد أن تفعل؟
ألا ترى أنك مرهق من كل شيء؟
ألا ترى أنك عاجز حتى عن الاستمتاع بالأشياء التي كنت تحبها؟
وتأتي هذه الأسئلة مثل أحكام جاهزة، لا مثل أسئلة تبحث عن إجابة.
لكنني مع مرور الوقت بدأت أفهم هذا الصوت أكثر.
إنه ليس الشجاعة، وليس الصدق دائمًا.
أحيانًا يكون مجرد قسوة.
قضيت سنوات أظن أن جلد الذات نوع من المسؤولية، وأن القسوة على النفس دليل على الجدية. لكنني بدأت أكتشف أن الإنسان قد يتحول إلى سجانه الخاص دون أن يشعر.
ومع ذلك، هناك شيء آخر يحدث داخلي مؤخرًا.
لقد صرت أحاول أن أعيش الأشياء كما هي، دون أقنعة كثيرة.
حين أرى في نفسي جانبًا حيوانيًا، أعترف به.
وحين أرى الكاتب، أعترف به أيضًا.
وحين أنجح في عملي، وأشعر بالفخر بما أنجزته، أحاول ألا أسرق ذلك الشعور من نفسي.
لكن المشكلة أن هناك قوة أخرى تتحرك في الاتجاه المعاكس.
روح ما.
شيء ما.
لا أعرف ما الاسم المناسب له.
كأنه خراب صغير يسكن داخلي.
كأن هناك جزءًا مني لا يريد النجاة بقدر ما يريد الهدم.
جزء يشكك في كل نجاح، ويستهزئ بكل محاولة، ويبحث دائمًا عن أقصر طريق نحو الفوضى.
ولا أعرف إن كان هذا شرًا فعلًا، أم مجرد تعب قديم تراكم حتى صار يتكلم بصوت مستقل.
في المساء، وبعد ذلك الصباح الخبيث الذي لم يكن صباحًا حقيقيًا أصلًا، لأن الصباح عادة يأتي بعد نوم، أما هذا فقد جاء مباشرة من قلب ليلة لم تنتهِ، كان لدي لقاء عمل آخر.
أشعلت حاسوبي وأنا أتوقع الأسوأ.
لكن الأمور سارت على نحو جيد.
تحدثت بثقة.
شرحت ما أنجزته.
أجبت عن الأسئلة.
ورأيت في وجوه الحاضرين علامات الرضا.
الفريق أحب ما قدمته، وشعرت للحظة قصيرة بالامتنان.
امتنان بسيط، لكنه حقيقي.
كأن الحياة أرادت أن تقول لي إن اليوم لم يكن سيئًا بالكامل.
لكن الإنسان يحمل نفسه أينما ذهب.
ولهذا لم يدم ذلك الشعور طويلًا.
فبمجرد أن انتهى الاجتماع، عادت كل أفكار الصباح لتجلس بجانبي من جديد.
عدت أتذكر الأريكة، والساعات الضائعة، والتعب، والأسئلة، وذلك الصوت القاسي الذي لا يتوقف عن محاكمتي.
فخرجت أمشي.
لم أكن أبحث عن شيء محدد.
كنت فقط أرمي بنظري في الشوارع والوجوه والأشجار والسيارات العابرة.
أراقب الناس وهم يعيشون حياتهم.
أراقب السماء وهي تتحول ببطء نحو المساء.
وأحاول، وسط كل ذلك، أن أفهم نفسي أكثر.
لا أن أصلحها.
ولا أن أحاكمها.
فقط أن أفهمها.
لأنني بدأت أشك أن كثيرًا من معاناتي لا تأتي من ضعفي، بل من عجزي عن رؤية نفسي بوضوح.
ربما لا يوجد شيطان بداخلي كما أتصور.
وربما لا يوجد بطل أيضًا.
ربما يوجد فقط إنسان متعب، يحاول أن يتعلم كيف يعيش يومًا عاديًا دون أن يحوله إلى معركة وجودية.
إنسان يستيقظ أحيانًا محطمًا، وينجح رغم ذلك في إكمال يومه.
إنسان يسقط، ثم ينهض، ثم يسقط مرة أخرى، دون أن يفهم تمامًا لماذا يواصل المحاولة.
لكن شيئًا فيه يواصل المحاولة على أي حال.
وربما، إلى أن أفهم السبب، يكفي هذا.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق