آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

خاطرة: يا حكيم، ماذا بك؟

 ما بك هذه المرة يا حكيم؟  لا تقل لا شيء، لقد استعملت هذه الجملة حتى صارت مثل سروال قديم تنام به وتخرج به أحيانا لشراء السجائر. نحن نعرفك أكثر مما تعرف نفسك، نحن تلك الأصوات التي تظهر لك فجأة وأنت تغسل الصحون أو تتظاهر أنك تشاهد فيلما وثائقيا عن اليابان بينما أنت في الحقيقة تحدق في الفراغ كأرملة في فيلم مصري أبيض وأسود.

هل تتذكر وادي أيت عيسى؟ هل تتذكر كيف كنت تمشي وراء الماعز كأنك راعٍ يوناني حكيم بينما أنت في الحقيقة طفل وسخ الأنف يحلم فقط أن يعود للبيت ليأكل الخبز الساخن؟ هل تتذكر الصخور الكبيرة التي كنت تقف فوقها وتظن أنك اكتشفت العالم؟ يا إلهي كم كان سهلًا أن تشعر بالعظمة فقط لأنك صعدت حجرا مرتفعا.

وهل تتذكر مدرار؟ الفأس على كتفك، الشمس تحرق رقبتك، وابن عمتك كمال يحدثك عن أشياء لم يكن يجب لطفل أن يسمعها أصلًا.  كمال ذلك المراهق المتنمر الذي كان يظن نفسه رجلا لأنه عنيف ويتحدث عن الفتيات كأنهن قبيلة احتلها وحده. أنت تغضب منه الآن، نعم، لكننا نعرف أنك أحيانا تشتاق إليه أيضًا، ليس إليه هو، بل إلى تلك الفترة التي كان فيها العالم قبيحا وواضحا في الوقت نفسه.

لا تخف، لسنا أطباء نفسيين. لن نعطيك تمارين تنفس ولن نطلب منك أن تحتضن طفلك الداخلي، لأن طفلك الداخلي نفسه يدخن حاليا ويشتم الحياة. نحن فقط كل النسخ التي خبأتها داخلك ثم نسيتها. نحن صورك القديمة التي تخجل أن تراها لأنك كنت تضحك فيها بصدق.

 نحن الأغاني التي تحفظ كلماتها كاملة بينما تنسى أسماء الناس الذين أحبوك. نحن دفاترك القديمة التي كتبت في أول صفحة منها:  “هذه بداية حياتي الجديدة”،  ثم استعملتها بعد يومين لحساب مصاريف السجائر والقهوة. قل لنا فقط: لماذا أنت متعب إلى هذا الحد؟  لماذا تشعر أن كل الناس يتحركون للأمام بينما أنت تدور داخل رأسك كذبابة سجنت نفسها بنفسها؟  لماذا كل أصدقائك صاروا مشاريع آباء وأزواج وعمال محترمين، بينما أنت ما زلت تدخل الحانة وكأنك تدخل كنيسة سرية؟ 

قل الحقيقة يا حكيم.  أنت لا تريد الكثير أصلا. أنت فقط تريد بيتا فيه ضوء أصفر دافئ. امرأة تضحك حين تقلد لها صوت فيروز. أطفالا يركضون فوق ظهرك وأنت تتظاهر بالموت. حديقة صغيرة تزرع فيها النعناع والطماطم ثم تتحدث عنها كفلاح مغربي خبير رغم أن نصف المزروعات ماتت لأنك نسيت سقيها. أنت تريد أن تستيقظ باكرًا دون أن تشعر أن الحياة صفعتك قبل حتى أن تغسل وجهك. تريد أن تعزف القيتارة جيدًا بدل أن تعيد نفس أربعة الكوردات وكأنك بقرة موسيقية حزينة. تريد أن تكتب رواية عظيمة، نعم، لكنك أيضا تريد أن تتوقف عن إعادة ترتيب الخطوط والعناوين وكأنك مصمم جرافيك مصاب باللعنة. أنت تريد أن تكون بخير فقط.  وهذا أكثر شيء تخجل من الاعتراف به.

ثم صمت الجميع بداخلي فجأة...

حتى الملعقة التي كانت تصطدم بالكأس توقفت كأنها فهمت المشهد.
نظرت حولي....
الدخان، الطاولات، رجل و إمرأة يضحكان بصوت مرتفع، أغنية الشاب مامي بعيدة، والنادلة تنظر إليّ بشفقة خفيفة لأنهت تظن أنني أكتب رسالة حب.

 حينها فقط استوعبت أنني منذ ساعة كاملة أحدث نفسي في الحانة… وأطلب من الوجود بيتًا صغيرًا وقيتارة مضبوطة.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى