آخر ما نشر كارل!

قصيدة حرة: دموع حمراء

  كنت أجري كأرنبٍ على بساط أحلامي هذا الصباح. كانت الأرض أخف من قدمي، وكان الهواء يفتح لي الأبواب دون أن أطلب منه ذلك. كنت كشروق الشمس في ربيعٍ جميل، أولد كل ثانية، وأظن أن العالم يبدأ معي. أقفز بين فرحةٍ وأخرى، كطفلٍ لم يتعلم بعد أن للأيام أنياباً. كنت أضحك دون سبب، وأصدق ضحكتي كأنها الحقيقة الوحيدة. كنت واثقاً من هلوساتي، أعاملها كما يعامل الناس ذكرياتهم القديمة. كنت مؤمناً بخرافاتي، أحملها في جيبي، وأخاف أن تضيع أكثر مما أخاف أن أضيع أنا. كنت أظن أن الغيوم تسير فوق رأسي كي تحميني من الشمس. وأن الريح حين تناديني باسمي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. كنت أظن أن الطريق ينتهي دائماً عند بابٍ مفتوح. وأن التعب مجرد كلمة اخترعها الغرباء. لكن... كل شيء كان مخطئاً. وفي لحظةٍ لا أعرف من أين جاءت، رأيت المرآة. لم تكن معلقةً على الجدار، بل كانت كأنها تنتظرني منذ سنوات. اقتربت. ورأيت رجلاً آخر لا يشبهني. كان يحمل وجهي، لكن ملامحه كانت أثقل من العمر. يذرف دموعاً حمراء، كأن قلبه ذاب قبل عينيه. وعيناه لا تشعان. كان الضوء يمر من أمامهما ولا يدخل. وكان الصمت يجلس على كتفيه كطائرٍ لا يريد الطيران. رأيت...

خاطرة: يا حكيم، ماذا بك؟

 ما بك هذه المرة يا حكيم؟  لا تقل لا شيء، لقد استعملت هذه الجملة حتى صارت مثل سروال قديم تنام به وتخرج به أحيانا لشراء السجائر. نحن نعرفك أكثر مما تعرف نفسك، نحن تلك الأصوات التي تظهر لك فجأة وأنت تغسل الصحون أو تتظاهر أنك تشاهد فيلما وثائقيا عن اليابان بينما أنت في الحقيقة تحدق في الفراغ كأرملة في فيلم مصري أبيض وأسود.

هل تتذكر وادي أيت عيسى؟ هل تتذكر كيف كنت تمشي وراء الماعز كأنك راعٍ يوناني حكيم بينما أنت في الحقيقة طفل وسخ الأنف يحلم فقط أن يعود للبيت ليأكل الخبز الساخن؟ هل تتذكر الصخور الكبيرة التي كنت تقف فوقها وتظن أنك اكتشفت العالم؟ يا إلهي كم كان سهلًا أن تشعر بالعظمة فقط لأنك صعدت حجرا مرتفعا.

وهل تتذكر مدرار؟ الفأس على كتفك، الشمس تحرق رقبتك، وابن عمتك كمال يحدثك عن أشياء لم يكن يجب لطفل أن يسمعها أصلًا.  كمال ذلك المراهق المتنمر الذي كان يظن نفسه رجلا لأنه عنيف ويتحدث عن الفتيات كأنهن قبيلة احتلها وحده. أنت تغضب منه الآن، نعم، لكننا نعرف أنك أحيانا تشتاق إليه أيضًا، ليس إليه هو، بل إلى تلك الفترة التي كان فيها العالم قبيحا وواضحا في الوقت نفسه.

لا تخف، لسنا أطباء نفسيين. لن نعطيك تمارين تنفس ولن نطلب منك أن تحتضن طفلك الداخلي، لأن طفلك الداخلي نفسه يدخن حاليا ويشتم الحياة. نحن فقط كل النسخ التي خبأتها داخلك ثم نسيتها. نحن صورك القديمة التي تخجل أن تراها لأنك كنت تضحك فيها بصدق.

 نحن الأغاني التي تحفظ كلماتها كاملة بينما تنسى أسماء الناس الذين أحبوك. نحن دفاترك القديمة التي كتبت في أول صفحة منها:  “هذه بداية حياتي الجديدة”،  ثم استعملتها بعد يومين لحساب مصاريف السجائر والقهوة. قل لنا فقط: لماذا أنت متعب إلى هذا الحد؟  لماذا تشعر أن كل الناس يتحركون للأمام بينما أنت تدور داخل رأسك كذبابة سجنت نفسها بنفسها؟  لماذا كل أصدقائك صاروا مشاريع آباء وأزواج وعمال محترمين، بينما أنت ما زلت تدخل الحانة وكأنك تدخل كنيسة سرية؟ 

قل الحقيقة يا حكيم.  أنت لا تريد الكثير أصلا. أنت فقط تريد بيتا فيه ضوء أصفر دافئ. امرأة تضحك حين تقلد لها صوت فيروز. أطفالا يركضون فوق ظهرك وأنت تتظاهر بالموت. حديقة صغيرة تزرع فيها النعناع والطماطم ثم تتحدث عنها كفلاح مغربي خبير رغم أن نصف المزروعات ماتت لأنك نسيت سقيها. أنت تريد أن تستيقظ باكرًا دون أن تشعر أن الحياة صفعتك قبل حتى أن تغسل وجهك. تريد أن تعزف القيتارة جيدًا بدل أن تعيد نفس أربعة الكوردات وكأنك بقرة موسيقية حزينة. تريد أن تكتب رواية عظيمة، نعم، لكنك أيضا تريد أن تتوقف عن إعادة ترتيب الخطوط والعناوين وكأنك مصمم جرافيك مصاب باللعنة. أنت تريد أن تكون بخير فقط.  وهذا أكثر شيء تخجل من الاعتراف به.

ثم صمت الجميع بداخلي فجأة...

حتى الملعقة التي كانت تصطدم بالكأس توقفت كأنها فهمت المشهد.
نظرت حولي....
الدخان، الطاولات، رجل و إمرأة يضحكان بصوت مرتفع، أغنية الشاب مامي بعيدة، والنادلة تنظر إليّ بشفقة خفيفة لأنهت تظن أنني أكتب رسالة حب.

 حينها فقط استوعبت أنني منذ ساعة كاملة أحدث نفسي في الحانة… وأطلب من الوجود بيتًا صغيرًا وقيتارة مضبوطة.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")