آخر ما نشر كارل!

بين سيجارة وفكرة

  ربما حين أجلس لأكتب، لا أفعل شيئًا عظيمًا كما كنت أتخيل. لا أواجه العالم، ولا أواجه نفسي حتى. ربما كل ما أفعله هو أن أرتب الفوضى قليلًا، كعامل نظافة يصل متأخرًا إلى موقع حادثة، فيجمع الشظايا في زاوية مرتبة ثم يعود إلى بيته مطمئنًا لأنه أنجز شيئًا. كنت أظن أن الكتابة ستغيرني. كنت أظن أن الإنسان إذا وصف جراحه بما يكفي، فإنها ستلتئم خجلًا من وضوحها. لكن الجراح لا تقرأ ما نكتب. أكتب عن التدخين، ثم أدخن. أكتب عن الإفراط في الشرب، ثم أجد نفسي أساوم كأسًا أخرى كأننا لم نتحدث في الموضوع أصلًا. أكتب عن الوقت الضائع، ثم أضيع وقتًا أطول في الكتابة عن الوقت الضائع. والمضحك أنني صرت جيدًا جدًا في وصف فشلي. ربما أفضل من نجاحي نفسه. أستطيع أن أشرح لك بدقة لماذا أنا متعب، ولماذا أنا قلق، ولماذا أنا عالق في المكان نفسه منذ سنوات، لكنني أعجز عن اتخاذ قرار صغير يجعل يوم الغد أخف من يوم الأمس. أحيانًا أشعر أنني لا أعيش حياتي، بل أعيش النسخة المكتوبة منها. أن الحدث الحقيقي أقل أهمية عندي من الفقرة التي سأكتبه بها مساءً. أنني صرت أجمع التجارب كما يجمع طفل طوابع البريد، لا ليستفيد منها، بل ليضيفها إلى ...

حين تكتمل الأصابع

 يجلس على الأريكة، لكن جسده لا يستقر. كتفاه مشدودتان، قدماه تتحركان بعصبية على الأرض. يحدّق في يديه، يقرّبهما من وجهه كأنهما لغز. يبدأ العد بأصابعه، بصوت خافت متقطّع:

واحد… (يرفع إصبعه ببطء)

اثنان… (ينحني قليلًا)

ثلاثة… (يلمس جبينه)

أربعة… (يغمض عينيه)

خمسة… (يعضّ شفتيه)

ستة… (يتردد، يتنفس بسرعة)

سبعة… (يلتفت فجأة)

ثمانية… (يقترب من الحافة)

تسعة…

(ينهض دفعة واحدة، يفتح ذراعيه ويصرخ)

عشرة!!

(يتجمّد لحظة، ثم يبدأ بالمشي في دوائر، يمرر يده في شعره، يعيد العد بسرعة، يضرب صدره مع كل رقم)

واحد… اثنان… ثلاثة… أربعة… خمسة… ستة… سبعة… ثمانية… تسعة…

(يتوقف، يبتسم بذهول)

عشرة!!

(الابتسامة تختفي. ينحني، يمد يديه كأنه يمسك بحبل ثقيل، يشد بكل جسده)

واحد… (شد بطيء)

اثنان… ثلاثة… (يتأوه)

أربعة… خمسة… (يتراجع خطوة)

ستة… سبعة… (جسده يرتجف)

ثمانية… تسعة…

(صرخة قوية مع شد أخير)

عشرة!!!

(يسقط قليلًا ثم ينهض، يصفق لنفسه، يعدّل ملابسه فجأة كأنه شخص آخر. هدوء غريب)

(يجلس، يخرج هاتفه، يرفعه بثقة)

اختاروا رقم… عشرة.

(صمت قصير، ينصت، ثم يومئ)

نعم… القرار نهائي.

(يقف ببطء، يتجه نحو الجمهور، خطوات ثابتة. صوته واضح، مباشر)

تمّ الأمر. اخترت رقم عشرة.

أتمنى له حظًا موفقًا في مغامرته.

(يتوقف. يقترب أكثر من الجمهور، يخفّض صوته قليلًا، كأنه يشاركهم سرًا)

تعرفون لماذا… عشرة؟

(يرفع يديه أمامهم، يفتح أصابعه بالكامل)

لأنها الحدّ.

آخر ما يمكن أن نعدّه ونحن نستخدم أصابعنا...

(يبدأ بإغلاق أصابعه واحدًا تلو الآخر)

بعدها… لا نعدّ.

نقفز.

نخاطر.

(ينظر إليهم مباشرة)

اخترت عشرة… لأنها اللحظة التي لا يعود فيها هناك تراجع.

إمّا أن تتوقف…

أو… تعيد الحساب من جديد....

(صمت قصير. ابتسامة خفيفة، غامضة)

(نظرة ثابتة… إظلام)


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")