آخر ما نشر كارل!

تشي غيفارا، نورة والله

أحب أن أنسى كل شيء، وأن أجري مع رياح الحياة كأنني ضوء من أضواء الصباح، أدخل من نافذة مفتوحة، وأقع على وجه إنسان متعب، فيبتسم دون أن يسألني من أين جئت، ودون أن يسألني لماذا تأخرت كل هذا الوقت. أحب أن أكون خفيفًا، أن أترك اسمي على طرف السرير، وأن أخرج بلا ماضٍ، بلا تلك الوجوه التي تسكن ذاكرتي، وبلا حاجة إلى تفسير حزني كلما سألني أحد: كيف حالك؟ لكنني شاب يحب العدل والصدق، ولا يحب الاستسلام. كلما قلت: سأمضي، رأيت شيئًا في الطريق لا أستطيع أن أتركه: رجلًا أكل التعب صوته، يدًا ممدودة لا يراها أحد، أو إنسانًا يحاول أن يقول الحقيقة ويخاف. فأعود إلى ثقلي، وأحمله، وأقول: ربما أمشي به قليلًا، ربما أجد من يحمل معي طرف هذا العالم. أحيانًا كثيرة أتفكر في تفاصيل حياتي، في تجاربي، في الأشياء التي فعلتها بحب ولم يفهمها أحد، وفي الأشياء التي لم أفعلها وبقيت أعتذر عنها لنفسي. وأتذكر كم حاولت أن أكون مثل تشي غيفارا كما تخيلته في وحدتي: رجلًا يرى وجوه الناس حتى في أشد لحظاته ظلمة، ويؤلمه أن تكون الأرض واسعة هكذا، ويضيق فيها مكان الفقراء. أفكر في لحظته الأخيرة، وفي الحياة التي كان يريدها للناس، وأسأل نفسي: ...

حين تكتمل الأصابع

 يجلس على الأريكة، لكن جسده لا يستقر. كتفاه مشدودتان، قدماه تتحركان بعصبية على الأرض. يحدّق في يديه، يقرّبهما من وجهه كأنهما لغز. يبدأ العد بأصابعه، بصوت خافت متقطّع:

واحد… (يرفع إصبعه ببطء)

اثنان… (ينحني قليلًا)

ثلاثة… (يلمس جبينه)

أربعة… (يغمض عينيه)

خمسة… (يعضّ شفتيه)

ستة… (يتردد، يتنفس بسرعة)

سبعة… (يلتفت فجأة)

ثمانية… (يقترب من الحافة)

تسعة…

(ينهض دفعة واحدة، يفتح ذراعيه ويصرخ)

عشرة!!

(يتجمّد لحظة، ثم يبدأ بالمشي في دوائر، يمرر يده في شعره، يعيد العد بسرعة، يضرب صدره مع كل رقم)

واحد… اثنان… ثلاثة… أربعة… خمسة… ستة… سبعة… ثمانية… تسعة…

(يتوقف، يبتسم بذهول)

عشرة!!

(الابتسامة تختفي. ينحني، يمد يديه كأنه يمسك بحبل ثقيل، يشد بكل جسده)

واحد… (شد بطيء)

اثنان… ثلاثة… (يتأوه)

أربعة… خمسة… (يتراجع خطوة)

ستة… سبعة… (جسده يرتجف)

ثمانية… تسعة…

(صرخة قوية مع شد أخير)

عشرة!!!

(يسقط قليلًا ثم ينهض، يصفق لنفسه، يعدّل ملابسه فجأة كأنه شخص آخر. هدوء غريب)

(يجلس، يخرج هاتفه، يرفعه بثقة)

اختاروا رقم… عشرة.

(صمت قصير، ينصت، ثم يومئ)

نعم… القرار نهائي.

(يقف ببطء، يتجه نحو الجمهور، خطوات ثابتة. صوته واضح، مباشر)

تمّ الأمر. اخترت رقم عشرة.

أتمنى له حظًا موفقًا في مغامرته.

(يتوقف. يقترب أكثر من الجمهور، يخفّض صوته قليلًا، كأنه يشاركهم سرًا)

تعرفون لماذا… عشرة؟

(يرفع يديه أمامهم، يفتح أصابعه بالكامل)

لأنها الحدّ.

آخر ما يمكن أن نعدّه ونحن نستخدم أصابعنا...

(يبدأ بإغلاق أصابعه واحدًا تلو الآخر)

بعدها… لا نعدّ.

نقفز.

نخاطر.

(ينظر إليهم مباشرة)

اخترت عشرة… لأنها اللحظة التي لا يعود فيها هناك تراجع.

إمّا أن تتوقف…

أو… تعيد الحساب من جديد....

(صمت قصير. ابتسامة خفيفة، غامضة)

(نظرة ثابتة… إظلام)


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى