آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

أنهار في داخلي لا تعرف البحر

 هنالك من الندم أنهارٌ لا تهدأ، تجري في داخلي بلا مصبّ، كأنها خُلقت لتبقى، لا لتصل.

وهنالك من أصوات الألم ما لا يكفّ عن التردّد، كصدى ضائع في كهوف الروح، كلما خفت عاد أشدّ وضوحًا.
كلما حاولت أن أستنشق لحظةً من الراحة، تسللت إليّ رائحة القلق، كثيفةً، عنيدة، كأنها تعلّمت اسمي، وكأنها أقسمت أن تسكنني قبل أن أسكنها.

أيها القدر، يا من تُخفي في طيّاتك خرائط لا نقرأها، دعني أسألك، وأجبني إن كان للصدق مكان في صمتك:
لماذا كل هذا الإلحاح من الماضي؟ لماذا يعود كضيفٍ ثقيل، لا يستأذن، ولا يرحل؟
ولماذا يبدو المستقبل كمرآةٍ مكسورة، تعكس احتمالاتٍ مشوّهة، تثير فيّ الشك أكثر مما تثير الأمل؟
ألم يكن من العدل أن يُدفن ما انتهى، وأن يُمنح ما لم يأتِ بعدُ بعض الطمأنينة؟

أيها الإله الجميل، الذي ترتفع إليه الأيادي قبل الكلمات، وتسبقه إليه الدموع قبل الدعاء،
أخبرني، أين تكمن الحكمة في هذا الاضطراب العميق الذي يُسمّى شعورًا؟
لماذا خُلقت هذه العاطفة البشرية بهذا الاتساع، حتى تكاد تبتلع صاحبها؟
ألم ترَ ما حاول الإنسان فهمه، وما بلغته علوم النفس من تحليلٍ وتشريحٍ لما في داخله؟
فلماذا، رغم كل هذا الفهم، يبقى الألم قادرًا على التجدّد، كأنه خارج كل تفسير؟

وأيتها الطبيعة، يا صمت الجبال، وهمس الأشجار، وانسياب الأنهار،
هل يكفي أن أمرّ بكِ عابرًا، فأقول: ما أجملكِ، وما أهدأكِ، ثم أعود كما كنت؟
أليس فيكِ شيء أعمق من الجمال؟ شيء يوقظ في الإنسان تحوّلًا، لا مجرد سكون عابر؟
ألا تحملين سرًا يُعلّم القلب كيف يهدأ، لا كيف ينسى فقط؟

إنني متعب…
متعب من تتبّع هذه الحياة الوجدانية التي لا تستقر،
متعب من محاولة تسمية ما لا يُسمّى، وفهم ما لا يُفهم،
متعب من نفسي، حين تضيق بي، وحين تتّسع أكثر مما أحتمل.

إنني حقًا… متعب.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")