آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

سبتمبر: شهر الخريف و مشكلة البدايات

غدا ستشرق الشمس كما اعتدتُ شروقها منذ ولادتي، ضوء بسيط وغني بالفرحة يوقظ كل الطيور بنفس مرح يجعلها تغرد وتطير سعيدة تحتفل بالشهر التاسع، شهر سبتمبر.
لست طائرا، لكنني مثل كل الطيور، غدا سأحتفل وأطير، لأن هذا الشهر شهر البدايات، الأحلام وكل الأمنيات، شهر الأمل والإحساس الراقي بمعنى الحياة، أو بالأحرى معنى الخريف.
في الحقيقة، إن حياة الفرد لا فرق بينها وبين خريفه، فحياة الفرد هي ذاتها خريفه، وأسعد فرد هو الذي اكتشف معنى خريفه، واكتشاف معنى الخريف يبدأ بالاحتفال بشهر البدايات، شهر سبتمبر.
في هذا الشهر، ستهب الرياح، ستتساقط الأوراق، ستصفر الحياة وسيبدو منظر كل شيء كأنه تائه تتلاعب به الفوضى، تجعله يرقص على ألحان غامضة ربما هي ألحان الشتاء القادم أو ألحان الركود المختفي في حافة الكون أو بعبارة مجازية: ألحان الانحدار التي ستجري كنهر عنيف في عاطفة كل فرد، بل في أفكاره وتهيؤاته.
إن لحن الانحدار هو لحن الخريف، لحن مشكلة البداية ولحن المواجهة بين طريقين: طريق ولادة جديدة واستعداد لشتاء قديم أو طريق موت قديم خالد دائم وانتظار شتاء أصبح بالعادة تعريفا لهوية الإنسان النفسية، هوية الاستسلام.
مع حلول كل سبتمبر، أعيش حرب الولادة الجديدة، أعيش محاولاتي التي من الصعب أن تنتهي، محاولات التمرد على هوية الاستسلام.
ك.ج

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")