المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

عيد ميلاد سعيد

  عيد ميلاد سعيد… هكذا تتعانق البدايات مع نهايات صامتة، وهكذا تنفتح أمامي أبواب سنة جديدة، لا كأرقام تضاف إلى تقويم معلق على الجدار، بل كخطوات أخرى في مسير طويل لا أعرف له تمامًا طريقًا ولا خاتمة. إنني أستقبل عامي الثاني والثلاثين كمن يضع كفّه على صدره، محاولًا أن يسمع دقات قلبه بصفاء أكثر، وأن يُنصت إلى الحياة لا بوصفها سباقًا، بل كأنها بستان، أتمشّى فيه ببطء، وأتنفس فيه عطراً خفيفاً يكفي لأن يوقظ دهشتي . لقد تعلّمت أن الكبر في العمر لا يعني فقط عدّ السنين، بل هو أشبه بمرور ضوء خفيف عبر زجاج الروح: يضيئها أحيانًا، ويترك عليها شقوقًا أحيانًا أخرى. في داخلي طفل لم يبرأ من صدمته الأولى أمام اتساع العالم وغرابته، طفل لا يزال يسأل عن جدوى كل هذا، وعن معنى أن نستيقظ كل يوم لنواجه قلقنا وبهجتنا معًا . هذه السنة، أريد أن أكون أكثر قبولًا لضعفي قبل قوتي، وأكثر رفقًا بالآخرين، وأكثر وفاءً لذلك الحلم البعيد الذي يسكنني منذ الصغر. أريد أن أتعلم أن الإصغاء أبلغ من القول، وأن الرحلة أثمن من الوصول . وإن كانت كلماتي لا تستطيع أن تلمس كل ما أعيشه، فإنها على الأقل تحاول أن تصوغ خيطاً يربطني ...

عاشق احتياط

 من الغريب فعلًا أن تبدأ العلاقة بين الرجل والمرأة من مجرد نظرة عابرة، كأن العين تسقط مصادفة على وجهٍ لم يكن حاضرًا في الذهن من قبل، ثم يشتعل شيء داخلي بلا سبب منطقي، فيتحرك الجسد باندفاع لم يستشر العقل فيه، فيبتسم الرجل، يغازل، يمد خيطًا رفيعًا من الكلمات، يطلب رقمًا أو دعوة صغيرة للجلوس معًا، ثم من هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة جدًا، يتفتح باب أوسع، باب يفضي إمّا إلى حبٍ غامض، أو إلى متعة جسدية عابرة لا تحتاج إلى مبررات. واللافت أن المجتمع كله يتعامل مع هذه الطقوس وكأنها بداهة لا تحتاج إلى تفسير، وكأنها اللغة المشتركة التي لا مهرب منها. لكن حين تقف بعيدًا، وترى المشهد بعين متأملة، يتضح لك أن الأمر غريب حد الإرباك: كيف لحياة عاطفية كاملة أن تولد من شرارة صغيرة بلا منطق، بلا أساس، بلا تمهيد؟ أنا بطبيعتي انطوائي، ومن هنا تأتي المفارقة. فكرة أن أتحدث مع فتاة لا أعرفها لمجرد أنني انجذبت إليها تبدو لي أشبه بجريمة صغيرة، أو اقتحام غير مبرر لعالمها. يثقلني الشعور بأن أي محاولة كهذه تحمل في باطنها هدفًا جنسيًا، وهذا ما يجعل الخطوة أكثر إرباكًا، كأنها خروج عن نزاهة الذات. ولهذا وجدت نفسي ...

مرساة تعيدك إليّ

 تعالي يا حبيبتي، واقتربي أكثر، لأعانقك… وأسامحك . تعالي يا عزيزتي، واضميني إليكِ، كما تأتي الريح بعد حرِّ يومٍ طويل، كما يدخل الضوء عبر ستارٍ رقيق . كِلانا أخطأ، وتعلّمنا أن الفراق سطّر دروسه فينا، ليعلّمنا قيمة اللقاء، ويعلّمنا كيف نقرأ وجوه بعضنا بلا خوف . إنني منهزم أمام حبك، أضعفُ من أن أحتمل بُعدك، وأقوى من أن أنقض وعدي بلا معنى . ولا شيء يغيّر قدري هذا سوى هذه القصيدة، أضمُّ لكِ فيها وعدي الذي لا يموت، عهداً على شفتيّ، وناراً في صدري . حين أحببتك، لم أكن إنساناً عادياً، كنتِ بوجودكِ تجعلينني ملاكاً، أو كائناً يسمو فوقي . كنتِ أغنيةً ترددها الطرقات، نسمةً تسكت العيون، ونوراً ينتحب في ليلتي . تعالي يا حبيبتي، لأعيد لكِ الوجود على ما كان أجمل . سامحتك … لأن قلبك يخطئ كما يخطئ قلبي . سامحتك … لأن الأيام علّمتنا أن الحبّ أخطر ما فيه الرحمة . سامحتك … لأنني أريد لاحتضاننا أن يبدأ من هذه اللحظة بلا أثر للشتات . تعالي … اجعلي يدي مرسى ليديكِ، وأقف أمامك بكياني الضعيف، أحمل وعداً يغني جروحنا . لنعد معاً إلى حيث بقيت ضحكتك معلّقة، إلى حيث ...

حواريات مارتن و كارل: سؤال يمشي على قدمين

 مارتن: يا كارل، ما أشدّ عصفك بنفسك، كأنك بحر يتناوبه المدّ والجزر في ساعة واحدة. ما عدتُ أعرف أين تقف، في أيّ ضفة، أم أنك تائه في المجرى؟ كارل: يا مارتن، أنا المجرى ذاته. كلما حاولت أن أستكين في حوضٍ صغير، انسكبتُ منه. كبرتُ سنينًا، وها أنا أكتشف أن طفلي المتمرّد لم يكبر معي، بل ما زال يركض في داخلي، يركل جدران عقلي، ويضحك على كل قيد أحاول أن أضعه . مارتن: لكنك تبحث عن السلام، أليس كذلك؟ ألا ترى أن الراحة سبيل النجاة؟ كارل: الراحة موت مقنّع يا صديقي. الراحة سجنٌ جدرانه ناعمة. كلما جلستُ في حضنها، شعرت أنني أُساق إلى قبرٍ بطيء. إنني لا أطيق أن أكون حجراً، ولا أن أُدفن في صمت العاقل. في داخلي نار، وإن حاولتُ إخمادها احترقت أكثر . مارتن: أنت إذن أسير نارك . كارل: بل أنا نار نفسي. أنا الشرارة واللهيب والدخان. كلما أطفأتُ جمرةً في صدري، اشتعلت أخرى. أريد أن أكون سيدًا على نفسي، لكن نفسي تعرف أن تتمرّد عليّ كما لو كانت غريباً يسكنني . مارتن: وماذا بعد هذا الصراع الطويل؟ إلى أين يمضي بك؟ كارل: إلى لا مكان. أو ربما إلى كلّ مكان في وقتٍ واحد. إنني أركض بين ضفاف متناقض...

نورة، امتحان الروح

  كنتُ أعتقد أن الحب معجزة خفية، يخرجني من حدود الأرض الضيقة إلى أفق المستحيل، يرفعني كطائرٍ يقطع سماءً لا نهاية لها. كنتُ أراه وعدًا بالخلود، بابًا إلى عالمٍ لا يعرف الفقد، ولا يسمع أنين الرحيل. لكنني، مع كل تجربة، كنتُ أتعلم الدرس ذاته: الحب ليس جسرًا إلى المستحيل، بل امتحان قاسٍ، كتابٌ يدرّسني أن الممكن يظل ممكنًا، وأن المستحيل، حين يختبئ في الحب، يصبح أكثر قسوة من أي موت .   كنتُ أحلم أن أغيّر قوانين القدر، أن أقاوم ما كتب في اللوح، أن أقول لله: "دعني أخلق معجزةً صغيرة، فقط في قلب إنسان واحد، ليكون وفيًا كما أنا وفيّ له". ولكنني ما إن أفتح عيني حتى أصطدم بالحقيقة: لا سلطان لي على قلب غيري، ولا سُلطة لدموعي على أقدار تمشي بثباتٍ أعمى . أتذكر "نورة" فتشتعل الذكرى في صدري كجمرة لا تنطفئ. أمام المرآة، أصرخ كطفلٍ تائه: يا نفسي، لِمَ ما زلتِ وفية لشبحٍ رحل؟ الحبيبة تركتني، مضت إلى غيابها، والنهار يفتح أبوابه كل صباح، ومع ذلك قلبي يظلّ مشدودًا إلى ظلّها كعصفورٍ سجينٍ يرفض أن يصدّق أن باب القفص قد انفتح . أصرخ وأصرخ، لكن صراخي يرتدّ إليّ كصدى في كهفٍ مظلم. لا يسمع...

بيت من ماء

 "هيا بنا: تعالي إلى مكان لا يطلب منكِ تبريرَ بقاءٍ أو رحيل، ادخلي ببساطةٍ كما تدخلين غرفةً فيها نورٌ هادئ وهواءٌ يحتضِنكِ؛ تأشيرتكِ هنا كلمةٌ واحدة ، صدقي نفسكِ. ابني بيتكِ من ماءٍ رقيقٍ وكلماتٍ مهجورةٍ ولحظات ضعفٍ لا تخجلين منها، تعلمي التنفّسَ تحت سطحِ المألوف ولا تهربي من البحر و  الأمواجِ بل اجعليها تُعلّمكِ كيف تصنعين صدرًا يتسع. الانتماءُ ليس أرضًا تنتظرنا، بل عادةٌ نمارسها: نفتحُ صفحةً يوميةً، نُخرجُ أحلامنا الصغيرةَ من الجيوبِ، ونبني غرفةً واحدةً تسمح لنا بأن نكون، غير مكتملين، متردّدين، ومحبوبين كما نحن." هيا بنا… قلتها وكأنني أتكلم مع أحد لا يجيب، مع ظلّي، أو مع جزء آخر من نفسي لا أراه. لم أعرف من الذي كان يتحدث بداخلي، لكنني شعرت أنني لست وحدي، وكأن هناك أصواتًا تتناوب على النطق بي. البحر لم يكن بحرًا حقًا، ربما كان تعبي الطويل، ثقل الأيام التي تتكرر بلا معنى، محاولاتي للعبور نحو شيء لا أعرف اسمه. والضفة الأخرى لم تكن مكانًا جغرافيًا، بل صورة أتمسك بها كي لا أنهار: حياة جديدة، فرصة أن أكون شخصًا آخر، أرضًا تفتح ذراعيها فتقول لي أخيرًا: انتمِ .   كنت أكتب كما...

دعيني يا أمي، دعيني أتحدث للحياة

دعيني يا أمي، فقط دعيني، لا تشدي على يدي، ولا تحاولي أن تسكبي في قلبي الطمأنينة. أريد أن أتكلم وحدي، أن أواجه وحدي، أن أسقط وحدي. حضنك يذيبني، حضنك يعلّمني النسيان، وأنا لم أعد أريد أن أنسى. لا تجريني إلى الأمان، فقد اخترتُ الممر الذي لا سقف له، الريح تعصف فيه كما تشاء، والشمس تلسع وجهي كما تريد. صدّقيني يا أمي، أحياناً الأمان يكون قيداً، وأحياناً الحنان يخدّر الجرح ولا يداويه .   أيتها الحياة، أيتها التي ألبستِني قسوتكِ منذ اللحظة الأولى، أيتها التي تدّعين القوة وأنتِ في حقيقتكِ أضعف من صرخة طفل، أيتها التي تجري بلا بوصلة، بلا معنى، بلا نهاية… لماذا؟ من أي عمق فيك ينبع هذا العبث؟ من أقنعك أن العدل هو أن تتركينا نُساق إلى التجربة كالخراف؟ من أوهمك أن القسوة تربي، وأن الانكسار يبني؟ أليست هذه مجرد أعذارك لتبرري عجزك الأزلي؟   أنا أراك، نعم أراك، كائنًا ضائعًا في ذاته، تركضين إلى الأمام لتُنسي نفسكِ أنكِ بلا غاية. أراكِ مثل عاشقٍ مهووس يدمّر كل من يقترب منه فقط لأنه لا يعرف كيف يحب. أيتها الحياة، أي حب هذا الذي يزهق الأرواح؟ أي حب هذا الذي يدفن الحلم قبل أن يتفتح؟   ل...