دعيني يا أمي، دعيني أتحدث للحياة
دعيني يا أمي، فقط دعيني، لا تشدي على يدي، ولا
تحاولي أن تسكبي في قلبي الطمأنينة. أريد أن أتكلم وحدي، أن أواجه وحدي، أن أسقط
وحدي. حضنك يذيبني، حضنك يعلّمني النسيان، وأنا لم أعد أريد أن أنسى. لا تجريني
إلى الأمان، فقد اخترتُ الممر الذي لا سقف له، الريح تعصف فيه كما تشاء، والشمس
تلسع وجهي كما تريد. صدّقيني يا أمي، أحياناً الأمان يكون قيداً، وأحياناً الحنان
يخدّر الجرح ولا يداويه.
أيتها الحياة، أيتها التي ألبستِني قسوتكِ منذ اللحظة الأولى، أيتها التي تدّعين القوة وأنتِ في حقيقتكِ أضعف من صرخة طفل، أيتها التي تجري بلا بوصلة، بلا معنى، بلا نهاية… لماذا؟ من أي عمق فيك ينبع هذا العبث؟ من أقنعك أن العدل هو أن تتركينا نُساق إلى التجربة كالخراف؟ من أوهمك أن القسوة تربي، وأن الانكسار يبني؟ أليست هذه مجرد أعذارك لتبرري عجزك الأزلي؟
أنا أراك، نعم أراك، كائنًا ضائعًا في ذاته، تركضين إلى الأمام لتُنسي نفسكِ أنكِ بلا غاية. أراكِ مثل عاشقٍ مهووس يدمّر كل من يقترب منه فقط لأنه لا يعرف كيف يحب. أيتها الحياة، أي حب هذا الذي يزهق الأرواح؟ أي حب هذا الذي يدفن الحلم قبل أن يتفتح؟
لماذا كل هذه البرودة؟ لماذا كل هذا اللاكتراث؟ أتحبين أن تلعبي بنا؟ أتحبين أن تختبري صبرنا؟ أجيبيني إن كنتِ تملكين لساناً. أجيبيني إن كنتِ تجرئين أن تنظري في عيوننا.
أنا هنا، عارٍ من كل الأقنعة. نزعتُ عني رحم الأم، ودفء العائلة، وصخب المجتمع، وصرامة الدولة، وخداع المؤسسة. نزعتُ البالونات الكثيرة التي زيّنتكِ بها، تلك البالونات التي تنفجر سريعاً وتترك الهواء بارداً في صدري. أنا أواجهكِ كما أنا، بلا زينة، بلا أوهام، بلا سند.
وفي الثلاثين من عمري أقف، لا أملك أمنية، لا أملك شيئاً أريد اقتناءه. لقد خفتُ يوماً أن أكبر بلا معنى، وها أنا قد كبرتُ ولم أجد معنى، ولم أسقط. بل ها أنا أقف في الفراغ، أراه، ألمسه، وأعرف أنني ما زلتُ حياً.
لم أعد أهاب الهزيمة، بل صرت أحتضنها. الهزيمة لا تعني النهاية، بل تعني أنني قاومت، أنني خرجتُ من اللعبة التقليدية التي يصفقون فيها للفائز ويطمرون الخاسر بالتراب. أنا أعيش لأرتجل، لأجرّب، لأفتح أبواباً لا يعرفونها.
أيتها الحياة، إن كنتِ قوية كما تدّعين، فلماذا تهربين مني؟ لماذا تختبئين وراء قوانينك الباردة؟ أيتها الجبانة، أنا لا أبحث عن انتصار عليك، بل عن صدقٍ منك. أريد كلمة واحدة حقيقية، حتى لو كانت تقول لي: لا شيء.
وإن كان لا شيء هو جوابكِ، فلن أخاف. سأحوّل هذا الـ"لا شيء" إلى قصيدة، إلى صرخة، إلى موسيقى أرقص عليها وحدي. سأبني من اللاجدوى لعبة صغيرة أضحك بها على وجهكِ الصارم.
لقد اخترتُ أن أعيش طفولتي من جديد، لا تلك الطفولة التي مضت، بل طفولة أخرى، طفولة في الحلم. طفولة تعرف أن اللعب أصدق من الخوف، وأن الضحكة أقوى من الجرح. لن أسمح لكِ أن تصغّري أحلامي كي أُشبه الآخرين. لم أخرج من طفولتي كي أصير عجوزاً باكراً، لم أخرج منها كي أتعلم كيف أتقن العيش بلا روح.
جئتُ لأكبر في أحلامي، جئتُ لأكبر بها لا عليها. وإذا كان ثمن ذلك أن أظل تائهاً، فليكن. التيه طريق أيضاً، والضياع هوية أيضاً. أيتها الحياة، ها أنا أصرخ في وجهكِ، لا كي أنتصر، بل كي أذكّركِ أنكِ لستِ وحدكِ الجارية في هذا الكون. نحن أيضاً نجري، نحن أيضاً نركض، لكننا نحمل حلماً، حتى لو كان هشاً، حتى لو كان مكسوراً.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق