آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

حواريات مارتن و كارل: سؤال يمشي على قدمين

 مارتن: يا كارل، ما أشدّ عصفك بنفسك، كأنك بحر يتناوبه المدّ والجزر في ساعة واحدة. ما عدتُ أعرف أين تقف، في أيّ ضفة، أم أنك تائه في المجرى؟

كارل: يا مارتن، أنا المجرى ذاته. كلما حاولت أن أستكين في حوضٍ صغير، انسكبتُ منه. كبرتُ سنينًا، وها أنا أكتشف أن طفلي المتمرّد لم يكبر معي، بل ما زال يركض في داخلي، يركل جدران عقلي، ويضحك على كل قيد أحاول أن أضعه.

مارتن: لكنك تبحث عن السلام، أليس كذلك؟ ألا ترى أن الراحة سبيل النجاة؟

كارل: الراحة موت مقنّع يا صديقي. الراحة سجنٌ جدرانه ناعمة. كلما جلستُ في حضنها، شعرت أنني أُساق إلى قبرٍ بطيء. إنني لا أطيق أن أكون حجراً، ولا أن أُدفن في صمت العاقل. في داخلي نار، وإن حاولتُ إخمادها احترقت أكثر.

مارتن: أنت إذن أسير نارك.

كارل: بل أنا نار نفسي. أنا الشرارة واللهيب والدخان. كلما أطفأتُ جمرةً في صدري، اشتعلت أخرى. أريد أن أكون سيدًا على نفسي، لكن نفسي تعرف أن تتمرّد عليّ كما لو كانت غريباً يسكنني.

مارتن: وماذا بعد هذا الصراع الطويل؟ إلى أين يمضي بك؟

كارل: إلى لا مكان. أو ربما إلى كلّ مكان في وقتٍ واحد. إنني أركض بين ضفاف متناقضة، أُمسك بيد الروح لحظة، وبيد الجسد لحظة أخرى، ثم أتركهما يسقطان معاً. إنني رجل يمشي في صحراء، يطارد سراباً، وحين يصل إليه يجد عطشه أكبر.

مارتن: وهل في العطش حياة؟

كارل: أجل. الحياة عطشٌ لا يُروى، وتوق لا يُشبع. أنا لا أبحث عن النهاية، بل عن الامتداد. إنني أعشق التعب، لأن التعب هو الدليل على أنني لم أنطفئ بعد.

مارتن: لكنك تتألم يا كارل...

كارل: نعم، غير أن الألم أصدق من الخواء. الألم يذكّرني أنني ما زلتُ إنسانًا. ما الإنسان إلا كائن يتشظّى كل يوم ليُعيد تشكيل نفسه. نحن لا نولد مرة واحدة، بل نولد كلما كُسرنا.

مارتن: أراك ممزقاً، كأنك نايٌ يخرج من ثقوبه أنين متباين.

كارل: وأنا الناي والأنين والريح. ما أنا إلا أغنية ناقصة، لن تكتمل إلا إذا بقيت ناقصة.

مارتن: يا صديقي، لعلّك لست تائهاً كما تظن. أنت لا تبحث عن جواب، بل تعيش السؤال نفسه.

كارل: صدقت، وما الإنسان إلا سؤال يمشي على قدمين، سؤال يبتسم وهو ينزف، ويسير وهو يتعثر. وإن كنتُ صراعًا، فأنا أقبل أن أكون صراعًا حتى آخر يوم، لأن في الصراع حياة، وفي السكون موت.

مارتن يصمت. النهر في الأسفل يعلو صوته كأنما يردّد كلمات كارل. والريح تدور بين الأشجار كأنها تصفق له. أما القمر في السماء، فبدا وكأنه شاهد على إنسانٍ يُحاكم نفسه ولا ينطق بالحكم.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")