آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

بيت من ماء

 "هيا بنا: تعالي إلى مكان لا يطلب منكِ تبريرَ بقاءٍ أو رحيل، ادخلي ببساطةٍ كما تدخلين غرفةً فيها نورٌ هادئ وهواءٌ يحتضِنكِ؛ تأشيرتكِ هنا كلمةٌ واحدة ، صدقي نفسكِ. ابني بيتكِ من ماءٍ رقيقٍ وكلماتٍ مهجورةٍ ولحظات ضعفٍ لا تخجلين منها، تعلمي التنفّسَ تحت سطحِ المألوف ولا تهربي من البحر و  الأمواجِ بل اجعليها تُعلّمكِ كيف تصنعين صدرًا يتسع. الانتماءُ ليس أرضًا تنتظرنا، بل عادةٌ نمارسها: نفتحُ صفحةً يوميةً، نُخرجُ أحلامنا الصغيرةَ من الجيوبِ، ونبني غرفةً واحدةً تسمح لنا بأن نكون، غير مكتملين، متردّدين، ومحبوبين كما نحن."

هيا بنا… قلتها وكأنني أتكلم مع أحد لا يجيب، مع ظلّي، أو مع جزء آخر من نفسي لا أراه. لم أعرف من الذي كان يتحدث بداخلي، لكنني شعرت أنني لست وحدي، وكأن هناك أصواتًا تتناوب على النطق بي. البحر لم يكن بحرًا حقًا، ربما كان تعبي الطويل، ثقل الأيام التي تتكرر بلا معنى، محاولاتي للعبور نحو شيء لا أعرف اسمه. والضفة الأخرى لم تكن مكانًا جغرافيًا، بل صورة أتمسك بها كي لا أنهار: حياة جديدة، فرصة أن أكون شخصًا آخر، أرضًا تفتح ذراعيها فتقول لي أخيرًا: انتمِ.

 كنت أكتب كما يكتب المرهق، دون أن أنتظر وضوحًا أو تفسيرًا. الكلمات كانت تخرج وكأنها تتدافع من أعماقي، وأنا أسمح لها أن تكون. لم أرد أن أخنقها بالمنطق، لم أرد أن أقتلها بالأسئلة. لكن حين توقفت، وجدتني أواجه نفسي: ما معنى هذا كله؟ هل أبحث حقًا عن مكان آخر، أم أنني أهرب من نفسي؟

 أفكر أن البحر ربما هو داخلي، أمواجي المتناقضة التي ترميني بعيدًا ثم تعيدني إلى نقطة البداية. الضفة الأخرى هي أنا الذي لم يولد بعد، أنا الذي أحلم أن أكونه ولا أجرؤ على الاعتراف به. كل مرة أكتب فيها “هيا بنا” أشعر أنني لا أريد السفر إلى مكان، بل أريد أن أتحرر من هذا الدوران الذي أعيشه، أن أجد بيتًا أطمئن إليه.

 أحيانًا أتخيل ذلك البيت: بيت من ماء، شفاف، هش، لكنه حقيقي لأنه صادق. لا يحتاج إلى جدران تحميني من العالم، بل يكفي أنه يحميني من نفسي. أريد بيتًا يسمح لي أن أكون كما أنا، بضعفي، بخوفي، بترددي، بأحلامي الصغيرة التي لا يعرفها أحد. أريد بيتًا يقول لي: أنت لست غريبًا.

 ربما هذا كله مجرد اعتراف مبعثر. لكني أظن أنني تعبت من أن أكون عابرًا، تعبت من أن أفتش عن أرض لا تحتملني. أريد أن أصدق أن الانتماء ليس جغرافيا، بل لحظة أهدأ فيها، لحظة أتصالح مع ما أنا عليه، وأتوقف عن الهرب.

 الضفة الأخرى إذن ليست بعيدة كما تخيلت. إنها احتمال داخلي، خيار أن أواجه نفسي بدل أن أتهرب منها. البحر، بكل فوضاه، لم يكن عدوي، بل كان معلمي الأول، يدرّبني على الصبر، يعلمني أنني حين أغرق لا أموت، بل أتعلم كيف أتنفس تحت الماء.

 ربما أكتب هذا الآن لأقنع نفسي أنني قادر على أن أبدأ من جديد، أنني لست عالقًا كما أظن. وربما أكتب لأقول لنفسي: لست مضطرًا أن أجد الأرض الأخرى، يكفي أن أخلقها هنا، في داخلي، أن أكون أنا الضفة الأخرى التي أبحث عنها منذ زمن طويل.

ك.ج 

تعليقات