آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

مرساة تعيدك إليّ

 تعالي يا حبيبتي،

واقتربي أكثر،
لأعانقك… وأسامحك.

تعالي يا عزيزتي،
واضميني إليكِ،
كما تأتي الريح بعد حرِّ يومٍ طويل،
كما يدخل الضوء عبر ستارٍ رقيق.

كِلانا أخطأ،
وتعلّمنا أن الفراق سطّر دروسه فينا،
ليعلّمنا قيمة اللقاء،
ويعلّمنا كيف نقرأ وجوه بعضنا بلا خوف.

إنني منهزم أمام حبك،
أضعفُ من أن أحتمل بُعدك،
وأقوى من أن أنقض وعدي بلا معنى.
ولا شيء يغيّر قدري هذا
سوى هذه القصيدة،
أضمُّ لكِ فيها وعدي الذي لا يموت،
عهداً على شفتيّ،
وناراً في صدري.

حين أحببتك، لم أكن إنساناً عادياً،
كنتِ بوجودكِ تجعلينني
ملاكاً، أو كائناً يسمو فوقي.
كنتِ أغنيةً ترددها الطرقات،
نسمةً تسكت العيون،
ونوراً ينتحب في ليلتي.

تعالي يا حبيبتي،
لأعيد لكِ الوجود على ما كان أجمل.

سامحتك
لأن قلبك يخطئ كما يخطئ قلبي.
سامحتك
لأن الأيام علّمتنا أن الحبّ أخطر ما فيه الرحمة.
سامحتك
لأنني أريد لاحتضاننا أن يبدأ من هذه اللحظة بلا أثر للشتات.

تعالي
اجعلي يدي مرسى ليديكِ،
وأقف أمامك بكياني الضعيف،
أحمل وعداً يغني جروحنا.

لنعد معاً
إلى حيث بقيت ضحكتك معلّقة،
إلى حيث ننام
والسماء تطفئ خيباتنا.

تعالي يا حبيبتي،
فأنت البداية والنهاية،
وأنت سرُّ كل صباحٍ فيّ.

وعدي للهواء والزمن:
سأبقى لكِ.
حتى إذا تلاشت الكلمات،
يبقى صمتنا عقداً ويميناً.
وحتى إذا عاد البُعد ليطرق،
تكون هذه القصيدة مرساةً تعيدكِ إليّ.

تعالي يا حبيبتي
سامحتك.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")