آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

نورة، امتحان الروح

 كنتُ أعتقد أن الحب معجزة خفية، يخرجني من حدود الأرض الضيقة إلى أفق المستحيل، يرفعني كطائرٍ يقطع سماءً لا نهاية لها. كنتُ أراه وعدًا بالخلود، بابًا إلى عالمٍ لا يعرف الفقد، ولا يسمع أنين الرحيل. لكنني، مع كل تجربة، كنتُ أتعلم الدرس ذاته: الحب ليس جسرًا إلى المستحيل، بل امتحان قاسٍ، كتابٌ يدرّسني أن الممكن يظل ممكنًا، وأن المستحيل، حين يختبئ في الحب، يصبح أكثر قسوة من أي موت. 

كنتُ أحلم أن أغيّر قوانين القدر، أن أقاوم ما كتب في اللوح، أن أقول لله: "دعني أخلق معجزةً صغيرة، فقط في قلب إنسان واحد، ليكون وفيًا كما أنا وفيّ له". ولكنني ما إن أفتح عيني حتى أصطدم بالحقيقة: لا سلطان لي على قلب غيري، ولا سُلطة لدموعي على أقدار تمشي بثباتٍ أعمى.

أتذكر "نورة" فتشتعل الذكرى في صدري كجمرة لا تنطفئ. أمام المرآة، أصرخ كطفلٍ تائه: يا نفسي، لِمَ ما زلتِ وفية لشبحٍ رحل؟ الحبيبة تركتني، مضت إلى غيابها، والنهار يفتح أبوابه كل صباح، ومع ذلك قلبي يظلّ مشدودًا إلى ظلّها كعصفورٍ سجينٍ يرفض أن يصدّق أن باب القفص قد انفتح.

أصرخ وأصرخ، لكن صراخي يرتدّ إليّ كصدى في كهفٍ مظلم. لا يسمعني أحد، ولا يحررني صوتي من حبسي الداخلي. أحيانًا أشعر أنني صرتُ مهووسًا بصوتي نفسه، كأنني أحاول أن أنوّم نفسي مغناطيسيًا لأصدّق أنني بخير، بينما الحقيقة أنني أسقط أكثر في عمق الجرح.

 وكلما تعبت، يجيء ذاك الصوت العميق من داخلي، صوت أشبه بحكيمٍ يسكنني منذ الطفولة، يقول لي بصرامة: "يا هذا، أنت اخترت طريق الحب، فلا تلعن أشواكه. الحب لم يخدعك، أنت من زيّنته بالأساطير. تحمل معاناتك كما يتحمل العطشان ملح البحر حين يمد يديه بحثًا عن ماء". 

أسأل نفسي: هل الحب حقًا قدرٌ مكتوب، أم وهم نحن نخلقه من طين أحلامنا؟ أليس الحب أحيانًا صورة نرسمها، ونقدّسها حتى إذا تكسرت صرخنا على مرآتنا لا على الحقيقة؟

وكم مرة أقنعت نفسي أن الحب سيهبني الخلاص، فإذا به يهبني جرحًا آخر يعلّمني أن الإنسان لا يُهزم فقط بالخذلان، بل يُهزم أيضًا بوفائه هو، حين يظل مخلصًا لمن لا يعود.

اليوم أدركت أن قلبي ليس ساذجًا، بل وفيّ إلى حد الجنون. أدركت أنني لا أبحث عن امرأة بعينها بقدر ما أبحث عن انعكاس نفسي في عينيها، عن تلك الطمأنينة التي توهمتُ أنني وجدتها مع "نورة". لكن، هل يمكن لظلّ أن يعيد للروح شمسها؟ وهل يمكن لشبح أن يمنح الجسد حياة؟

الحب درس قاسٍ، نعم… لكنه أيضًا مرآة تفضحني، تكشف لي ضعفي وقوتي، وتقول لي كل يوم: "أنت لا زلت قادرًا أن تحب، رغم كل هذا الخراب."

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")