المشاركات

آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة السادسة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ زينون)

صورة
زينون: طرق المفارقة Zeno of Elea (c.460 BC/c.430 BC): Zeno’s Paradoxes اشتُهِرَ زينون الإيلي بمحاولاته القوية في الدفاع عن أفكار معلمه بارمنيدس، و قد تحدث أنتوني جوتليب عن هذا قائلا: " و ثمة رواية عن زينون توضح لنا كيف حاول زينون فعل ذلك ( أي الدفاع عن فكر بارمنيدس)، إذ يروي لنا أفلاطون   كيف أن بارمنيدس و زينون هجرا بلدتهما إيليا قاصدين أثينا ابتغاء حضور مهرجان " باناثينا الرياضي العظيم" الذي يقام كل أربعة أعوام و تكون فيه عروض للموسيقى و الشعر و الرياضة و يخصص للإلهة أثينا. و بينما هما هنالك فإذا بهما يلتقيان بسقراط الذي كان صغيرا آنذاك، فقرأ عليه زينون رسالة كان قد كتبها، فسأله سقراط عن الكتاب و مضمونه، فأجاب زينون بأنه كتاب يدافع فيه عن بارمنيدس ضد من يسخرون منه و أنه يرد عليه مستخدما منطقهم نفسه، و ختم حديثه   بقوله أن الهجوم هو خير دفاع." [1] Zeno of Elea لكن زينون لم يعرف فقط بأنه خليفة بارمنيدس و الحامل لمشعل فكره و نظرياته، بل إنه أكثر من ذلك كان مشهورا ببراعته في الخطاب و المحاججة، مما أضفى على فكر بارمنيدس نفسه قيمة جديدة. لقد حاول زين...

اختراق جدار الأغيار ( قصة قصيرة)

صورة
اختراق جدار الأغيار كان يائسا و أصبح متفائلا، مليئة نفسه بإحساس الغد. كيف وقع هذا؟ لقد التق فجأة بشخص حاوره أكثر مما حاور نفسه وحيدا لمدة طويلة. كانت المقهى مكتظة بالناس، حتى الموسيقى بصخبها أصبحت حشدا رمزيا! إنه هنالك، على الأريكة، أمامه الطاولة التي حملت على سطحها حاسوبه الصغير، أوراقه و فنجان القهوة الذي كان يرتشف منه بين الفينة و الأخرى. لقد أراد التحدث مع شخص ما! لكنه لا يستطيع الارتماء على أحد، هنا كل الناس غرباء لا يكترثون للغرباء. الزاوية التي كان يجلس فيها تمده برؤية شاملة لفضاء المقهى، يرى الذين للتو جاؤوا، للتو ذهبوا و الذين لا يزالون في أماكنهم قابعين لا يتحركون. لقد كان أفضل من الناَدليَن الشابين المرفرفين كفراشتين نشيطتين هنا   و هنالك، إنه يفهم جيدا النمط الذي تسير عليه الحياة هنا. فجأة تدخلُ فتاة غريبة الطباع، السيجارة بين شفتيها كدخان حريق داخلي مقيم فيها لسنوات طويلة! لا تعرف أحدا هنا، تتحرك بحثا عن مصدر الكهرباء! إنها هنا لتشتغل على حاسوبها و تقرأ مضامين أوراقها المشتتة. بعد لحظات وجدت ركنها المراد، لقد كان بجانبها، حيث استطاع أخيرا أن ي...

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الخامسة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ بارمنيدس)

صورة
 بارمنيدس: حقيقة اللاشيء Parmenides : The reality of Nothing        كتب أنتوني جوتليب: " كان ظهور بارمنيدس أشبه بثعبان يلج جنة الفلسفة اليونانية، و لكنه لم يأت ليهب المعرفة، بل جاء مهددا بانتزاعها، فحجج بارمنيدس قوضت بنيان التفسيرات السابقة التي ناقشت مسألة الطبيعة."  [1] يعبر هذا المقتبس على القوة الجديدة لفكر فلسفي جديد جاء به بارمنيدس، هذا الفيلسوف الشاعر [2] ، الذي حاول الشك بطريقة أو بأخرى في كل ما بناه الفلاسفة السابقون من معرفة و حقائق حول الطبيعة الوجود. Parmenides  c. 515 BC انتمى بارمنيدس للمدرسة الإيلية [3] التي كانت كأي مدرسة في تلك الحقبة فضاء للتتلمذ و التعليم في آن، و يقال أن بارمنيدس كان تلميذا للفيلسوف كزينوفانيس Xenophanes و كان بعد ذلك معلما و صديقا لتلميذه زينون. يمكننا أن نبدأ الحديث عن فكر هذا الفيلسوف انطلاقا من الطرح التالي: إذا كان الفلاسفة السابقون ( الملطيون و هرقليطس خصوصا)   قد حاولوا البرهنة على كيفية تطور الكون، فإن بارمنيدس قد حاول أن يبرهن أن الكون لم يتطور بالمرة. و إذا كان الفلاسفة السا...

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الرابعة( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ هرقليطس)

صورة
هرقليطس: الفيلسوف الغامض Heraclitus       ق.م 540/ 480 ق.م كان هرقليطس فيلسوفا مختلفا عن سابقيه و معاصريه في آن، لأنه بدلَ أن يبحث في سؤال الطبيعة و الكون كعالم خارجي مستقل، اختار البحث عن نفسه انطلاقا من نفسه كعاَلَمٍ داخلي، مؤمنا أن في أغوار الذات توجد أسرار الكون و الطبيعة.  كان رجلا غامضا في خطابه كأنه يقدم ألغازا و يحيكها، عُرف بصانع الحجج، و صَنع من نفسه نموذجا جديدا لشخص الفيلسوف الساخر.  و يمكن أن نلاحظ هذا انطلاقا من بعض أقواله: ¬   " إن الطريقين الصاعد و الهابط ليسا سوى طريقا واحدا." ¬   " إن الحي و الميت و النائم و اليقظ و الصغير و الكبير... كلها أشكال لشيء واحد." ¬   " إن المرض هو الذي يجعل الصحة أمرا جميلا فيه من الخير الكثير، و الجوع هو ما يسبب التخمة، و التعب   يمهد طريقا للراحة..." ¬   " إن البحر هو أكثر منابع الماء نقاء و أكثرها تلوثا، فهو للأسماك صالح للشرب و حافظ للحياة، بينما لدى الناس غير مستساغ الشرب و يوردهم المهالك." كتبَ جوتليب: "..وقد جاء هرقليطس ليعرض جانبا آخر من الصورة التقليد...

رسائل: أنا عصفور حر أو بالأحرى كلنا عصافير حرة

إنني عصفور صغير لم يكتشف بعد ماذا يوجد خارج العش، عصفور لن يطير الآن، لكنه سيطير يوما ما، و هذا اليوم المنشود سيكون في فصل الربيع. لقد كانت رمزية الربيع في أفكاري و عواطفي قوية، كأن الربيع نبوءة لا دليل لها، لكنني كنت متشبثا بإمكانية حدوثها، كنت حرا لدرجة أنني فصلت نفسي عن المكتسب الاجتماعي.  إن أحلام و أماني عصفور هي أن   يطير نحو بستان و يلتقي بفراشة ثم يطيران معا في السماء، في كل مرة يستريحان بجانب الزهور أو على أغصان الأشجار،   يلعبان مرحا بجانب بركة ماء أو   مستنقع مليء بالضفادع أو شلال. إن الفراشات لا تولد من أجل الفوضى، فهي تعرف أن وقتها يمر بسرعة، تعرف أن عليها أن تعيش بحكمة و جمال، يجب أن تترك أثرا عظيما بعد رحيلها، إنه أثر الحب...  لذلك العصافير الحرة، تبحث دائما عن الفراشات، إنها الأقرب إلى ذواتها، كلاهمُ جزء فريد من الطبيعة، يأتون للوجود في فصل الربيع، ينشرون فيه الحب و الفرح و الجمال، يتركون الأثر قويا في باقي الفصول، الطبيعة كلها تنتظر عودتهم من جديد، حتى الإنسان يقول: " الربيع فصل الهدوء و العودة إلى الذات، الفراشات تغمرنا بالفر...

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثالثة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ الفيتاغوريون)

صورة
الفيتاغوريون: فكرة العالم المتناغم. استمر الفكر الفلسفي بحلة جديدة مع فيتاغورس  (570*495 ق.م) مؤسس المذهب/ الحركة الفيتاغورسية. لقد كان الاهتمام بهذا الرجل بارزا بعد موته، مستمرا حتى العصور الحديثة، بل حتى أيامنا هذه، حيث يمكن أن نشير إلى جانبين أساسيين في هذا الاهتمام: ¬   جانب علمي/فيزيائي: علم الصوت. Pythagoras ¬   جانب روحاني: علم التنجيم. وهذا الاهتمام المتناقض في أبعاده هو ما يدفعنا إلى فهم شخص فيتاغورس و المذهب الفيتاغورسي بصفة عامة. كتب أنتوني جوتليب في هذا الصدد:  "... بالنسبة لفيتاغورس نفسه، يمكننا القول أنه كان يؤمن بالتناسخ و إنه كان يهتم بالأرقام و لو قليلا، و ما أثير عنه غير ذلك فليس إلا تخمينات، و سنزعم أيضا أن الفيتاغورسيين جميعهم نسيج واحد، لا فرق بينهم، رغم أن بعضهم في حقيقة الأمر كان مهتما بالأمور العلمية و العقلية بينما انغمس آخرون في شؤون المحرمات و الأقوال الغامضة و الإرشادات الخرافية للحياة التي شكلت الجانب الديني من المنهج الفيتاغورسي.."  [1] لقد اهتم الفيتاغورسيون بالرياضيات، لأنها تمثل طريق الخلاص الروحي: " إذا أ...