آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

رسائل: أنا عصفور حر أو بالأحرى كلنا عصافير حرة

إنني عصفور صغير لم يكتشف بعد ماذا يوجد خارج العش، عصفور لن يطير الآن، لكنه سيطير يوما ما، و هذا اليوم المنشود سيكون في فصل الربيع.
لقد كانت رمزية الربيع في أفكاري و عواطفي قوية، كأن الربيع نبوءة لا دليل لها، لكنني كنت متشبثا بإمكانية حدوثها، كنت حرا لدرجة أنني فصلت نفسي عن المكتسب الاجتماعي. إن أحلام و أماني عصفور هي أن  يطير نحو بستان و يلتقي بفراشة ثم يطيران معا في السماء، في كل مرة يستريحان بجانب الزهور أو على أغصان الأشجار، يلعبان مرحا بجانب بركة ماء أو  مستنقع مليء بالضفادع أو شلال.إن الفراشات لا تولد من أجل الفوضى، فهي تعرف أن وقتها يمر بسرعة، تعرف أن عليها أن تعيش بحكمة و جمال، يجب أن تترك أثرا عظيما بعد رحيلها، إنه أثر الحب... 
لذلك العصافير الحرة، تبحث دائما عن الفراشات، إنها الأقرب إلى ذواتها، كلاهمُ جزء فريد من الطبيعة، يأتون للوجود في فصل الربيع، ينشرون فيه الحب و الفرح و الجمال، يتركون الأثر قويا في باقي الفصول، الطبيعة كلها تنتظر عودتهم من جديد، حتى الإنسان يقول:
" الربيع فصل الهدوء و العودة إلى الذات، الفراشات تغمرنا بالفرحة و العصافير تنظف سمعنا من ضجيج الفوضى أو ضوضاء الحداثة بتغاريدها، تعلمنا في كل ربيع جديد أن الحياة ليست هي الانعزال الثقافي بل إنها انسجام الذات الانسانية مع الطبيعة: نوع من الاعتراف بالهوية الوجودية للإنسان و نوع من تقبل حقيقة أن الاحتماء داخل المجتمع لا يعني الاحتماء من جحيم الآخرين داخل المجتمع نفسه."
لهذا أنا عصفور حر و حلمي أن ألتقي بفراشتي، نمرح وجودنا معا و نترك في العالم أثرا، لا أدعي البتة  أنني أعيش أسطورتي أو نبوءتي الخاصة: ( خيال كاتب يبحث في الواقع عن ركن للحياة و الأحلام).
إن تاريخ الإنسانية بدأ من البساتين و السهول و الغابات و الأنهار، و معانينا لا يمكن حتما أن نجدها في التقنية أو الفكر اليومي النابع من المكتسب الثقافي المتجسد في نفسياتنا.
إن معاني الحياة و الحب و الحرية  بداخلنا و لا مسلك لاكتشافها إلا بالحس الرومنطيقي: حس يتسم به علماء الطبيعة، علماء الفلك، الفيزيائيون و الشعراء و الأطباء...
إن التقنية ليست هويتنا، بل يمكن اعتبارها من أفضل صناعاتنا، و مسعى الحداثة  ليس مسعى الانفصال عن هذا الحس الرومنطيقي بل بعثه إلى الحياة! و تربية الأجيال عليه...
هكذا  نسجت النبوءة و لا زالت تنسج  مصيري و طبيعة الانتماء الذي لا يقتلني و لا يقتل العالم بداخلي: الانتماء لكينونة العصفور الحر.
ك.ج