آخر ما نشر كارل!

لم يحدث ما يستحق توقف العالم

تمر أيامي يا نورة كأنها حلقات معادة من برنامج تلفزيوني ممل، يشاهده الناس كل مساء، لا لأنهم يحبونه، ولكن لأن الملك لا يحب الجديد، ولأن وزير الثقافة مقتنع بأن التغيير مؤامرة خارجية، ولأن الشعب، بعد سنوات طويلة من مشاهدة الحلقة نفسها، أصبح يخاف أن يموت أحد الممثلين فيضطر إلى تعلّم أسماء جديدة. تمر أيامي كأيام جدة عجوز أنجبت من الأولاد ما يكفي لتأسيس قبيلة، ثم أنجب أولادها من الأحفاد ما يكفي لتأسيس دولة، فأصبحت تنادي الجميع باسم واحد، لا لأنها فقدت ذاكرتها، بل لأنها اكتشفت متأخرة أن الأسماء لا تغيّر كثيرًا من حقيقة البشر، وأن الطفل الذي يبكي لأنه جائع لا يختلف كثيرًا عن الرجل الذي يبكي لأنه عاش أكثر مما يجب في انتظار شيء لا يأتي. تمر أيامي كالسجن الذي خُصّص لأولئك الذين ارتكبوا جرائم دفاعًا عن ذاكرتهم، الذين رفضوا أن ينسوا ما طلب منهم القاضي نسيانه، والذين احتفظوا برسائل قديمة وصور ناقصة وأسماء نساء لم يعد لهن وجود إلا في هواتف معطلة وقلوب ترفض تحديث أنظمتها. وهل تعرفين كيف تمر أيامي أيضًا؟ تمر يا نورة كأنها محاولات انتحار رمزية يقوم بها رجل حكمت عليه الآلهة بالخلود؛ كلما حاول أن ينهي يومه...

نص مسرحي: بين حكيم و جبران

 تفتح الستارة على حديقة واسعة، أشجارها عالية، وأرضها مبللة. يُسمع صوت المطر وهو يضرب الأوراق والمقاعد الحديدية. في آخر الممر يظهر شاب نحيل يمشي ببطء، كأنه لا يعرف إلى أين يذهب.

إنه حكيم. يرتدي معطفًا داكنًا، وشعره مبلل، ويداه ترتجفان من البرد. هاتفه مغلق منذ الصباح. يمشي وحيدًا منذ ساعات، ولا يبدو أنه ينتظر أحدًا.

حكيم: (يتوقف أمام شجرة كبيرة)

ثلاثون سنة...

يا إلهي، ثلاثون سنة.

في هذا العمر يتزوج الناس، ينجبون الأطفال، يشترون البيوت، ويفرحون بالسيارات الجديدة.

وأنا؟

(يبتسم ابتسامة حزينة)

أنا أفرح حين يمر يوم كامل دون أن أشعر بالتعب.

أفرح حين أستيقظ في الصباح ولا أجد ذلك الحزن الثقيل جالسًا فوق صدري.

أفرح حين أستطيع أن أقرأ عشر صفحات دون أن يهرب مني التركيز.

يا لها من أحلام صغيرة!

(يصمت قليلًا)

هل هذه هي الحياة التي كنت أحلم بها حين كنت طفلًا؟

أذكر أنني كنت أريد أن أصبح شيئًا عظيمًا.

لا أعرف ما هو ذلك الشيء العظيم، لكنني كنت متأكدًا أنني سأكون سعيدًا.

(ينظر إلى السماء)

أين ذهبت كل تلك الثقة؟

يشتد المطر. يمشي حكيم نحو مقعد حجري تحت شجرة، فيجلس عليه. يخرج من جيبه دفترًا صغيرًا، وقد ابتلت أطراف صفحاته.

حكيم:

الحب، السلام، العدل، الله، التربية، النجاح...

كم من سؤال!

والناس لا يفكرون في كل هذه الأشياء، ربما لهذا يستطيعون النوم.

أما أنا، فكلما حاولت أن أجيب عن سؤال، وجدت خلفه عشرة أسئلة أخرى.

(يفتح الدفتر)

كتبت البارحة: «هل يحتاج الإنسان إلى أن يكون ناجحًا حتى يستحق الحياة؟»

ثم شطبت الجملة.

لماذا؟

لأنني خفت أن يكون الجواب نعم.

تهب ريح باردة، ويُسمع صوت أوراق الشجر. يظهر في آخر الممر رجل يرتدي معطفًا قديمًا، شعره طويل قليلًا، وعيناه هادئتان. يتقدم ببطء. لا يحمل مظلة، ومع ذلك يبدو كأن المطر لا يزعجه.

الرجل: ولماذا شطبتها؟

حكيم: (يلتفت مفزوعًا)

عفوًا؟

الرجل: الجملة التي كتبتها. لماذا شطبتها؟

حكيم: هل كنت تتجسس عليّ؟

الرجل: لا. لكنك تتحدث بصوت مرتفع منذ مدة.

حكيم: لم أكن أعرف أن أحدًا هنا.

الرجل: أحيانًا لا نرى الناس لأننا مشغولون بأنفسنا.

حكيم: وأحيانًا نختبئ في أنفسنا لأننا تعبنا من الناس.

الرجل: (يبتسم)

هذه إجابة جميلة.

حكيم: جميلة؟ لا أظن. إنها مجرد حقيقة حزينة.

الرجل: ليست كل حقيقة حزينة قبيحة.

ينظر حكيم إلى الرجل طويلًا، ثم ينهض فجأة، كمن رأى وجهًا يعرفه منذ سنوات.

حكيم: لحظة...

لا يمكن.

الرجل: ما الأمر؟

حكيم: لقد رأيت هذا الوجه من قبل.

الرجل: الوجوه تتشابه.

حكيم: لا، ليس هذا الوجه.

(يقترب منه)

العينان... الشعر... الأنف...

يا إلهي.

أأنت جبران؟

الرجل: أي جبران؟

حكيم: جبران خليل جبران!

يصمت الرجل. ينظر إلى الأشجار ثم إلى حكيم.

جبران: وهل تبحث عنه؟

حكيم: منذ سنوات.

جبران: ولماذا؟

حكيم: لأنني قرأت كتبه كلها تقريبًا. لأنني أشعر أنه يفهمني أكثر من الناس الذين يعيشون معي. لأنني...

(يتردد)

لأنني أظن أن حياتي تشبه حياته قليلًا.

جبران: وكيف ذلك؟

حكيم: لم تتزوج. لم يكن لك أطفال. عرفت المرض، وعشت الوحدة، ومت قبل أن تشيخ.

وأنا أخاف أن تكون هذه نهايتي أيضًا.

جبران: (ينظر إليه طويلًا)

إذن أنت لم تكن تبحث عني.

كنت تبحث عن رجل ميت يشبه مخاوفك.

حكيم: ربما.

جبران: وهذا ظلم كبير لي ولك.

حكيم: ظلم؟

جبران: نعم. أنت تختصر حياتي كلها في الأشياء التي لم أحصل عليها.

وأنت تختصر حياتك كلها في الأشياء التي لم تحصل عليها بعد.

يجلس جبران على المقعد الحجري. يتردد حكيم قليلًا ثم يجلس بجانبه.

حكيم: ولكن ماذا تفعل حين تشعر أنك تأخرت عن كل شيء؟

جبران: ومن قال لك إنك تأخرت؟

حكيم: عمري.

جبران: وهل تحدث إليك عمرك؟

حكيم: كل صباح.

جبران: وماذا يقول؟

حكيم: يقول إنني فشلت.

جبران: لا يا حكيم. هذا ليس صوت عمرك. إنه صوت المقارنة.

حكيم: ولكن المقارنة ليست وهمًا. هناك أشياء حقيقية. هناك أصدقاء يتزوجون، ويعملون، ويسافرون، وأنا عاجز أحيانًا حتى عن مغادرة فراشي.

جبران: أعرف أن الألم حقيقي. ولا أريد منك أن تتظاهر بالقوة.

لكن لماذا تعتقد أن الرجل الذي اشترى منزلًا يعرف بالضرورة كيف يسكن روحه؟

ولماذا تعتقد أن الذي تزوج قد وجد الحب؟

ولماذا تظن أن الذي سافر بعيدًا قد وصل إلى نفسه؟

حكيم: أتريد أن تقول إن كل هؤلاء تعساء أيضًا؟

جبران: لا. أريد أن أقول إن سعادتهم ليست إهانة لك.

يصمت حكيم. تتساقط قطرات كبيرة من أغصان الشجرة.

حكيم: أتعرف ما الذي يؤلمني يا جبران؟

ليس أنني لم أتزوج، أو لم أشترِ سيارة، أو لم أسافر كما أردت.

بل أنني لم أعد أعرف كيف أفرح.

حتى الأشياء الجميلة صارت تمر أمامي ولا أحس بها.

أرى البحر فلا أشعر بشيء.

أقرأ قصيدة فلا أكملها.

أسمع الموسيقى التي أحببتها في شبابي، فأغلقها بعد دقيقة.

كأن شيئًا في داخلي انطفأ.

جبران: وهل أنت مريض؟

حكيم: نعم.

جبران: وهل طلبت العون؟

حكيم: تعبت من طلبه.

جبران: أفهم تعبك، لكن التعب لا يجعل حاجتك إلى العون أقل.

حكيم: كنت أظن أن الكتابة ستنقذني.

جبران: والكتابة؟

حكيم: صارت هي أيضًا تتعبني.

جبران: لأنها لا تستطيع أن تفعل كل شيء.

حكيم: أليس الأدب شفاء للروح؟

جبران: قد يكون رفيقًا للروح، وقد يفتح لها نافذة، لكنه لا يطلب من الجسد المريض أن يتعافى بالكلمات وحدها.

دع أحدًا يحمل معك شيئًا من هذا الثقل.

حكيم: ولكن الناس لا يفهمون.

جبران: بعضهم لا يفهم. وبعضهم يستطيع أن يتعلم كيف يصغي. وليس عليك أن تشرح ألمك لكل العالم كي تستحق المساعدة.

ينظر حكيم إلى يديه المرتجفتين، ويحاول أن يدخلهما في جيبي معطفه.

جبران: أنت ترتجف.

حكيم: البرد.

جبران: ولماذا بقيت هنا كل هذا الوقت؟

حكيم: لم أكن أريد العودة إلى البيت.

جبران: هل البيت يؤلمك؟

حكيم: ليس البيت. العودة إلى نفسي.

هناك، حين أغلق الباب، لا أسمع إلا أفكاري.

أما هنا فأسمع المطر.

جبران: والمطر لا يستطيع أن يحميك من البرد إلى الأبد.

حكيم: أعرف.

جبران: إذن لا تجعل من هذا المكان عقابًا لنفسك.

ينهض جبران، ويتقدم خطوات قليلة، ثم يتوقف أمام شجرة كبيرة.

جبران: أخبرني، ماذا تكتب هذه الأيام؟

حكيم: أشياء كثيرة. مقالات، تأملات، قصصًا لم أكملها، وأسئلة لا أعرف أين أضعها.

جبران: وبأي اسم توقعها؟

حكيم: (يبتسم لأول مرة)

كارل جبران.

جبران: كارل جبران؟

حكيم: نعم.

جبران: اسم جميل. ولماذا جبران؟

حكيم: من أجلك.

أردت أن أحتفظ بشيء منك في اسمي.

لقد علمتني كتبك أشياء كثيرة. علمتني أن أبحث عن المعنى خلف الكلمات، وأن أنظر إلى الحب والخير والجمال بطريقة مختلفة.

شعرت أنني مدين لك.

جبران: وهل تريد أن تسدد هذا الدين بأن تصبح نسخة مني؟

حكيم: لا، ليس هذا قصدي.

جبران: إذن اكتب يا كارل جبران، ولكن لا تسمح للاسم أن يصبح سجنًا.

حكيم: أتظن أنني أستطيع أن أصبح كاتبًا؟

جبران: لا أعرف.

حكيم: لا تعرف؟

جبران: ولماذا ينبغي لي أن أعرف مستقبلك؟

حكيم: كنت أنتظر منك إجابة أكثر طمأنينة.

جبران: (يضحك بخفة)

وهل جئت إلى حديقة ممطرة لتسمع أكاذيب جميلة؟

حكيم: جئت لأجد أملًا.

جبران: الأمل ليس أن يخبرك رجل ميت بأنك ستصبح مشهورًا.

الأمل أن تستطيع غدًا كتابة صفحة، ولو لم يقرأها أحد.

وأن تستطيع بعد غد أن تحب تلك الصفحة أو تمزقها، دون أن تقرر بسببها أن حياتك فاشلة.

حكيم: ولكنني أريد أن أترك أثرًا.

جبران: ومن لا يريد؟

حكيم: أخاف أن أموت دون أن أحقق شيئًا.

جبران: وهل تظن أنني حين مت كنت قد أنهيت كل ما أردت؟

حكيم: لا أعرف.

جبران: ولا أنا سأستطيع أن أجيبك كما تتمنى. فالحياة لا تمنح الإنسان شهادة بأنه أتم مهمته.

حكيم: هذا مخيف.

جبران: نعم. لكنه يجعل اليوم الذي بين يديك أكثر قيمة، لا أقل.

يعود جبران إلى المقعد. المطر ينخفض قليلًا. وفي البعيد يُسمع صوت سيارة تعبر الطريق خارج الحديقة.

حكيم: أيمكنني أن أسألك عن الحب؟

جبران: كنت أعرف أنك ستصل إليه.

حكيم: هل ندمت لأنك لم تتزوج؟

جبران: ولماذا تظن أن الزواج هو السؤال الوحيد الذي يمكن طرحه عن الحب؟

حكيم: لأنني في الثلاثين. ولأن الناس يسألونني دائمًا متى سأتزوج.

جبران: وماذا تجيبهم؟

حكيم: أقول: قريبًا.

جبران: وهل تصدق نفسك؟

حكيم: لا.

(يتنهد)

أخاف أن أحب امرأة ثم أضع على كتفيها كل هذا الحزن.

أخاف ألا أستطيع أن أكون زوجًا جيدًا، أو أبًا جيدًا.

أخاف أن تتحول حياتها معي إلى انتظار طويل لتحسني.

جبران: وهل الحب وعد بأننا لن نتعب أحدًا؟

حكيم: لا.

جبران: وهل تحب المرأة لتخلصك من نفسك، أم لتتعرف معها إلى حياة أوسع من حياتك؟

حكيم: أريد الأمرين ربما.

جبران: انتبه من الأول.

الحبيبة ليست دواءً يمشي على قدمين.

وهي ليست أمًّا ثانية تتولى إصلاح ما أفسدته الأيام.

إنها إنسانة لها خوفها ونقصها واحتياجاتها.

حكيم: إذن يجب أن أشفى أولًا، ثم أحب؟

جبران: ليس بالضرورة. لا أحد يدخل الحب كاملًا. لكن عليك أن تكون صادقًا مع نفسك ومع من تحب، وأن تتحمل مسؤولية طلب المساعدة حين تحتاج إليها.

حكيم: وهل كنت سعيدًا يا جبران؟

يصمت جبران طويلًا. كأن السؤال وصل إلى مكان لم يكن يتوقعه.

جبران: كانت في حياتي أيام جميلة، وأيام تمنيت أن تنتهي سريعًا.

عرفت أناسًا أحببتهم وأحبوني. وكتبت ورسمت، وكنت أخاف أحيانًا كما تخاف أنت.

لكن لماذا تريد أن تعرف إن كنت سعيدًا؟

حكيم: لأنني إن عرفت أنك كنت سعيدًا رغم كل شيء، فقد أستطيع أن أكون سعيدًا أنا أيضًا.

جبران: أنت تريد من حياتي أن تضمن لك نتيجة حياتك.

حكيم: ربما.

جبران: لا أستطيع أن أقدم لك هذا الضمان.

يخفض حكيم رأسه، وتظهر على وجهه خيبة صغيرة.

جبران: لكنني أستطيع أن أسألك سؤالًا.

حكيم: تفضل.

جبران: متى كانت آخر مرة فعلت شيئًا لأنك تحبه، لا لأنك تريد أن تنجح فيه؟

حكيم: (يفكر)

لا أتذكر.

جبران: ومتى كانت آخر مرة جلست مع إنسان دون أن تقارن نفسك به؟

حكيم: لا أتذكر أيضًا.

جبران: ومتى كانت آخر مرة سمحت لنفسك بأن تكون مريضًا ومتعبًا، دون أن تضيف إلى مرضك تهمة الفشل؟

يحاول حكيم أن يجيب، لكنه لا يجد الكلمات.

حكيم: أظن أنني كنت قاسيًا على نفسي.

جبران: كنت تطلب منها أن تعيش حياتين: حياتها الحقيقية، وحياة أخرى صنعتها من أخبار الناس وصورهم وأحلامك القديمة.

حكيم: وماذا أفعل بتلك الحياة الثانية؟

جبران: لا تحرقها كلها. انظر إليها جيدًا. ربما فيها رغبات حقيقية تستحق أن تسعى إليها، وربما فيها أشياء أردتها فقط لأن الآخرين أرادوها.

حكيم: وأنت، ماذا كنت ستفعل لو عدت إلى الحياة؟

جبران: (ينظر إلى السماء)

ربما كنت سأرسم أكثر.

وربما كنت سأقول لبعض الناس إنني أحبهم قبل فوات الأوان.

وربما كنت سأعتني بجسدي أكثر.

حكيم: ولا شيء عن الكتب والشهرة والخلود؟

جبران: (مبتسمًا)

أما زلت تظن أن الشهرة تستطيع أن تحضن إنسانًا في ليلة باردة؟

يضحك حكيم ضحكة خفيفة، ثم يسعل ويضم معطفه إلى صدره.

جبران: والآن أخبرني، لماذا لا تعود إلى البيت؟

حكيم: لأن الأسئلة ستعود معي.

جبران: بالطبع.

حكيم: ولن أجد إجاباتها.

جبران: ربما ليس اليوم.

حكيم: وهل أستطيع أن أعيش دون إجابات؟

جبران: لقد كنت تفعل ذلك منذ ثلاثين سنة.

حكيم: لكنني تعبت.

جبران: إذن ارتح.

حكيم: بهذه البساطة؟

جبران: ليست الراحة بسيطة لمن جعل من التفكير واجبًا لا ينتهي.

حكيم: وماذا عن الله؟ والعدل؟ والحروب؟ والفقر؟ والتربية؟ والناس الذين يتألمون؟ كيف أرتاح والعالم مليء بكل هذا؟

جبران: وهل تعتقد أن العالم سيصبح أكثر عدلًا إذا حرمت نفسك من النوم؟

حكيم: لا.

جبران: وهل ستساعد طفلًا محرومًا إذا أمضيت الليل كله تلوم نفسك لأنك لا تستطيع مساعدة جميع الأطفال؟

حكيم: لا أظن.

جبران: إذن ابدأ بما تستطيع.

اقرأ. اكتب. علّم. ساعد من تستطيع مساعدته. واسمح للآخرين أن يساعدوك أيضًا.

لا تجعل حبك للعالم سببًا في كراهيتك لحياتك.

حكيم: لكنني لا أستطيع تغيير العالم.

جبران: ليس عليك أن تحمل العالم كله كي تكون إنسانًا صالحًا.

يسود الصمت. تمر دقيقة لا يسمع فيها إلا المطر المتساقط من الأوراق. ثم يخرج حكيم دفتره الصغير، ويمسك القلم بصعوبة بسبب البرد.

جبران: ماذا تفعل؟

حكيم: أريد أن أكتب شيئًا.

جبران: ماذا؟

حكيم: لا أعرف بعد.

يكتب حكيم جملة ثم يقرأها بصوت خافت.

حكيم:

«ذهبت اليوم إلى الحديقة لأبحث عن رجل مات منذ زمن، فوجدت رجلًا حيًا كنت قد نسيته.»

جبران: ومن هو؟

حكيم: (يرفع رأسه)

أنا.

ينظر جبران إليه طويلًا، ثم يبتسم. يبدأ الضوء في الانخفاض. يظهر خلف الأشجار شيء من ضوء الغروب، بينما لا تزال السماء رمادية.

حكيم: أيمكننا أن نلتقي مرة أخرى؟

جبران: لا أعرف.

حكيم: لم أسألك عن كل شيء.

جبران: ولن تستطيع أن تسأل عن كل شيء.

حكيم: لكن لدي أسئلة كثيرة عن الموت، وعن الله، وعن الروح...

جبران: احتفظ ببعضها للغد.

حكيم: وهل سأجدك غدًا هنا؟

جبران: ربما تجد شخصًا آخر.

حكيم: من؟

جبران: صديقًا. طبيبًا. امرأة تحبها. طفلًا يسألك عن معنى كلمة. أو نفسك، حين تكون أقل حزنًا.

كل هؤلاء قد يعلمونك أشياء لا تجدها في كتبي.

ينهض جبران ويتجه ببطء نحو الممر.

حكيم: جبران!

يتوقف دون أن يلتفت.

حكيم: سؤال أخير.

جبران: تفضل.

حكيم: هل أنت حقيقي؟

يلتفت جبران. ينظر إلى حكيم، ثم إلى الدفتر المبلل في يده.

جبران: وهل سيختلف ما ستفعله غدًا إذا كنت مجرد خيال؟

لا يجيب حكيم. يبدأ جبران في الابتعاد بين الأشجار. يحاول حكيم أن يراه، لكن الضباب والمطر يحجبان الممر شيئًا فشيئًا.

حكيم: (بصوت مرتفع)

شكرًا يا جبران!

لا يأتيه جواب.

ينظر حكيم إلى هاتفه المغلق. يتردد لحظة، ثم يشغله. تضيء الشاشة وجهه المتعب. يفتح قائمة الأسماء ويقف طويلًا عند اسم شخص يعرف أنه يستطيع أن يحدثه.

يتصل.

حكيم: ألو...

نعم، أنا حكيم.

لا، لا شيء خطير.

أنا في فيلا هاريس.

تبللت كثيرًا، وأشعر ببرد شديد.

(يصمت ليستمع)

نعم، سأعود إلى البيت.

لكن...

(يتردد)

هل يمكننا أن نلتقي غدًا؟

أحتاج أن أتحدث مع أحد.

يصمت ويستمع إلى الجواب. ترتسم على وجهه ابتسامة صغيرة، مرهقة، لكنها حقيقية.

حكيم: شكرًا.

شكرًا كثيرًا.

يغلق الهاتف. يضع الدفتر في جيبه، ثم يبدأ المشي باتجاه بوابة الحديقة.

قبل أن يغادر، يتوقف وينظر خلفه إلى المقعد الذي كان يجلس عليه مع جبران.

حكيم: (لنفسه)

غريب...

لقد جئت لأتحدث إلى الموتى، فإذا بي أشتاق إلى الأحياء.

يمضي نحو البوابة.

المطر لم يتوقف. والأسئلة لم تختف. والمرض لم يرحل. ولم يصبح حكيم ناجحًا أو غنيًا أو سعيدًا فجأة.

لكنه هذه المرة لم يعد يريد أن يقضي الليل كله وحيدًا.

تُظلم الخشبة تدريجيًا، ويبقى صوت المطر لحظات، ثم ينقطع.

ستار


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى