آخر ما نشر كارل!

لم يحدث ما يستحق توقف العالم

تمر أيامي يا نورة كأنها حلقات معادة من برنامج تلفزيوني ممل، يشاهده الناس كل مساء، لا لأنهم يحبونه، ولكن لأن الملك لا يحب الجديد، ولأن وزير الثقافة مقتنع بأن التغيير مؤامرة خارجية، ولأن الشعب، بعد سنوات طويلة من مشاهدة الحلقة نفسها، أصبح يخاف أن يموت أحد الممثلين فيضطر إلى تعلّم أسماء جديدة. تمر أيامي كأيام جدة عجوز أنجبت من الأولاد ما يكفي لتأسيس قبيلة، ثم أنجب أولادها من الأحفاد ما يكفي لتأسيس دولة، فأصبحت تنادي الجميع باسم واحد، لا لأنها فقدت ذاكرتها، بل لأنها اكتشفت متأخرة أن الأسماء لا تغيّر كثيرًا من حقيقة البشر، وأن الطفل الذي يبكي لأنه جائع لا يختلف كثيرًا عن الرجل الذي يبكي لأنه عاش أكثر مما يجب في انتظار شيء لا يأتي.

تمر أيامي كالسجن الذي خُصّص لأولئك الذين ارتكبوا جرائم دفاعًا عن ذاكرتهم، الذين رفضوا أن ينسوا ما طلب منهم القاضي نسيانه، والذين احتفظوا برسائل قديمة وصور ناقصة وأسماء نساء لم يعد لهن وجود إلا في هواتف معطلة وقلوب ترفض تحديث أنظمتها. وهل تعرفين كيف تمر أيامي أيضًا؟ تمر يا نورة كأنها محاولات انتحار رمزية يقوم بها رجل حكمت عليه الآلهة بالخلود؛ كلما حاول أن ينهي يومه اكتشف أن الغد ينتظره عند الباب، يحمل إليه الجريدة نفسها، والطقس نفسه، والكوب نفسه، ويسأله بابتسامة موظف في مصلحة الضرائب: هل لديك اعتراض على استمرار الحياة؟ ولأنني مواطن يحترم القوانين، أقول له: لا. ثم أدخل لأعيش يومًا آخر لا أعرف بالضبط ما الذي ينبغي فعله به.

أحاول ألّا أتذكرك. وهذه، بالمناسبة، وظيفة شاقة جدًا، كان ينبغي أن تمنحني الدولة عنها راتبًا وتعويضًا عن الأخطار المهنية. أحاول أن أستيقظ صباحًا دون أن يخطر اسمك ببالي. أن أشرب قهوتي مثل الرجال الطبيعيين الذين يشربون القهوة من أجل الكافيين، لا من أجل استحضار امرأة كانت تقول شيئًا عابرًا فيصبح ذلك الشيء، بعد سنوات، أهم من جميع الخطب التي ألقاها رؤساء العالم. أحاول أن أنساك بطريقة علمية، منظمة، خاضعة لقوانين العقل. أقول لنفسي إن الذاكرة ليست مقدسة، وإن الدماغ مجرد عضو بيولوجي يمكن تدريبه على اكتساب عادات جديدة، وإن ملايين البشر أحبوا ثم نسوا، وإن الحضارة الإنسانية لم تتوقف لأن امرأة لم تعد تحب رجلًا، أو لأن رجلًا لم يتعلم كيف يتوقف عن حب امرأة.

لكن دماغي، يا نورة، يبدو أنه من أنصار الملك الذي لا يحب الجديد. كلما قدمت إليه مشروع إصلاح عاطفي، رفضه بأغلبية ساحقة. وكلما حاولت إقناعه بأن العالم واسع، وأن النساء كثيرات، وأن الحب ليس احتكارًا تجاريًا تمنحه امرأة واحدة لرجل واحد، أعاد إليّ ملفك القديم، وقال لي إن المؤسسة ليست مستعدة في الوقت الراهن لاستقبال طلبات جديدة. وأنا، كما تعلمين، لا أملك نفوذًا داخل هذه المؤسسة. أنا مجرد موظف صغير فيها، يتقاضى راتبه من الحنين، وينفقه كاملًا على أشياء لا تحدث.

فكرت أحيانًا أن أتعرف إلى امرأة أخرى. امرأة لا تعرفك، ولا تعرف شيئًا عن تاريخي، امرأة تأتي إلى حياتي كبلد جديد لم يسبق لي أن خسرت فيه حربًا. قد تكون جميلة، ذكية، تحب القراءة، أو تكرهها، تطهو جيدًا أو تحرق البيض، تتحدث كثيرًا أو تستمتع بالصمت. قد تكون أكثر ملاءمة لي منك، وأكثر حضورًا، وربما أكثر قدرة على محبتي. وقد أجد نفسي أمامها في مقهى جميل، وأطلب قهوتين، وأبدأ أداء ذلك الدور الاجتماعي المعروف باسم التعارف. سأسألها عن عملها، وعن الكتب التي تحبها، وعن رأيها في السفر، وعن الموسيقى التي تسمعها عندما تشعر بالحزن. وسأهز رأسي باهتمام بالغ، كما يفعل الرجال الذين يريدون إقناع النساء بأنهم يفهمون الحياة. ثم ستسألني، في لحظة ما، إن كنت قد أحببت من قبل. وهنا ستبدأ الكارثة الإدارية.

ليس لأنني سأذكر اسمك، بل لأن عليّ أن أقرر هل أجيبها بصدق فأفسد بداية قصة لم تبدأ بعد، أم أكذب عليها وأقول إنني رجل تجاوز ماضيه، وإن قلبي نظيف ومستعد للاستعمال، وإنه خرج مؤخرًا من ورشة الصيانة وقد جرى تغيير جميع القطع المتضررة. وأخشى أن أختار الكذب. ليس لأنني رجل سيئ، بل لأن الإنسان أحيانًا يكذب عندما يعجز عن تقديم الحقيقة دون أن يبدو مثيرًا للشفقة. سأقول لها إنني مستعد لعلاقة جديدة، لكن قلبي، ذلك الموظف الفاسد الذي لا يحترم قرارات الإدارة، سيفضحني عند أول تفصيل صغير. قد تضحك بطريقة تشبه ضحكتك، فأحزن. وقد تقول جملة كنت تقولينها، فأصمت. وقد تناديني باسمي فلا أجيب، لأن جزءًا مني كان ينتظر أن يسمعه بصوت آخر.

وستكون تلك المرأة بريئة تمامًا من جريمة لم ترتكبها. لهذا لا أريد أن أدخل حياة أحد وأنا أحمل في جيبي مفتاح بيت لم أعد أسكنه. لا أريد أن أجعل امرأة جديدة تدفع ثمن امرأة قديمة، ولا أن أستعمل قلب إنسانة محترمة كمستشفى ميداني لمعركة انتهت منذ زمن. فهذا ظلم لا يليق بالحب، وربما لا يليق حتى بالهزيمة.

أنت تعرفين أنني لست من الرجال الذين يجيدون جمع قصتين في قصة واحدة. وأنا لا أقول ذلك باعتزاز أخلاقي، فليس لديّ ما يكفي من الفضائل لأتباهى بإحداها. إنها ببساطة مشكلة في كفاءتي العاطفية. هناك رجال يستطيعون أن يحبوا امرأتين وثلاثًا، وأن يوزعوا الوعود بعدل نسبي، وأن يديروا الحنين كما يدير رجل أعمال ناجح شركاته المتعددة. يخصص لكل امرأة يومًا، ولكل ذكرى مناسبة، ولكل كذبة تفسيرًا مقنعًا. وقد ينجحون فعلًا. وأنا لا أحتقرهم، بل أشعر أحيانًا بالغيرة من مهاراتهم التنظيمية. أما أنا، فلا أستطيع أن أجمع بين قصتين دون أن أضيّع الشخصيات، وأخلط الحوارات، وأجد نفسي في النهاية أعتذر لامرأة عن شيء لم أفعله معها، وإنما فعلته في خيالي مع امرأة أخرى. أنا رجل محدود الإمكانيات يا نورة. أعرف كيف أحب شخصًا واحدًا في كل مرة. والمشكلة أن هذه المرة طالت أكثر مما كان متوقعًا.

أما أنت، فربما كان الأمر مختلفًا. ربما وجدتِ في حياتك متسعًا لقصص لا أعرفها. ربما هناك رجل تحبينه، ورجل أحببته، ورجل تحتفظين به في قائمة الانتظار، ليس لأنك قاسية، بل لأن البشر، كما اكتشفت، يخافون إغلاق الأبواب نهائيًا، حتى عندما لا يريدون عبورها. وربما كنت أنا ذلك الرجل الذي نقلته الحياة من قائمة الأحباء إلى قائمة المعارف، ثم إلى قائمة الذكريات، ثم إلى ذلك الركن الغامض الذي نضع فيه الأشياء التي لا نحتاجها، لكننا نستحي من رميها. وربما لا شيء من هذا صحيح. ربما أكون قد بالغت في تفسير صمتك كما يفعل الشعراء السيئون حين يحاولون تحويل غياب الرد إلى موقف فلسفي.

وربما تعيشين ببساطة. تستيقظين، تعملين، تضحكين، تأكلين، تتعبين، تنامين، وتستقبلين الأيام دون أن تشعري بضرورة تقديم تفسير رسمي لماضيك. وهذا حقك الكامل. فليس مطلوبًا منك أن تظلي حزينة كي يصدق أحد أن شيئًا جميلًا قد حدث بيننا. وليس مطلوبًا منك أن تؤجلي حياتك احترامًا لرجل تأخر في فهم نهاية قصة. وأنا، رغم كل المبالغات التي أكتبها، أعرف هذا جيدًا. أعرف أن الحب لا يمنحنا حق الملكية، وأن الذاكرة ليست عقدًا قانونيًا، وأن الشخص الذي أحببناه يومًا لا يصبح مدينًا لنا بسعادته إلى الأبد.

لكن المعرفة شيء، والقدرة على التصرف وفقًا لها شيء آخر. فنحن البشر، يا نورة، نعرف أشياء كثيرة لا نطبقها. نعرف أن الموت حقيقة، ثم نفاجأ به. ونعرف أن العمر قصير، ثم نضيّع نصفه في الاجتماعات. ونعرف أن الحب لا يُفرض، ثم نقضي سنوات نتساءل لماذا لم يخترنا من اخترناه. والمضحك أننا نسمي كل ذلك نضجًا.

أشعر بالضجر يا نورة. لا ذلك الضجر الصغير الذي يعالجه فيلم جيد أو نزهة في مدينة أخرى. إنه ضجر يشبه إقامة طويلة في غرفة انتظار لا نعرف لمن تنتمي، ولا متى سيصل الطبيب، ولا ما المرض الذي جئنا أصلًا لنعالجه. كان بإمكاني أن أذهب إلى النادي الرياضي، أن أشتري حذاء جديدًا، وأن أركض فوق آلة كهربائية، وأن أقطع خمسة كيلومترات دون أن أغادر مكاني، ثم أعود إلى البيت مقتنعًا بأنني تقدمت في الحياة. أعتقد أن تلك الآلة هي الاختراع الأكثر صدقًا في عصرنا. إنها تمنح الإنسان إحساس الحركة دون أن تجبره على تغيير وجهته. وما أكثر الذين يعيشون هكذا.

كان بإمكاني أيضًا أن ألتقي بزملاء العمل. أن نجلس في مقهى، نتحدث عن المدير، وعن الأسعار، وعن أحوال البلاد، وعن زميل نكرهه جميعًا رغم أننا لا نعرف لماذا. أن نضحك على نكتة رديئة، وأن نكررها لأننا ضحكنا عليها في الأسبوع الماضي، وأن نعود إلى بيوتنا ونحن نشعر بأننا مارسنا نشاطًا اجتماعيًا مفيدًا. وقد أتصل بأمي، فتسألني إن كنت آكل جيدًا، وإن كنت أنام مبكرًا، وإن كنت أرتدي ما يحميني من البرد، ثم تدعو لي بأن يرزقني الله راحة البال. وأنا أعرف أن دعاء أمي صادق، لكنني أخشى أن يستجيب الله لها بطريقة لم أفكر فيها، فيمنحني القدرة على نسيانك، فأكتشف أنني أمضيت كل تلك السنوات أدافع عن شيء كان ينبغي أن أتركه يرحل.

وقد أتصل بأبي. سيحدثني عن الحياة، وعن ضرورة الصبر، وعن أن الرجل لا ينبغي له أن يقف طويلًا عند ما فاته، وأن الدنيا لا تنتظر أحدًا. وسيكون محقًا على الأرجح. الآباء محقون غالبًا في الأشياء التي لا نستطيع فعلها. ثم سيغير الموضوع ليسألني عن العمل، وسأجيبه بأن العمل بخير، مع أنني لا أعرف ماذا تعني هذه الجملة بالضبط. فالعمل لا يكون بخير ولا بسوء. العمل مجرد مكان نذهب إليه كي ندفع إيجار المكان الذي نعود إليه لنتعافى من العمل. وبين المكانين نستهلك أعمارنا، ونشتري الخبز، ونفكر أحيانًا في الحب.

ويمكنني، طبعًا، أن أدخل إلى فيسبوك. ذلك السوق العظيم الذي يعرض فيه البشر أفضل نسخهم، ويخفون في المخازن كل ما لا يصلح للتصوير. سأجد رجالًا سعداء أمام سيارات لا يملكونها، ونساء يكتبن عن الاستقلال العاطفي ثم ينتظرن رسالة من رجل لا يرد، وأزواجًا يتبادلون عبارات الحب أمام الجمهور ثم يتخاصمون في المطبخ حول من نسي شراء الحليب. وسأجد حكمًا عن النسيان. كثيرًا من الحكم. من نوع: «لا تتمسك بمن لا يتمسك بك»، أو: «أغلق باب الماضي وافتح نافذة المستقبل». وكأن القلب شقة تحتاج إلى تهوية، وكأن الذاكرة حقيبة يمكن إفراغها على الأرض، ثم إعادة ترتيبها حسب الفصول.

وسأجد أصدقاء يقترحون عليّ التعرف إلى نساء جديدات، والخروج أكثر، والضحك أكثر، والتفكير أقل. وهي نصائح ممتازة، لا أنكر ذلك، لكنها تشبه أن تقول لرجل فقد طريقه إلى البيت: لماذا لا تشتري سيارة أسرع؟ المشكلة ليست في السرعة يا نورة. المشكلة في الوجهة.

ومع ذلك، لا أريد أن أبدو رجلًا يصنع من حزنه مهنة. فأنا لا أحب أولئك الذين يحولون جراحهم إلى شهادات تفوق أخلاقي، ثم يطوفون بها على الناس مطالبين بالتصفيق. ولا أريد أن أكون من الرجال الذين يعتقدون أن معاناتهم دليل على أن النساء اللواتي لم يخترنهم قد أخطأن في حق التاريخ. قد أكون أحببتك أكثر مما كان مناسبًا لي، وقد تكونين أحببتني أقل مما تمنيت، وقد نكون ببساطة شخصين صادف أن التقيا في وقت لم يكن فيه أحدهما قادرًا على أن يمنح الآخر ما ينتظره.

وهذا يحدث، بل يحدث أكثر مما تعترف به الروايات. فالحياة ليست عادلة بالقدر الذي يجعل كل حب عميق متبادلًا، ولا سخية بالقدر الذي يمنح كل قصة نهاية تستحقها. أحيانًا نحب إنسانًا صالحًا، لكنه ليس صالحًا لنا. وأحيانًا نلتقي بمن يفهمنا، لكنه لا يستطيع البقاء. وأحيانًا يرحل شخص دون أن يكون شريرًا، ويبقى آخر دون أن يكون بطلًا. وهذا، في رأيي، أكثر ما يجعل الحياة صعبة.

لو كنتِ امرأة سيئة يا نورة، لكان نسيانك أسهل. كنت سأستطيع أن أكرهك، وأن أؤلف ضدك خطابًا متماسكًا، وأن أخرج من القصة مقتنعًا بأنني الضحية المحترمة في مواجهة الشر المطلق. لكن المشكلة أنك إنسانة. وهذه صفة مزعجة جدًا بالنسبة لمن يريد أن يكره أحدًا. لك أسبابك التي لا أعرفها، ومخاوفك التي لا أراها، وذكرياتك التي لا تخصني، وحقك في أن تتغيري دون أن تطلبي الإذن من الرجل الذي عرفك في زمن سابق. وأنا أحترم هذا كله، حتى عندما لا أفهمه، بل ربما لأنني لا أفهمه.

أحيانًا أتساءل: هل أشتاق إليك فعلًا، أم أشتاق إلى الرجل الذي كنت عليه حين كنت أحبك؟ هذا سؤال مزعج، لأنه يشكك في الرواية الوحيدة التي أعرف كيف أحكيها عن نفسي. ربما لا أفتقد صوتك وحده، بل أفتقد تلك القدرة القديمة على أن أستيقظ وفي داخلي شيء يستحق الانتظار. ربما أفتقد حماستي حين كان اتصال هاتفي صغير قادرًا على تغيير مزاج يوم كامل، وحين كانت رسالة قصيرة تمنحني من السعادة ما لا تمنحني إياه الآن ترقية مهنية أو رحلة إلى بلد جميل. وربما أفتقد سذاجتي، تلك السذاجة النبيلة التي تجعل الإنسان يعتقد أن العثور على شخص يحبه يعني أنه انتهى أخيرًا من البحث عن معنى لحياته.

كم كنا أغبياء، نحن الذين أحببنا بجدية. كنا نقرأ كلمة «دائمًا» كما لو أنها مدة زمنية حقيقية، ونستعمل كلمة «أبدًا» دون أن نستشير علماء الفيزياء، ونعتقد أن المستقبل شيء يمكن حجزه مسبقًا باتفاق بين شخصين، مثل غرفة في فندق مطل على البحر. ثم يأتي المستقبل نفسه، دون أن يحترم الحجز، ويخبرنا أن الغرفة منحت لنزلاء آخرين.

لكنني، رغم كل هذا، لا أندم على معرفتك. وهذه ليست مجاملة، ولا محاولة أخيرة لاستعادة إعجابك. إنها فقط الحقيقة التي أستطيع قولها دون أن أحتاج إلى الدفاع عنها. لقد كنتِ جزءًا جميلًا من حياتي، حتى لو لم تستمر تلك الحياة في الاتجاه الذي تخيلته. وأنا لا أريد أن أفسد جمال ما حدث لأنني لم أحصل على ما تمنيت بعده. فليس من العدل أن نحاكم البداية بسبب النهاية، ولا أن نعلن أن الحب كان كذبة لمجرد أنه لم يتحول إلى إقامة دائمة.

كانت هناك لحظات حقيقية، وضحكات حقيقية، وتفاصيل صغيرة لا يعرفها سوانا، وربما لم تعودي تتذكرينها، لكنها كانت في وقتها كافية لأن تجعل العالم أقل قبحًا. وهذا ليس قليلًا. في عالم يبيعنا كل يوم مئات الأشياء التي لا نحتاجها، ويقنعنا بأن السعادة منتج يمكن اقتناؤه، يكفي أحيانًا أن يعطينا إنسان لحظة صادقة دون أن يطلب مقابلًا. وقد أعطيتِني من تلك اللحظات ما يكفي لأعرف أنني عشت شيئًا جميلًا، لا ما يكفي لأطالبك بالبقاء.

تعرفين ما الذي يزعجني أكثر من غيابك؟ أن الحياة لم تتوقف. كان هذا تصرفًا غير لائق منها، في رأيي. كان ينبغي، على الأقل، أن تؤجل بعض أنشطتها، أن تتوقف الساعة ساعة واحدة احترامًا لما حدث، أن تعلن نشرات الأخبار أن رجلًا فقد امرأة أحبها، وأن الجهات المختصة تدرس حاليًا أسباب استمرار الأرض في الدوران. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. استيقظ الناس في الصباح، وفتحت المخابز أبوابها، وارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية، وتخاصم رجل مع زوجته حول مصروف البيت، ووصل موظف متأخرًا إلى العمل، وولد طفل في مكان ما، لا يعرف شيئًا عنك ولا عني، وسيكبر غالبًا ليقع في الحب ويعتقد، كما اعتقدت أنا، أنه أول إنسان يكتشف هذه الكارثة الجميلة.

أما أنا، فاضطررت إلى المشاركة في العالم. اشتريت الخبز، ودفعت الفواتير، وأجبت عن الرسائل المهنية، وقلت «صباح الخير» لأشخاص لا أعرف إن كانوا بخير فعلًا، وأديت جميع واجبات المواطن الذي لم تحدث له مأساة تستحق الإعفاء الضريبي. وهنا اكتشفت حقيقة قاسية ومضحكة: أن الإنسان يمكنه أن يكون حزينًا جدًا، وأن يواصل مع ذلك القيام بأعمال عادية جدًا. وهذا هو الشكل الأكثر شيوعًا للمأساة. ليس الصراخ، ولا الانهيار، بل أن تحمل داخلك شيئًا ثقيلًا، ثم يسألك أحدهم في العمل إن كنت قد أرسلت الملف المطلوب، فتجيبه: نعم، أرسلته صباحًا.

لا أخاف الوحدة يا نورة. أو لعلني أخافها قليلًا، لكنني لم أعد أخجل من الاعتراف بذلك. فالإنسان الذي يقول إنه لا يخاف شيئًا إما كاذب، وإما لم يفهم بعد ما الذي يمكن أن تفعله به الحياة. لكنني لا أريد أن أهرب من وحدتي إلى حياة شخص آخر، ولا أن أبحث عن امرأة فقط كي لا أضطر إلى تناول العشاء وحدي، ولا أن أوزع وعود الحب كما توزع المؤسسات المنشورات الإعلانية، لمجرد أن عليّ إثبات قدرتي على الاستمرار.

أستطيع أن أبقى وحدي. أستطيع أن أطبخ لنفسي، وأن أنسى الملح، وأن أضحك على فشلي في إعداد عشاء محترم. أستطيع أن أقرأ كتابًا سيئًا وأكمله بدافع العناد. أستطيع أن أذهب إلى مدينة لا يعرفني فيها أحد، وأن أمشي طويلًا بين غرباء لا يهمهم إن كنت أحببت امرأة اسمها نورة أو لم أحب في حياتي أحدًا. وقد أتعلم يومًا أن أجلس في مقهى دون أن أراقب الباب، وأن أستمع إلى أغنية جميلة دون أن أبحث عن اسمك داخل كلماتها، وأن أرى امرأة تشبهك فلا أشعر بأن الذاكرة نصبت لي كمينًا.

وربما سأحب من جديد. لا أعرف. ولست مستعدًا لإعلان وفاة الحب أو التقاعد منه مبكرًا. لكنني أعرف أنني، إن فعلت، أريد أن أحب امرأة من أجلها هي، لا لأنها جاءت متأخرة لملء فراغ تركته امرأة أخرى. أريد أن يكون الحب القادم، إن جاء، بداية حقيقية، لا مجرد محاولة فاشلة لتصحيح الماضي.

أحيانًا أفكر أنك ربما ستقرئين هذه الرسالة وتبتسمين. ربما ستقولين إنني لم أتغير، وإنني ما زلت أستطيع تحويل شعور بسيط إلى تقرير طويل عن انهيار الحضارة الإنسانية. وربما ستملّين قبل الوصول إلى النهاية. ولن ألومك. فأنا نفسي أشعر أحيانًا بالملل من هذا الرجل الذي يسكن رأسي، والذي يستطيع أن يحوّل تأخر الحافلة إلى تأمل فلسفي في عبثية الانتظار. وقد لا تقرئين الرسالة أصلًا. وربما تكون هذه أفضل نهاية لها. أن أكتب دون أن أطالبك بالقراءة، وأن أقول دون أن أطالبك بالإجابة، وأن أعترف دون أن أجعل الاعتراف وسيلة لاستدرار العطف.

فأنا لا أريد شفقتك يا نورة. الشفقة، في العلاقات، تشبه الطعام الذي تقدمه المطاعم قبل إغلاق أبوابها: قد يسد الجوع قليلًا، لكنه لا يمنح الإنسان شعور الضيافة. وأنا لا أريد أن أكون ضيفًا ثقيلًا على ذاكرتك، ولا رجلًا تحتفظين برقمه فقط لأن حذفه يبدو لك تصرفًا قاسيًا. إذا تذكرتني يومًا، أتمنى أن يكون ذلك لأن شيئًا جميلًا مر بخاطرك، لا لأنك تشعرين بالذنب.

تخطر لي أحيانًا فكرة أخرى. ماذا لو كان الإنسان لا يتعذب بسبب ما فقده، بل بسبب القصص التي لم تحدث؟ فنحن لا نحزن على الماضي وحده، نحزن أيضًا على المستقبل الذي اخترعناه ثم صدقناه، على البيوت التي لم نسكنها، وعلى المدن التي لم نسافر إليها معًا، وعلى الأحاديث التي لم تكتمل، وعلى السنوات التي تخيلناها أمامنا، ثم اكتشفنا أنها لم تكن موجودة خارج رؤوسنا. إننا نفقد أحيانًا أشياء لم نمتلكها قط. وهذا نوع غريب جدًا من الإفلاس. أن تكتشف أنك فقير بسبب ثروة خيالية كنت تعتقد أنها في حسابك.

ربما لهذا يبدو الحنين متعبًا. إنه لا يعيد إلينا ما حدث فقط، بل يعرض علينا، دون توقف، ما كان يمكن أن يحدث. وما كان يمكن أن يحدث، يا نورة، أكثر عددًا من نجوم السماء. لهذا يخسر الإنسان دائمًا أمام الاحتمالات.

ومع ذلك، فقد تعلمت شيئًا من غيابك. تعلمت أن ليس كل ما نعجز عن نسيانه ينبغي أن نستعيده، وأن بعض الأبواب تبقى جميلة لأنها أغلقت في وقت ما، لا لأنها تنتظر منا أن نكسر أقفالها. وتعلمت أن الحب يمكنه أن يظل محترمًا حتى عندما يفقد الأمل، وأن الإخلاص لا يعني الوقوف إلى الأبد أمام بيت شخص رحل، بل ربما يعني ألّا نشوه صورته ونحن نتعلم الطريق إلى بيوتنا.

لهذا لن أطلب منك العودة. لن أسألك إن كنت ما زلت تحبينني، ولن أضع أمامك هذا النص كفاتورة طويلة ينبغي تسديدها بالتفسير أو الاعتذار. ما حدث بيننا لا يحتاج إلى محكمة، ربما يحتاج فقط إلى ذاكرة أقل قسوة، وإلى شيء من التسامح مع النسخ القديمة منا، تلك النسخ التي أحبت باندفاع، ووعدت أكثر مما ينبغي، وتخيلت أن الحياة ستعاملها بلطف خاص لأنها كانت صادقة.

ها أنا الآن يا نورة، في نهاية يوم آخر. لم يحدث شيء استثنائي. لم يسقط نظام سياسي، ولم يعلن أحد اكتشاف كوكب جديد، ولم تصلني رسالة منك، ولم أتوقف عن الحياة. تناولت طعامي، وشربت قهوتي، وقرأت أشياء لا تهمني كثيرًا، وتظاهرت بالاهتمام بأخبار العالم، ثم وجدت نفسي أكتب إليك.

وربما سأفعل غدًا أشياء مختلفة. سأخرج للمشي، وسأزور صديقًا، وسأتصل بأمي وأستمع إلى دعائها كاملًا هذه المرة. سأحاول أن أكون أقل وفاءً لحزني، وأكثر وفاءً للحياة التي لم تنتهِ بعد. فقد بدأت أفهم، ولو متأخرًا، أن الإنسان لا يخون ذكرياته عندما يصبح سعيدًا، وأنه لا يحتاج إلى أن يبقى حزينًا كي يثبت أن حبه كان حقيقيًا.

وربما يأتي يوم أتذكرك فيه دون أن أشعر بأي حاجة إلى الكتابة. يوم أسمع فيه اسمك كما أسمع اسم مدينة زرتها منذ زمن بعيد. أبتسم، وأتذكر شارعًا جميلًا، ومقهى صغيرًا، وضوءًا على نافذة، ثم أواصل طريقي. لا لأن المدينة لم تكن جميلة، بل لأنني لم أعد مضطرًا إلى العيش فيها كي أصدق أنها كانت موجودة. وحتى يأتي ذلك اليوم، سأظل أتعلم كيف أعيش. لا من أجلك، ولا ضدك، بل من أجلي أنا. فقد تعبت قليلًا من أن أكون حارسًا لمتحف مغلق، وأريد أخيرًا أن أخرج إلى الشمس، حتى لو لم أجد هناك شيئًا يستحق أن أكتب عنه.

أما أنت يا نورة، فأتمنى أن تكوني بخير. ليس ذلك الخير الذي نتمناه لمن نريدهم أن يندموا على فراقنا، فيكتشفوا متأخرين أننا كنا أفضل ما حدث لهم، بل الخير العادي، البسيط، الذي لا يحتاج إلى جمهور. أن تنامي مطمئنة، وأن تجدي من يصغي إليك عندما تتعبين، وأن تضحكي من قلبك، لا لأن الصورة تحتاج إلى ابتسامة، وأن تختاري حياتك دون أن تحملي فوق كتفيك حزن رجل لم يعرف كيف يرتب ذاكرته.

وأن تكون لك أيام لا تشبه حلقات برنامج ممل. أما أنا، فسأحاول أن أقنع الملك الذي يسكن رأسي بالسماح ببعض البرامج الجديدة. وإذا رفض، سأكتب إليه عريضة. وإذا مزق العريضة، سأغير القناة. وإذا اكتشفت أن القنوات كلها تعرض الحلقة نفسها، فسأغلق التلفاز وأخرج. فلا يعقل يا نورة أن أمنح حياتي كلها لمسلسل انتهى، ثم أشكو من أن المخرج لم يكتب لي الدور الذي كنت أريده.

ربما لم أكن البطل، وربما لم تكوني البطلة. ربما كنا مجرد شخصين التقيا في مشهد جميل من فيلم طويل، ثم مضى كل واحد منهما إلى فصل آخر. وهذا لا يلغي جمال المشهد، ولا يمنح أحدنا حق تعديل سيناريو الآخر.

تصبحين على خير يا نورة. وأما أنا فسأحاول أن أنام، ليس لأنني نسيتك، ولا لأنني انتصرت أخيرًا على الذاكرة، بل لأن الساعة تأخرت، ولأنني اكتشفت بعد كل هذه الفلسفة أن عليّ أن أستيقظ باكرًا لأذهب إلى العمل.

وهذه، بالمناسبة، واحدة من أكثر الحقائق إهانة للرومانسية: أن يستطيع رجل أن يحب امرأة كل هذا الحب، وأن يكتب عن الغياب والخلود والموت والذاكرة، ثم يضطر في السابعة صباحًا إلى البحث عن جوربه الضائع.

لكن لا بأس. فلعل الحياة الحقيقية هي هذه بالضبط. أن نحمل في داخلنا مآسي بحجم الكون، ونواصل البحث عن الجورب الآخر. وأن نتعلم، ذات صباح، أن العثور عليه قد يكون سببًا صغيرًا وكافيًا للابتسام.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى