آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

اعترافات متأخرة: الرسالة الثانية

 كلما أخفيتُ سعادتي، عشتُها بصورة أصدق.

كلما أبقيتُها في داخلي، بعيدًا عن العيون والأسئلة والتفسيرات، شعرتُ بأنها تخصني حقًا؛ لا يستطيع أحد أن يلوّثها بحكم، أو ينتزع منها براءتها بتعليق ساخر، أو يحوّلها إلى مناسبة للمقارنة والغيرة والشك. أعيشها وحدي، دون أن يراني أو يسمعني أحد، حتى أولئك الذين يُفترض أنهم الأقرب إليّ، فتظل كاملة، هادئة، ومستدامة، كأن الأشياء الجميلة لا تحتاج دائمًا إلى شهود كي تصبح حقيقية.

لقد فهمت، بعد سنوات طويلة، أن السعادة التي نعرضها على الآخرين لا تعود إلينا كما كانت. ما إن نفتح لها نافذة حتى تدخل إليها أصوات كثيرة: من يسألنا لماذا نفرح، ومن يرى في فرحنا استفزازًا لحزنه، ومن يبحث فيه عن نقص ليطمئن إلى أنه ليس أقل منا، ومن يعجز ببساطة عن مشاركتنا الشعور الجميل. لذلك تعلمت ألا أضع كل ما يضيء في داخلي على طاولة مكشوفة، منتظرًا من الآخرين أن ينظروا إليه بعينيّ أنا.

نحن نعيش في عالم قلق وهش، عالم ممتلئ بأشخاص يخوضون حروبًا صامتة مع أنفسهم. بعضهم، حين يرى إنسانًا سعيدًا، لا يعرف كيف يفرح له؛ لأن سعادة الآخر توقظ فيه ما فقده، أو ما لم يستطع الوصول إليه. وحين لا يستطيع أن يصعد إلى تلك اللحظة، يحاول أن يسحب صاحبها إلى أسفل: بالنقد، وبالأحكام، وبالتقليل من شأن ما يشعر به، وأحيانًا بالسخرية المباشرة. لا أقول ذلك بوصفه فكرة قرأتُها في كتاب، ولا حكمة عابرة تصلح للنشر، بل أقوله بعد تجربة امتدت أكثر من عشر سنوات، دفعتُ خلالها ثمن سذاجتي وثقتي وانفتاحي.

كنت أظن أن الصداقة تعني أن أفتح الأبواب كلها. كنت أشارك أصدقائي فرحتي، وأسرار بهجتي، وأفكاري الصغيرة قبل الكبيرة، وأخبرهم بالأشياء التي تجعل قلبي أخفّ. كنت أظن أن الصديق لا يكتفي بالوجود عند الحزن، بل يعرف أيضًا كيف يقف إلى جوارك حين تكون سعيدًا، من دون أن ينافسك أو يحاكمك أو يبحث عن ثغرة في سعادتك. لكنني اكتشفت أن مشاركة الألم أسهل عند كثيرين من مشاركة الفرح؛ فالألم لا يهددهم، أما سعادتك فقد تجعلهم يراجعون حياتهم، ولهذا لا يعرف بعضهم كيف يستقبلها.

تخيّل أنني اليوم بلا صديق يقف إلى جانبي حقًا. لا أقول ذلك طلبًا للشفقة، ولا لأصنع من نفسي ضحية، بل لأنني وصلت متأخرًا إلى حقيقة كان ينبغي أن أفهمها منذ زمن: ليس كل من يسمعك يعرفك، وليس كل من يقترب منك يحفظك، وليس كل من تسميه صديقًا يستطيع أن يحتمل رؤيتك حرًا، ناجحًا، مطمئنًا أو سعيدًا. بعض العلاقات تعيش ما دمتَ تشرح نفسك، وتعتذر عن قوتك، وتخفي نورك كي لا يزعج عيونًا اعتادت العتمة.

أما العالم الافتراضي، فلم يعد بالنسبة إليّ فضاءً للمشاركة. لم تعد لديّ رغبة في نشر صورة كي أثبت أنني بخير، أو كتابة منشور أشرح فيه حالتي النفسية الجميلة. أشعر أحيانًا بأن مجرد إعلانك أنك سعيد قد يُفهم كما لو أنك تسيء إلى شخص حزين، أو تستعرض قوتك أمام شخص لم يتعلم بعد كيف يحمل ألمه. كأن المطلوب منك أن تخفّض صوت فرحتك احترامًا لضجيج اليأس، وأن تعتذر لأنك نجوت، أو لأنك استطعت أن تستخرج من أعماقك نسخة أقوى، أصلب، وأكثر قدرة على احتمال قسوة العالم.

لكنني لم أعد أعتذر عن نجاتي.

لم أصل إلى هذه الصلابة بسهولة. فكرت في كل شيء: في الانتحار، وفي المرض القاتل، وفي الجنون الحقيقي، وفي تلك اللحظة المرعبة التي يفقد فيها الإنسان السيطرة على عقله ولا يعود قادرًا على معرفة نفسه. عشت هذه السيناريوهات في رأسي، واحدًا بعد آخر، حتى كأنني مررت بها جميعًا من دون أن أموت. رأيت نهاياتي المحتملة، واقتربت من هوّتي الداخلية أكثر مما ينبغي، ثم اكتشفت، في النهاية، أنني لا أريد الموت بقدر ما كنت أريد أن يتوقف الألم، وأن ينتهي ذلك الصخب الذي تركه الآخرون في داخلي.

وحين ابتعدت، هدأ الصخب.

اكتشفت أن الوحدة ليست دائمًا عقوبة. قد تكون غرفة يستعيد الإنسان فيها صوته بعد أن أضاعه بين أصوات الآخرين. وقد تكون مساحة يعيد فيها ترتيب فوضاه، ويعرف ما يحبه فعلًا، بعيدًا عن طلب القبول وعن الخوف من الأحكام. في وحدتي لا أحتاج إلى تبرير نفسي، ولا إلى شرح مزاجي، ولا إلى إخفاء جنوني الجميل حتى أبدو طبيعيًا في عيون أحد. أكتب، وأفكر، وأصنع عالمي، وأعيش بالطريقة التي أستطيع احتمالها.

الكتابة هي الشيء الذي بقي لي حين سقطت أشياء كثيرة. هي المكان الذي لا يسألني لماذا أشعر، ولا يطالبني بأن أختصر ألمي كي لا يمل، ولا يسخر من فرحتي لأنها أكبر مما يتوقع. حين أكتب، لا أكون وحيدًا بالمعنى المؤلم؛ أكون برفقة نفسي كلها، برفقة النسخ التي كنتها، والأشخاص الذين فقدتهم، والأحلام التي نجت، والكلمات التي جاءت متأخرة لتنقذ ما يمكن إنقاذه.

أما نورة، فقد أحببتك بصدق، وكنت وفيًا لذلك الحب أكثر مما كان ينبغي. انتظرت أكثر من خمس سنوات، لا لأنني كنت عاجزًا عن الحياة، بل لأنني كنت أعتقد أن بعض الوعود تستحق الصبر، وأن الحب الجميل يستطيع أن ينتصر إذا وجد شخصين مستعدين للتضحية من أجله. لكنك اخترتِ طريقًا آخر؛ اخترتِ الزواج، واخترتِ الحياة التي بدت لك أهم من هذا الحب. وهذا حقك، كما أن من حقي أنا أن أتوقف أخيرًا عن انتظار ما لن يأتي.

لكن ما ليس مقبولًا بعد اليوم هو أن تعودي بين حين وآخر لتتحققي مما إذا كنت ما أزال أتألم، أو لأبقى حاضرًا على هامش حياتك شاهدًا على اختيارك وضحية له. سواء كان هذا هو قصدك أم لا، فهذا ما يفعله تواصلك بي: يعيد فتح باب أغلقتُه بصعوبة، ويستدعي إنسانًا لم أعد أريد أن أكونه. لذلك أقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: انتهى هذا العبث. لا أريد رسائل متقطعة، ولا اهتمامًا موسميًا، ولا عودة مؤقتة لا تحمل قرارًا ولا مستقبلًا. اخترتِ حياتك، وأنا الآن أختار حياتي. لن أبقى دليلًا على أن أحدًا أحبك يومًا إلى حد تدمير نفسه، ولن أمنحك أو أمنح الماضي سلطة جديدة على أيامي. ما كان بيننا انتهى، وما تبقى منه سأحمله وحدي حتى يهدأ، من دونك.

لا أكرهك، لكنني أحررك من قصتي وأحرر نفسي منك. لا أنتظر اعتذارًا، ولا تفسيرًا، ولا وعدًا آخر. أتمنى لك الحياة التي اخترتها، بعيدًا عني، وأطالب لنفسي بالمسافة نفسها: كاملة، واضحة ونهائية. هذه ليست محاولة أخيرة لاستعادتك؛ إنها المرة الأولى التي أستعيد فيها نفسي.

أنا الآن حر.

حر من الانتظار، ومن تفسير الصمت، ومن مراقبة الأبواب المغلقة. حر من الحاجة إلى أن يفهم الآخرون ما أشعر به، أو أن يصدقوا أنني سعيد، أو أن يمنحوني الإذن كي أعيش كما أريد. لم أعد أبحث عن شاهد على حياتي، ولا عن جمهور يصفق لفرحي، ولا عن شخص أعلّق عليه نجاتي.

كل ما أحبه الآن أن أكتب، وأن أعيش عالمي الداخلي كما أشاء؛ أن أقترب من جنوني من دون أن أسمح له بابتلاعي، وأن أحوّل الفوضى إلى لغة، والخسارات إلى معرفة، والوحدة إلى مساحة لا إلى قبر. صرت أحب العزلة لأنها أعادتني إليّ، لا لأنها أقنعتني بأن البشر جميعًا أعداء. وربما يأتي يوم أجد فيه إنسانًا يعرف كيف يقترب من دون أن يقتحم، وكيف يفرح من دون أن ينافس، وكيف يسمع من دون أن يحاكم. لكنني لن أبحث عنه على حساب سلامي، ولن أتنازل عن نفسي كي لا أبقى وحيدًا.

لقد عرفت أسوأ ما يمكن أن يفعله بي عقلي، ورأيت الطرق التي كان يمكن أن أنتهي عندها، ومع ذلك بقيت. وهذه حقيقة لا يستطيع أحد أن ينتزعها مني: بقيت.

أنا سعيد الآن، لا لأن العالم صار أقل قسوة، ولا لأن الماضي اختفى، بل لأنني توقفت عن تسليم مفاتيح روحي لكل من يقترب. سعيد لأنني تعلمت أن بعض الأفراح تنمو في الصمت، وأن الخصوصية ليست خوفًا، وأن الابتعاد قد يكون شكلًا من أشكال النجاة.

وإذا كان لا بد من الوحدة، فسأجعل منها حياة كاملة، لا غرفة انتظار.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى