آخر ما نشر كارل!

في انتظار حكيم

 ربما هذه هي نهايتي، أو هكذا يقنعني رأسي كل صباح، مع أنني أعرف جيدًا أنه ممثل بارع في المبالغة. ففي الأمس فقط، كنت مقتنعًا بأنني سأبدأ حياة جديدة، واليوم أنا مستعد لكتابة وصيتي لأنني لم أنهض من السرير قبل العاشرة.

أفقد السيطرة على نفسي يومًا بعد يوم، كأنني شمعة وُضعت في منتصف صيف الجنوب الشرقي، لا في غرفة هادئة كما ينبغي للشموع أن تعيش. تذوب بصمت، تحاول أن تحافظ على هيئتها، بينما الحرارة لا تكترث بمشاعرها أصلًا. والأسوأ من ذلك أن النهار لم يبلغ ذروته بعد.

ما زالت الشمس في منتصف دوامها، وكأنها موظفة حكومية تؤدي عملها بإخلاص نادر، أما أنا فأؤدي دوري كشمعة تظن أنها تستطيع التفاوض مع النار.

أتعجب، واندهش، وأحيانًا أضحك من نفسي. كيف يمكن لشاب مثلي، كبر في الجنوب الشرقي، بين جبال تعرف الصمت أكثر مما تعرف الضجيج، وفي بيت محافظ كانت الأشياء فيه واضحة إلى حد الملل؛ الحلال واضح، والحرام واضح، والواجب واضح، وحتى المستقبل كان يبدو كأنه مكتوب بقلم رصاص لا يمحى... كيف انتهى بي المطاف إلى هذا التيه الفاخر؟

لقد تربيت على أن لكل سؤال جوابًا، فإذا بي أكتشف أن الحياة تحب الأسئلة أكثر من الإجابات. وكلما حاولت أن أفهم نفسي، اكتشفت أنني أطرح السؤال الخطأ. ثم أغير السؤال، فأكتشف أنني الشخص الخطأ الذي يحاول الإجابة.

أبحث عن حكيم، لا ذلك الذي في بطاقة التعريف الوطنية، بل ذلك الكائن الذي يسكنني منذ سنوات ولا يريد أن يقدم نفسه. كلما ظننت أنني اقتربت منه، ترك لي رسالة مقتضبة تقول: "حاول مرة أخرى"، ثم يختفي كما لو أنه موظف في إدارة عمومية انتهى وقت استقباله للمواطنين.

أحيانًا أظن أن مشكلتي فكرية، فأفتح كتابًا فلسفيًا. وبعد عشر صفحات أكتشف أن الفيلسوف نفسه كان أكثر ضياعًا مني، لكنه امتلك موهبة استعمال كلمات طويلة جعلت الناس يظنون أنه يعرف الطريق. فأغلق الكتاب، وأشعر بأنني دفعت ثمنًا إضافيًا مقابل ضياعي.

ثم أقرر أن المشكلة نفسية. أراقب نومي، أكلي، مزاجي، تنفسي، وحتى عدد المرات التي أحدق فيها إلى السقف. أتعامل مع نفسي كأنني مشروع بحث أكاديمي، بينما الحقيقة أنني مجرد إنسان متعب يريد أن يتوقف رأسه عن التفكير لمدة نصف ساعة فقط.

وفي كل مرة أقرر أن أبدأ بداية جديدة، يسبقني الغد إليها. أستيقظ مثقلًا، بلا رغبة في شيء، وكأن الحياة تحولت إلى تطبيق يعمل في الخلفية ويستهلك كل طاقة البطارية، بينما الشاشة لا تعرض شيئًا يستحق المشاهدة.

الغريب أنني لا أكره الحياة، بل أحبها أكثر مما ينبغي. ربما لهذا السبب أطالبها دائمًا بأن تكون مفهومة، وهي ترفض ذلك بإصرار. تريدني أن أعيشها فقط، بينما أنا مصر على كتابة دليل استعمال لها قبل أن أضغط زر التشغيل.

صرت عاجزًا عن التمييز بين التناقضات التي تستحق المواجهة، وتلك التي هي جزء طبيعي من كوني إنسانًا. أريد أن أكون حرًا، لكنني أخاف الحرية. أريد الطمأنينة، لكنني أملّ منها بسرعة. أريد أن أقترب من الناس، ثم أبحث عن أول فرصة لأختبئ منهم. أريد النجاح، لكنني أخاف الثمن الذي يطلبه النجاح. أريد البساطة، ثم أعقد أبسط الأمور حتى يصبح إعداد فنجان قهوة مشروعًا وجوديًا يحتاج إلى مراجعة فلسفة الوجود.

لقد أصبحت حياتي مثل غرفة امتلأت بالمرايا. كل مرآة تعرض نسخة مختلفة مني، وكل نسخة تؤكد بثقة أنها الأصل، وأنا أقف في المنتصف كحارس متحف لا يعرف أي لوحة هي الحقيقية.

ولعل أكثر ما يخيفني ليس الضياع نفسه، بل اعتيادي عليه. أن يصبح هذا الضباب هو الطقس الرسمي لحياتي، وأن أتوقف يومًا عن البحث لأنني أقنعت نفسي أن الطريق غير موجود أصلًا.

ومع ذلك، ورغم كل هذا المسرح العبثي الذي يدور في رأسي، ما زال هناك جزء صغير، عنيد بصورة تدعو إلى السخرية، يرفض إعلان الهزيمة. جزء ينهض كل صباح، يشرب قهوته، ويتظاهر بأن الأمور ستتحسن، رغم أن الأدلة ضده أكثر من الأدلة معه. وربما هذا الجزء هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن أصدقه.

لذلك لا أعرف ماذا ينبغي أن أبدأ به. هل أصلح أفكاري أولًا؟ أم جسدي؟ أم أغير المدينة؟ أم أغير الكتب التي أقرأها؟ أم أتوقف، ولو ليوم واحد، عن محاولة تفسير نفسي كما لو أنني لغز تاريخي سيغيّر مصير البشرية؟

كل ما أعرفه أنني تعبت من محاكمة نفسي في كل مساء، ومن استجوابها في كل صباح، ومن مطالبتها بأن تكون نسخة مثالية لم توجد يومًا إلا في مخيلتي.

وربما... وربما فقط... ليست المشكلة أنني ضعت، بل أنني ما زلت أرفض الاعتراف بأن الطريق، في أغلب الأحيان، لا يظهر إلا لمن يكف قليلًا عن الركض وراءه…

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")