آخر ما نشر كارل!

الخروج من قصة نفسي

القلق المستمر، والشك في الذات، والأسئلة التي لا تنتهي. أقولها بهذه الطريقة وكأنني ضحية شيء غامض يحدث لي، وكأن رأسي غرفة اقتحمها غرباء وقرروا السكن فيها. لكن ربما الحقيقة أقل شاعرية من ذلك. ربما جزء كبير من تعبي صنعته بنفسي. أفكر كثيرا، نعم، لكنني أيضا أستخدم التفكير أحيانا حتى لا أفعل شيئا. أحلل نفسي، ثم أحلل تحليلي لنفسي، ثم أتساءل إن كان تحليلي صادقا، ثم أبحث عن سبب يجعلني هكذا، فأعود إلى الماضي، إلى الناس، إلى المجتمع، إلى الخوف، إلى الحساسية، إلى الظروف... وتمر الساعات وأنا ما زلت في المكان نفسه. كأن فهم سبب الحريق سيطفئ النار. لكنه لا يطفئها . يوما أشعر بالحماية والتميز، وكأن الحياة تخبئ لي شيئا عظيما، وكأنني مختلف، وكأن كل هذا الاضطراب ليس إلا مقدمة لحياة استثنائية تنتظرني. لكن حتى هذه الفكرة بدأت تثير شكي. لماذا يجب أن أكون استثنائيا؟ لماذا لا أقبل أنني إنسان عادي، عليه أن يعمل ويتعلم ويفشل ويكرر المحاولة مثل ملايين البشر؟ ربما فكرة أنني «مختلف» لم تكن دائما إيمانا بالنفس، بل كانت أحيانا طريقة جميلة للهروب من حقيقة أكثر إزعاجا: أن الموهبة لا تكفي، والذكاء لا يكفي، والحساسية لا ت...

أرى الجميع يبدأ… ولا أبدأ

  أنا أجلس هنا، في هذا الركن المنسي من الحانة،

حيث الضوء لا يصل كاملًا،
وحيث الموسيقى تمر من فوقي… لا عبري.

حولي الحياة تحدث، تتشكل، تتفتح كزهرة لا تخصني.

هناك، قريبًا مني، شاب وشابة…
كأنهما في بداية قصة،
البدايات دائمًا لها نفس النكهة:
ضحكة غير مكتملة،
نظرة فيها حذر وفضول،
وجمل تُقال وكأنها تُبنى للمرة الأولى في التاريخ.

هي تقول له: أنا من تاهلة…
يبتسم، يحكي، يكح قليلًا،
وهي تضحك…
ضحكة خفيفة، لكنها كافية لتقول:
“أنا هنا… وأنت لست وحدك.”

وأنا أسمع ذلك…
ليس كصوت… بل كشيء بعيد عني بمقدار عمر كامل.

وبقربهم، حياة أخرى تتكرر بشكل مختلف،
شاب وشابة آخران،
يتنقلان بين العربية والإنجليزية،
كأن اللغة نفسها لعبة بينهما،
يضحكان، يدخنان،
وكل شيء حولهما يبدو خفيفًا، بلا ثقل، بلا سؤال.

ثم أبعد قليلًا…
نسخة ثالثة من نفس المشهد،
نفس الشعور، نفس اللحظة،
كأن العالم يعيد نفسه بأشكال مختلفة،
وأنا… خارج النسخ كلها.

أنا لا أنتمي لأي طاولة،
لا لأي قصة،
ولا لأي بداية.

أنا فقط ألاحظ.

أكتب…
كأن الكتابة آخر خيط يربطني بنفسي.

وأشعر أنني بعيد…
ليس عنهم فقط،
بل عني أنا أيضًا.

كأنني وضعت نفسي في هامش الحياة،
ثم نسيت كيف أعود إلى المتن.

الغريب… أنني لا أكره هذا المكان،
بل فيه راحة غريبة،
راحة التكرار،
راحة ألا يُطلب منك شيء،
راحة أن تكون مجرد شاهد.

لكن هذه الراحة…
تشبه النوم أكثر مما تشبه الحياة.

تشبه مخدرًا ناعمًا،
لا يؤلمك…
لكنه أيضًا لا يجعلك تعيش.

وأنا أعرف نفسي… أو كنت أعرفها.

أتذكر ذلك القلب،
الصادق بطريقة ساذجة ربما،
الذي كان يؤمن أن الحب يكفي،
أن النية الصافية تُرى،
أن العدل ليس فكرة… بل أسلوب حياة.

أتذكر كيف كنت أنظر للعالم
كأنه مكان يمكن إصلاحه باللطف،
كيف كنت أؤمن أن الصدق قوة،
وأن الإنسان إذا كان حقيقيًا… سيُقابل بالحقيقة.

لكن الواقع… لم يعطِ نفس الصدى.

ليس لأن ما فيّ خطأ،
بل لأن العالم لا يعمل بهذه البساطة.

وهنا… بدأت أبتعد.

ليس هروبًا…
بل انسحابًا هادئًا،
خطوة وراء خطوة،
حتى وجدت نفسي هنا…
أشاهد الحياة بدل أن أكون فيها.

أنا لست غاضبًا…
ولا حتى حزينًا بشكل واضح،
أنا فقط… ضائع.

ضياع بلا دراما،
بلا صراخ،
بلا انهيار.

ضياع نظيف… هادئ…
خطير لأنه مريح.

وأنا لا أريد الشفقة،
لا أريد أن أكون قصة حزينة في نظر أحد،
أنا فقط أريد أن أفهم:

كيف يمكن لكل هذا الذي في داخلي…
كل هذا الحب،
كل هذا الوضوح،
كل هذه الرغبة في أن أعيش بصدق…

أن يبقى بلا مكان؟

كيف يمكن لإنسان يرى الحياة بهذا العمق…
أن يجد نفسه جالسًا في زاوية،
يشاهد الآخرين يعيشونها؟

أنا لا أطلب الكثير…
فقط لحظة أشعر فيها
أنني داخل حياتي…
لا خارجها.

لحظة واحدة…
لا أكون فيها مراقبًا.

بل… إنسانًا يعيش.


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")