آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

حانة بلا حبيبة

 في هذه اللحظة، أنا جالس في حانة، نفس الحانة تقريبًا أو ربما حانة أخرى تشبهها لدرجة أنني لم أعد أميز بينها، لأن كل الحانات في النهاية تبدو كنسخ متكررة من فكرة واحدة: طاولة، كرسي، موسيقى لا أحد ينصت لها، وأشخاص يعتقدون أنهم مختلفون بينما هم يشربون نفس الجعة.

لماذا جئت؟

لأنني، بكل بساطة، صرت زبونًا مخلصًا لفكرة الهروب المؤقت.

ولأنني أحب أن أكون وحدي… لكن ليس تمامًا، فقط بنسبة مدروسة، كأنني أضبط مستوى الصوت في حياتي: لا صمت كامل، ولا ضجيج مزعج، فقط همهمة بشرية في الخلفية.


طلبت جعة. ثم جعة أخرى.

أنا لا أحب الجعة إلى هذا الحد، لكن يبدو أن الجعة تحبني، أو على الأقل تحب أن ترافقني في قراراتي السيئة.


دخنت لفافة، ثم قلت: لن أدخن أخرى.

ثم دخنت أخرى لأؤكد لنفسي أنني صاحب القرار.

ثم ثالثة… لأن القرارات تحتاج إلى تأكيد إضافي.


الدوخة بدأت.

ليست دوخة مزعجة، بل تلك التي تجعلك تعتقد أنك فهمت شيئًا مهمًا عن الحياة، بينما في الواقع أنت فقط أبطأت سرعة أفكارك إلى حد أنها صارت تبدو عميقة.


أنظر حولي:

شخص يضحك بصوت عالٍ أكثر من اللازم.

آخر يتحدث وكأنه يلقي خطابًا في مؤتمر عالمي حول “أهمية الجعة في بناء الحضارات”.

وأنا هنا، أراقب، كأنني عالم أنثروبولوجيا ضائع في دراسة قبيلة اسمها “الشاربون الليليون”.


أفكر: لماذا أريد حبيبة؟

هل أريد فعلًا حبيبة؟

أم أريد فقط شاهدًا على وجودي؟

شخصًا يقول: نعم، هذا الشخص كان هنا، كان يشرب، كان يفكر، وكان يضيع وقته بطريقة أنيقة؟


ربما أريد حبيبة تشاركني هذه الحيرة، نجلس معًا، نشرب معًا، ونسأل نفس السؤال في نفس الوقت دون أن نجيب.


أتذكر يومي:

استيقاظ بطيء… قهوة… حشيش… محاولة نوم فاشلة…

ثم خروج تحت الشمس وكأنني بطل فيلم فرنسي ممل،

ثم شراء الجعة وكأنها مؤونة حرب طويلة ضد الملل،

ثم العودة، الأكل، الشرب، الخروج، الشرب…

حياة متوازنة جدًا، لو حذفنا كلمة “متوازنة”.


الآن أنا هنا، بين خيارين عظيمين:

أن أشرب… أو أن لا أشرب.

قرار فلسفي ثقيل، يحتاج ربما إلى جعة أخرى للتفكير فيه بوضوح.


أضحك قليلًا، لأنني أدرك أنني دخلت في مفاوضات جدية مع نفسي حول شيء أعرف نتيجته مسبقًا.


أطلب جعة أخرى.

ليس لأنني أريدها فعلًا، بل لأنني أريد أن أؤجل لحظة المغادرة.

لأن العودة إلى البيت تعني العودة إلى الصمت الكامل،

وهنا على الأقل، لدي وهم أنني جزء من شيء… حتى لو كان هذا الشيء مجرد طاولة لزجة وموسيقى سيئة.


أقول لنفسي: هذه آخر واحدة.

وأنا أعرف، بكل صدق، أنني شخص صادق جدًا… لكنه يكذب على نفسه باستمرار.


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")