كأس و كلام
لستُ أزعم أنني حكيم، ولا أدّعي أنني صاحب كشفٍ عظيم، لكنني جلستُ طويلًا في الحانات، حتى صرتُ أعرف ترتيب الكراسي أكثر من ترتيب أفكاري، وأميّز بين أصوات الكؤوس كما يميّز الفلاسفة بين الوجود والعدم.
الحانة ليست مجرد مكان يُسكب فيه الشراب، بل هي مؤسسة غير مُعترف بها رسميًا، لها نظام داخلي أقوى من الدساتير، وقوانين غير مكتوبة أكثر صرامة من قوانين المحاكم. هناك، حيث تختلط الضحكات بالتنهيدات، وتُدار النقاشات العميقة على طاولة لزجة، يجلس أصحاب القرار… أو من يظنون أنفسهم كذلك.
ترى المحامي يتحدث عن العدالة، وهو يفاوض النادل على تخفيض ثمن الكأس. والقاضي يزن الأمور بميزانٍ دقيق… ثم يختلّ توازنه وهو يغادر. والفيلسوف يشرح لك معنى الحياة في جملة طويلة، ثم ينسى بدايتها قبل أن يصل إلى نهايتها. أما رجل الدين، فيجلس في الزاوية، لا ليُنكر، بل ليتأمل… تأملًا عميقًا في كأسه، كأنه يبحث عن الحقيقة في القاع.
العجيب في الأمر، أن الحانة، هذا المكان المحرّم، المُدان، الذي تُرفع ضده الحواجب قبل الأصوات، هو نفسه المكان الذي تُصنع فيه القرارات التي تُباركها تلك الحواجب لاحقًا.
هناك تُحلّ المشاكل التي استعصت في المكاتب، وتُوقّع الاتفاقات التي فشلت في القاعات الرسمية..
وأنا؟ لا، لم أكن منهم. لم أوقّع اتفاقًا، ولم أُغيّر مجرى قرار. كنتُ مجرد شاهدٍ صامت، قطعة أثاث إضافية، ظلًّا يراقب الظلال.
جلستُ وحدي، أعدّ الوجوه، وأحصي التناقضات، وأضحك في سري على هذا العالم الذي يُدين الشيء ويستعمله، يحرّمه ويعتمد عليه، يلعنه في النهار ويقصده في الليل.
حتى صرتُ أؤمن، لا بالفلسفة ولا بالمنطق، بل بقانون الحانة العظيم:
كل ما يُقال خارجها جاد، وكل ما يُقرَّر داخلها يُنفَّذ.
وهكذا، إن أردتَ أن تفهم العالم، لا تذهب إلى الكتب… اذهب إلى أقرب حانة، واجلس في الزاوية، ولا تطلب شيئًا، فقط راقب.
ستكتشف أن الحقيقة لا تُقال بصوتٍ عالٍ، بل تُهمس بين رشفتين… وأن أعظم القرارات تبدأ غالبًا بجملة بسيطة:
"هات واحدًا آخر… ثم نفكر."
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق