آخر ما نشر كارل!
كأس و كلام
لستُ أزعم أنني حكيم، ولا أدّعي أنني صاحب كشفٍ عظيم، لكنني جلستُ طويلًا في الحانات، حتى صرتُ أعرف ترتيب الكراسي أكثر من ترتيب أفكاري، وأميّز بين أصوات الكؤوس كما يميّز الفلاسفة بين الوجود والعدم.
الحانة ليست مجرد مكان يُسكب فيه الشراب، بل هي مؤسسة غير مُعترف بها رسميًا، لها نظام داخلي أقوى من الدساتير، وقوانين غير مكتوبة أكثر صرامة من قوانين المحاكم. هناك، حيث تختلط الضحكات بالتنهيدات، وتُدار النقاشات العميقة على طاولة لزجة، يجلس أصحاب القرار… أو من يظنون أنفسهم كذلك.
ترى المحامي في الحانة لا يتحدث عن القوانين، بل يتجادل مع الكأس، يرفعه كأنه دليل، ويخفضه كأنه تنازل، يبتسم لنفسه كمن ربح قضية لا يعرف موضوعها. والقاضي، يجلس مستقيمًا في البداية، يراقب الجميع بنظرة موزونة… ثم يميل قليلًا مع كل رشفة، حتى يصبح هو نفسه قضية بلا حكم. والطبيب، يحدّق في الزجاجة طويلًا، كأنه يشخّصها، يقلبها ببطء، يبتسم ابتسامة من يعرف الضرر… ثم يشرب على كل حال، وكأنه يؤجل النصيحة لنفسه. والمعلم، يحاول أن يبدأ حديثًا مفهومًا، جملة واضحة، فكرة مرتبة… ثم تتفكك كلماته بين الضحك والضجيج، كأن طلابه لحقوا به إلى هنا أيضًا. والمهندس، يرسم بيده خطوطًا في الهواء، يشرح شيئًا لا يكتمل، يقيس المسافة بين كأسين، ثم يترك كل الحسابات وينسى أين بدأ. والفنان، ينظر إلى الضوء المنعكس في الزجاج، يتأمله أكثر مما يشرب، كأن الجمال مرّ من هنا وترك أثرًا صغيرًا لا يلاحظه أحد غيره. والتاجر، يعدّ ما بقي في جيبه دون أن يظهر ذلك، يضحك مع الآخرين، لكنه يحسب في داخله ثمن كل لحظة. والصحفي، يراقب، لا يشارك كثيرًا، يلتقط التفاصيل: من ضحك، من سكت، من أخفى شيئًا خلف ابتسامة… كأن الحانة خبر لم يُكتب بعد. والفيلسوف، يبدأ جملة عميقة… يتوقف في منتصفها، يحدّق في الفراغ، ثم يبتسم، كأنه أدرك أن الفكرة ذابت قبل أن تُقال. أما رجل الدين، فلا يعظ، ولا يعترض… يجلس بهدوء، ينظر إلى الكأس طويلًا، كأنه لا يبحث فيه عن المتعة، بل عن معنى غامض، أو ربما عن سؤال لم يجد له جوابًا بعد. والشرطي، يراقب المكان بعين نصف مفتوحة، كأنه في عمله حتى وهو جالس، ثم يضحك فجأة بلا سبب واضح، وكأنه سمح لنفسه أخيرًا أن لا يكون حارسًا لشيء. والسياسي، يتحدث كثيرًا، يعد، يلوّح بيده، يبتسم للجميع… ثم ينسحب بهدوء، دون أن يلاحظ أحد متى بدأ كلامه ولا متى انتهى. وفي الحانة… لا أحد يكون ما يدّعيه خارجها تمامًا. تذوب الأدوار قليلًا، تتداخل الأصوات، ويجلس الجميع، لا كقضاة ولا كمعلمين ولا كفلاسفة… بل كأشخاص عاديين، يحاول كل واحد منهم أن ينسى نفسه… أو أن يجدها، ولو في قاع كأس.
العجيب في الأمر، أن الحانة، هذا المكان المحرّم، المُدان، الذي تُرفع ضده الحواجب قبل الأصوات، هو نفسه المكان الذي تُصنع فيه القرارات التي تُباركها تلك الحواجب لاحقًا.
هناك تُحلّ المشاكل التي استعصت في المكاتب، وتُوقّع الاتفاقات التي فشلت في القاعات الرسمية..
وأنا؟ لا، لم أكن منهم. لم أوقّع اتفاقًا، ولم أُغيّر مجرى قرار. كنتُ مجرد شاهدٍ صامت، قطعة أثاث إضافية، ظلًّا يراقب الظلال.
جلستُ وحدي، أعدّ الوجوه، وأحصي التناقضات، وأضحك في سري على هذا العالم الذي يُدين الشيء ويستعمله، يحرّمه ويعتمد عليه، يلعنه في النهار ويقصده في الليل.
حتى صرتُ أؤمن، لا بالفلسفة ولا بالمنطق، بل بقانون الحانة العظيم:
كل ما يُقال خارجها جاد، وكل ما يُقرَّر داخلها يُنفَّذ.
وهكذا، إن أردتَ أن تفهم العالم، لا تذهب إلى الكتب… اذهب إلى أقرب حانة، واجلس في الزاوية، ولا تطلب شيئًا، فقط راقب.
ستكتشف أن الحقيقة لا تُقال بصوتٍ عالٍ، بل تُهمس بين رشفتين… وأن أعظم القرارات تبدأ غالبًا بجملة بسيطة:
"هات واحدًا آخر… ثم نفكر."
ك.ج
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق