آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

قهوتي، سيجارتي، وأنا بينهما

 أستيقظ أحيانًا وكأنني مشروع إنساني مكتمل المواصفات: رجل محترم، يحمل نسخة أصلية من القيم العائلية، معتمدة منذ الطفولة، صالحة للاستخدام اليومي.

أفتح هاتفي كموظف يبدأ دوامه، أرسل “صباح الخير” الجماعية، مرفقة بابتسامة صفراء وإيموجي مدروس بعناية، ثم أتنقل بين الناس كقمر صناعي اجتماعي: أمي؟ بخير...أبي؟ بخير...عمي؟ يشتكي قليلاً، لكن هذا ضمن البروتوكول...خالي؟ يسأل عني أكثر مما أسأل عنه، وهذا يربكني قليلًا...

أشعر حينها أنني إنسان صالح للاستعمال الآدمي، أؤدي دوري كما ينبغي، وأتحرك في الحياة كما لو أن هناك دليل استعمال غير مرئي يهمس لي: “هكذا تعيش بشكل محترم.”

ثم، فجأة، ومن دون سابق إنذار… أصحو على النسخة الأخرى مني. نسخة لا تثق في كل هذا الترتيب. تحدق في الهاتف وكأنه جهاز مراقبة لا وسيلة تواصل.

ترى في “صباح الخير” نوعًا من التواطؤ الجماعي على تجاهل عبثية الحياة.

في تلك اللحظة، أشعر برغبة عميقة في خيانة هذا النظام بالكامل: أن لا أرسل شيئًا، أن لا أطمئن على أحد، أن أختفي يومًا كاملًا وكأنني تجربة علمية خرجت عن السيطرة.

أقول لنفسي: “ما الذي سيحدث لو لم أكن ذلك الشخص اللطيف؟ هل سينهار الكون؟ أم فقط ستتأخر رسالة واتساب؟”

أجلس، كعادتي، أمام قهوتي، هذا الطقس المقدس الذي لا ينتمي لأي طرف، أشعل سيجارة، كأنني أوقع هدنة مؤقتة مع نفسي، وأبدأ في الكتابة…

ليس لأن لدي إجابة، بل لأنني أجيد التعايش مع الأسئلة.

أكتب عن رجل يحاول أن يكون صالحًا، وفي نفس الوقت يشك في معنى الصلاح...عن إنسان يطمئن على الآخرين، لكنه غير مطمئن لنفسه.

عن شخص يتقن الأدوار الاجتماعية، لكنه لا يعرف إن كان يمثل أم يعيش فعلًا.

ثم أضحك قليلًا… لأنني أدرك أنني لست بين خيارين حقيقيين. أنا فقط أبدّل الأقنعة، وأمنح كل قناع خطابًا فلسفيًا يليق به.

في النهاية، لا أكون ذلك الرجل المتوازن ولا ذلك المتمرد الأسطوري…

أنا فقط إنسان يجلس كل يوم، يحتسي قهوته، يدخن سيجارته، ويحاول، بكل جدية مثيرة للشفقة، أن يعطي لحيرته شكلًا جميلًا يمكن كتابته.


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")