آخر ما نشر كارل!

الخروج من قصة نفسي

القلق المستمر، والشك في الذات، والأسئلة التي لا تنتهي. أقولها بهذه الطريقة وكأنني ضحية شيء غامض يحدث لي، وكأن رأسي غرفة اقتحمها غرباء وقرروا السكن فيها. لكن ربما الحقيقة أقل شاعرية من ذلك. ربما جزء كبير من تعبي صنعته بنفسي. أفكر كثيرا، نعم، لكنني أيضا أستخدم التفكير أحيانا حتى لا أفعل شيئا. أحلل نفسي، ثم أحلل تحليلي لنفسي، ثم أتساءل إن كان تحليلي صادقا، ثم أبحث عن سبب يجعلني هكذا، فأعود إلى الماضي، إلى الناس، إلى المجتمع، إلى الخوف، إلى الحساسية، إلى الظروف... وتمر الساعات وأنا ما زلت في المكان نفسه. كأن فهم سبب الحريق سيطفئ النار. لكنه لا يطفئها . يوما أشعر بالحماية والتميز، وكأن الحياة تخبئ لي شيئا عظيما، وكأنني مختلف، وكأن كل هذا الاضطراب ليس إلا مقدمة لحياة استثنائية تنتظرني. لكن حتى هذه الفكرة بدأت تثير شكي. لماذا يجب أن أكون استثنائيا؟ لماذا لا أقبل أنني إنسان عادي، عليه أن يعمل ويتعلم ويفشل ويكرر المحاولة مثل ملايين البشر؟ ربما فكرة أنني «مختلف» لم تكن دائما إيمانا بالنفس، بل كانت أحيانا طريقة جميلة للهروب من حقيقة أكثر إزعاجا: أن الموهبة لا تكفي، والذكاء لا يكفي، والحساسية لا ت...

قهوتي، سيجارتي، وأنا بينهما

 أستيقظ أحيانًا وكأنني مشروع إنساني مكتمل المواصفات: رجل محترم، يحمل نسخة أصلية من القيم العائلية، معتمدة منذ الطفولة، صالحة للاستخدام اليومي.

أفتح هاتفي كموظف يبدأ دوامه، أرسل “صباح الخير” الجماعية، مرفقة بابتسامة صفراء وإيموجي مدروس بعناية، ثم أتنقل بين الناس كقمر صناعي اجتماعي: أمي؟ بخير...أبي؟ بخير...عمي؟ يشتكي قليلاً، لكن هذا ضمن البروتوكول...خالي؟ يسأل عني أكثر مما أسأل عنه، وهذا يربكني قليلًا...

أشعر حينها أنني إنسان صالح للاستعمال الآدمي، أؤدي دوري كما ينبغي، وأتحرك في الحياة كما لو أن هناك دليل استعمال غير مرئي يهمس لي: “هكذا تعيش بشكل محترم.”

ثم، فجأة، ومن دون سابق إنذار… أصحو على النسخة الأخرى مني. نسخة لا تثق في كل هذا الترتيب. تحدق في الهاتف وكأنه جهاز مراقبة لا وسيلة تواصل.

ترى في “صباح الخير” نوعًا من التواطؤ الجماعي على تجاهل عبثية الحياة.

في تلك اللحظة، أشعر برغبة عميقة في خيانة هذا النظام بالكامل: أن لا أرسل شيئًا، أن لا أطمئن على أحد، أن أختفي يومًا كاملًا وكأنني تجربة علمية خرجت عن السيطرة.

أقول لنفسي: “ما الذي سيحدث لو لم أكن ذلك الشخص اللطيف؟ هل سينهار الكون؟ أم فقط ستتأخر رسالة واتساب؟”

أجلس، كعادتي، أمام قهوتي، هذا الطقس المقدس الذي لا ينتمي لأي طرف، أشعل سيجارة، كأنني أوقع هدنة مؤقتة مع نفسي، وأبدأ في الكتابة…

ليس لأن لدي إجابة، بل لأنني أجيد التعايش مع الأسئلة.

أكتب عن رجل يحاول أن يكون صالحًا، وفي نفس الوقت يشك في معنى الصلاح...عن إنسان يطمئن على الآخرين، لكنه غير مطمئن لنفسه.

عن شخص يتقن الأدوار الاجتماعية، لكنه لا يعرف إن كان يمثل أم يعيش فعلًا.

ثم أضحك قليلًا… لأنني أدرك أنني لست بين خيارين حقيقيين. أنا فقط أبدّل الأقنعة، وأمنح كل قناع خطابًا فلسفيًا يليق به.

في النهاية، لا أكون ذلك الرجل المتوازن ولا ذلك المتمرد الأسطوري…

أنا فقط إنسان يجلس كل يوم، يحتسي قهوته، يدخن سيجارته، ويحاول، بكل جدية مثيرة للشفقة، أن يعطي لحيرته شكلًا جميلًا يمكن كتابته.


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")