حين اختفيت… اكتشفت من يبقى
بعدما قررت أن أعيش بلا أي تواصل، دون أي محاولة مني لمراسلة أحد، لم يكن قراري في البداية يبدو عميقًا إلى هذا الحد. كنت أظنه مجرد انسحاب بسيط، استراحة من ضجيج مستمر، لكنني مع الوقت بدأت أكتشف شيئًا لم أكن أراه من قبل: حين لا أحدث الناس، لا يحدثونني. كأنني كنت جزءًا من حركة، وحين توقفت، توقف كل شيء.
شيئًا فشيئًا، صار هاتفي صامتًا. لم تعد تصلني الرسائل كما في السابق، اختفت الإشعارات، وتلاشى ذلك الإحساس بأن هناك من ينتظرني أو يفكر في الكتابة لي. لم يبقَ إلا القليل جدًا: أمي، أبي، أخي، أختي… هؤلاء فقط الذين ظلوا يكتبون لي، كأن وجودي بالنسبة لهم لا يحتاج إلى تذكير أو حضور مستمر.
أما الآخرون، فقد اختفوا بهدوء. لم يكن اختفاءً مفاجئًا، بل كان تدريجيًا، صامتًا، يشبه تمامًا الصمت الذي اخترته لنفسي. أحيانًا، وبعد وقت طويل، كان أحدهم يرسل رسالة عابرة، وكأنها جاءت على غفلة، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليعيد أي شيء كما كان.
مع الوقت، بدأت أفهم أن جزءًا من هذا مرتبط بي أنا أيضًا. أنا لست من النوع الذي يمارس النفاق الاجتماعي، لا أجامل كثيرًا، ولا أستمر في علاقات لمجرد استمرارها. كنت دائمًا أميل إلى الصدق، حتى لو جعلني ذلك أقل حضورًا في حياة الآخرين.
ثم حذفت الفايسبوك والانستغرام. توقفت تمامًا عن النشر، عن المشاركة، عن ترك أي أثر يدل عليّ. لم أعد أقدم أي معلومات عن حياتي، لا أخبار، لا صور، لا أفكار. ومع هذا الاختفاء، شعرت وكأنني خرجت من العالم الذي يعرفه الناس. كأنني لم أعد موجودًا بالنسبة لهم، لأن وجودي لم يعد يُرى.
لكن في المقابل، حدث شيء آخر في داخلي.
بدأت أكتشف أن الوحدة ليست كما كنت أظن. لم تعد تبدو لي كحالة نقص، بل كحالة أصلية. أنا وحدي، وهذا ليس أمرًا غريبًا، بل ربما هو الحقيقة الأكثر بساطة. أن أعيش في هدوء، في صمت، دون أن أتحدث مع الناس، لم يعد يبدو لي غير طبيعي، بل أصبح شيئًا عاديًا جدًا، وربما صحيًا في بعض الأحيان.
صحيح أنني ما زلت أشعر برغبات، أو ربما حاجات: أن أكون بجانب أشخاص، أن أتحدث، أن أشارك لحظات، أن أشعر بأن هناك من يسمعني. هذه الرغبة لم تختفِ، بل تظهر أحيانًا بوضوح، تذكرني بأنني إنسان.
لكنني في نفس الوقت، بدأت أفهم شيئًا آخر. بدأت أرى أن التواصل ليس فقط مع الآخرين. هناك نوع آخر من التواصل، أكثر عمقًا، وأكثر صدقًا: التواصل مع نفسي.
جلست مع نفسي أكثر مما فعلت من قبل. استمعت لأفكاري، راقبت مشاعري، حاولت أن أفهمني دون أن أحتاج إلى أن يعكسني أحد. ومع الوقت، تعلمت كيف أكون مع نفسي دون أن أشعر بالفراغ.
لم يعد الصمت يخيفني. لم تعد الوحدة تثقلني كما كانت. بل على العكس، صرت أجد فيها نوعًا من الامتلاء. كأنني، كلما ابتعدت عن الضجيج، اقتربت أكثر من نفسي.
شيئًا فشيئًا، شعرت أن هذا التواصل الداخلي يغنيني. ليس بمعنى أنني لم أعد أحتاج أحدًا، بل بمعنى أنني لم أعد أحتاج الآخرين لأشعر بأنني موجود. وجودي لم يعد مرتبطًا برسالة تصل، أو اهتمام يظهر، أو حضور يثبتني.
أنا موجود، حتى في غياب الجميع.
وربما هذا ما تغير فعلًا. لم أعد أبحث عن الآخرين لأثبت نفسي، بل صرت أراهم كإضافة، لا كضرورة. ومع ذلك، أعرف أن هذا ليس نهاية الطريق، بل مرحلة فهم. مرحلة جعلتني أرى العالم بشكل مختلف، وأرى نفسي بشكل أوضح.
أنا
لم أختفِ كما يبدو…
أنا
فقط، للمرة الأولى، بدأت أظهر لنفسي.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق