لست متأكدا إن كنت أنا
أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه.
وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر.
أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة.
حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأنها تخص شخصا آخر عاش داخلي ثم اختفى مع الوقت.
وأتساءل دائما: كيف وصلت إلى هنا؟
كيف تركت هذا الشخص يقودني كل هذه المدة دون أن أشعر؟
كيف تحولت من إنسان كان يرى الحياة شيئا دافئا وبسيطا إلى شخص يقف الآن متعبا من نفسه، خائفا منها، وغير قادر على فهم ما يجري بداخله؟
ربما أفهم جزءا مما حدث.
ربما لأنني كبرت في بيت مليء بالحب أكثر مما ينبغي، وسط أب كريم وأم حنونة وإخوة كانوا يرون الخير ممكنا في كل شيء.
كبرت وأنا أعتقد أن العالم يشبه البيت الذي جئت منه، وأن الناس يحملون في داخلهم نفس القدرة على الحب والرحمة والصدق.
كنت أرى الآخرين بقلبي أكثر مما أراهم بعينيّ.
في أبناء العائلة، في أصدقاء المدرسة، في الناس الذين التقيتهم خلال سنوات حياتي، كنت أبحث دائما عن ذلك الشعور القديم الذي عرفته في طفولتي: أن الإنسان يستطيع أن يحب الإنسان ببساطة، دون حسابات، دون قسوة، دون رغبة دائمة في الاستغلال أو الخداع.
لكن العالم لم يكن كما تخيلته.
كلما كبرت أكثر بدأت أرى شيئا آخر، شيئا باردا وقاسيا ومربكا.
رأيت كيف يمكن للناس أن يؤذوا بعضهم بسهولة مخيفة، كيف تتحول العلاقات أحيانا إلى مصالح خفية، وكيف يستطيع البعض أن يكذبوا أو يخدعوا فقط لأن ذلك يمنحهم شيئا يريدونه.
وربما لم تكن صدمتي الحقيقية أن العالم قاسٍ، بل أنني لم أكن مستعدا لهذه القسوة.
كنت أعيش بثقة عمياء في أفكار جميلة، وأؤمن بالناس أكثر مما ينبغي، حتى وجدت نفسي عاجزا عن فهم الطريقة الحقيقية التي يتحرك بها العالم.
ومنذ ذلك الوقت، أشعر أن شيئا ما انكسر داخلي بصمت.
كأن ذلك الشخص الذي يركض وراء المتعة والهروب لم يظهر فجأة، بل خرج من تعب طويل جدا، من قلب لم يعرف كيف يتعامل مع كل ما رآه.
أحيانا أشعر أنه لا يبحث عن المتعة نفسها، بل عن النسيان فقط، عن لحظة قصيرة يتوقف فيها هذا الضجيج الداخلي، لحظة لا يضطر فيها إلى التفكير أو التذكر أو مواجهة نفسه.
والمتعب أكثر أنني لا أستطيع أن أكرهه تماما.
لأنني أعرف أنه يحمل ألمي أيضا.
أعرف أنه ليس مجرد شخص فاسد أو ضعيف كما أحاول أحيانا أن أقنع نفسي، بل جزء متعب مني، جزء ضاع في الطريق ولم يعرف كيف يعود.
لكنني في الوقت نفسه خائف منه، لأنني أراه قادرا على أن يدمّر كل شيء جميل بقي داخلي إذا استسلمت له تماما.
هذا الصباح، بعد ليلة طويلة لم أنم فيها أصلا، كنت أنظر إلى نفسي وإلى الفوضى التي أشعر بها داخلي وقلت بصوت خافت:
"الشخص الذي فعل هذا ليس أنا".
لكن الحقيقة التي تؤلمني أنني لم أعد أعرف أين ينتهي هو وأين أبدأ أنا.
أشعر أحيانا أنني كنت غائبا عن حياتي طوال الوقت، وأن هذا الشخص كان يعيش بدلا عني بينما كنت فقط أراقب بصمت، أحاول أن أجد تفسيرا لكل شيء دون أن أستطيع إيقاف أي شيء.
ومع ذلك، ما زلت أكتب.
ربما لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يجعلني أشعر أنني لم أختف تماما.
أكتب لأنني أحاول أن أفهم نفسي قبل أن أحاكمها، وأحاول أن أتعلم كيف أقبل هذا الخراب الذي بداخلي دون أن أسمح له بأن يبتلعني بالكامل.
أحاول أن أصدق أن الإنسان ليس أسوأ أفكاره، ولا أكثر رغباته ظلاما، وأن التعب يمكنه أحيانا أن يجعل الروح تضيع عن نفسها فقط، لا أن تموت فعلا....
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق