رجل من زمنين

 كنت جالسا بجانب أختي و أمي، و كان المساء هادئا، ضوء أصفر خفيف يملأ الغرفة، و رائحة الشاي تتصاعد ببطء، و كنا نتبادل أطراف الحديث و نضحك على تفاصيل صغيرة ربما لو حكاها أحد لغيرنا لما بدت مهمة، لكننا كنا نعيشها بصدق... و كان الحديث يدور حول ما حدث صباحا، ذلك الصباح الذي بدأت فيه الحكاية كلها.

استيقظت مبكرا، و كان في داخلي شعور غريب، ليس حماسا فقط، بل شيء يشبه النداء... نداء بعيد، كأن أحدا من زمن آخر يهمس لي: لا تنس من أنت. ذهبت إلى أبي و قلت له ببساطة إنني أريد أن أشتري الزي التقليدي الذي كان يلبسه أجدادنا، أريد جلبابا حقيقيا، و رزة أمازيغية، و بلغة جلدية كما كانوا يفعلون... نظر إلي باستغراب، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من الحنين و شيء من الاعتراض.

قال لي إن تلك الأيام كانت صعبة، و أن اللباس لم يكن اختيارا بل واقعا، و أنه عاش تلك المرحلة بكل تفاصيلها، و لا يريد لي أن أعيشها أو أعود إليها، ربما كان يرى في الأمر رجوعا إلى الوراء، أو ربما كان يخاف أن أختار طريقا يشبه التعب الذي عرفه هو. لكنني لم أكن أبحث عن التعب، و لا عن الماضي كما هو، كنت أبحث عن رمزه فقط... تشبثت بفكرتي، و تحدثنا طويلا، ترافعنا الأصوات في بعض الأحيان، لكنه كان أقل من غضب متبادل، بل كان حوارا فيه شدّ و لين، فيه اختلاف و احترام.

ومع حلول المساء، و كأن شيئا داخله تغير، قال لي بهدوء: حسنا، فلنذهب إلى تالسينت. لم أعلق كثيرا، لكنني شعرت بسعادة طفولية تسري في داخلي. ذهبنا معا، الطريق لم يكن طويلا، و أنا أنظر من نافذة السيارة و أتخيل نفسي بذلك اللباس، لا لأبدو مختلفا أمام الناس، بل لأشعر بشيء داخلي يكتمل.

عندما اشتريت الجلباب و الرزة الصفراء و البلغة، و لبستها هناك، شعرت بثقل خفيف على رأسي من الرزة، و بدفء غريب يحيط بجسدي، و كأن القماش لا يلامس جلدي فقط بل يلامس شيئا أعمق... عدنا إلى السيارة، و أبي ينظر إلي بين حين و آخر، لا يقول شيئا، لكن في عينيه لمعة لا أعرف هل هي حنين أم رضا أم دهشة.

في المساء، حين جلسنا جميعا، بدأت التعليقات و الضحكات. قالوا لي مازحين إنني أستعد للزواج، فاليوم لا أحد يشتري هذا اللباس إلا لمناسبة كبيرة، و ربما حفل زفاف. كنت أضحك معهم، و أقول إنني لا أستعد لشيء من هذا، و أن الأمر أبسط و أعمق في آن واحد... أردت فقط أن أشعر بالانتماء، أن أرتدي شيئا يحمل ذاكرة عائلتنا، أن أمشي في الشارع و أشعر أن خطواتي تمتد في الأرض نفسها التي مشى عليها أجدادي.

ثم قالت أختي، و هي تبتسم: أنت شخص في حالة خاصة... لا تحب الفايسبوك و لا الإنستغرام، تعطل حساباتك ثم تعود فتفعلها ثم تمل منها، و تقول إنك لا تحب الذكاء الاصطناعي رغم أنك تعمل في مجال تستعمله كل يوم. فكرت قليلا، ثم قلت لها نعم، ربما أنا شاب في حالة خاصة، أو ربما أنا فقط أحاول أن أجد توازني.

أنا لا أكره الجديد، و لا أهرب من الحاضر، فأنا أعمل في مجال متقدم، أتعامل مع التقنية، أتعلم لغات، و أعيش في قلب طنجة، مدينة تتحرك بسرعة و تتغير كل يوم... لكنني في الوقت نفسه لا أريد أن أكون مجرد منتوج يُستهلك، أو صورة تتبع الترند، أو رقما في خوارزمية. أريد أن أعيش حياة فيها معنى، فيها رمز، فيها شيء لا يقاس بعدد الإعجابات.

ربما لذلك أحببت أن ألبس زي أجدادي، لا لأعيش حياتهم كما هي، بل لأحمل شيئا منهم معي إلى هذا الزمن. أن أكون جسرا بين البادية و المدينة، بين الرزة و الحاسوب، بين الجلباب و اللغات الأجنبية، بين التاريخ و المستقبل.

و أنا جالس بجانبهم، بجلبابي و رزتي الصفراء الجميلة، كنت أشعر أنهم يرون شيئين في آن واحد: رجلا جاء لتوه من البادية، و شابا يعيش كل يوم في عالم حديث سريع. و ربما كنت أنا أيضا أرى في نفسي هذين الاثنين، لا يتصارعان، بل يحاولان أن يتصافحا.

كان يوما مليئا بالأحداث، نعم، لكنه كان أيضا يوما كشف لي شيئا عن نفسي... أن الانتماء ليس عودة إلى الوراء، و أن الحداثة لا تعني القطيعة، و أن الإنسان يمكنه أن يحمل تاريخه على كتفيه دون أن يتوقف عن السير إلى الأمام.

وفي النهاية، حين خفتت الضحكات و سكن المساء، شعرت بسعادة بسيطة، صادقة... سعادة من يعرف أنه لم يخن ماضيه، و لم يتخل عن حاضره، بل حاول فقط أن يصالح بينهما.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")