آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

فلسفة الشك في ذاتٍ محبة

كان الشك يسكنني كما تسكن العتمة غرفة بلا نوافذ.
شكٌّ في قدراتي، في صلابة بنائي الأخلاقي، في حقي في الاطمئنان أصلًا.
لا شيء كان يهدّئ هذا الضجيج الداخلي، ولا فكرة واحدة كانت قادرة على أن تقول لي: أنت بخير.
كنت أعيش كما لو أنني ارتكبت جريمة كونية،
كأنني قتلت ألف إنسان دون سلاح،
وأفسدت ألف مجتمع دون قصد،
بسبب شرٍّ غامض لم أستطع يومًا أن أضع له اسمًا أو تفسيرًا.
والحقيقة القاسية، والساخرة في آن،
أنني لم أفعل شيئًا سوى أنني أحببت.
أحببت بصدق مفرط، وبسخاء لا يعرف الحساب،
كنت أمنح، وأمنح، حتى منحت جوهري ذاته،
حتى صرت هشًّا، ضعيفًا، عاري الروح
أمام أولئك الذين جعلت لقلبي عندهم نبضًا ومعنى.
ومع ذلك،
رغم هذا الركام النفسي الثقيل،
كان هناك خيط رفيع من الأمل، لا ينقطع.
أؤمن، أو أحاول أن أؤمن،
بأن النفس يمكن إعادة صياغتها،
وأن الإنسان ليس نسخة نهائية من أخطائه أو آلامه.
مهما كانت طبيعتي،
ومهما بدت هذه المتاهة خانقة،
فهناك دائمًا مخرج،
حتى وإن كان ضيقًا، حتى وإن تطلّب شجاعة موجعة.
مأزقي الحقيقي
أنني محاصر بين إرادتين متناقضتين:
إرادتي في الوفاء، في ألا أخون ما كنت عليه،
ورغبتي العميقة في أن أبدأ من جديد،
أن أتنفّس دون ثقل الماضي،
دون أن أشعر بأنني أترك جزءًا مني خلفي ينزف.
كنت أستمع كثيرًا لصديقي أنس،
أمنح أفكاره فرصة أن تمرّ عبر روحي،
وأحترم تجاربه المتعددة،
وقدرته على أن يقول للعالم أشياء عميقة، قوية،
تترك أثرها في الآخرين.
لكنني، في صمت نفسي،
كنت أدرك عجزه عن رؤيتي كما أنا.
هو يرى التجربة، ولا يرى البذرة.
يرى الحركة، ولا يرى الفلسفة التي تتشكّل في داخلي ببطء.
لا أستطيع أن أكتشف نفسي من خلال عينيه،
لأنه لا يرى جلال قدرتي
على أن أبني فلسفة مختلفة،
فلسفة لا تُقال بسهولة،
ولا تُختصر في تجربة واحدة،
بل تنمو في العتمة،
كما تنمو الجذور العميقة… بعيدًا عن التصفيق.
ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى