آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

فلسفة الشك في ذاتٍ محبة

كان الشك يسكنني كما تسكن العتمة غرفة بلا نوافذ.
شكٌّ في قدراتي، في صلابة بنائي الأخلاقي، في حقي في الاطمئنان أصلًا.
لا شيء كان يهدّئ هذا الضجيج الداخلي، ولا فكرة واحدة كانت قادرة على أن تقول لي: أنت بخير.
كنت أعيش كما لو أنني ارتكبت جريمة كونية،
كأنني قتلت ألف إنسان دون سلاح،
وأفسدت ألف مجتمع دون قصد،
بسبب شرٍّ غامض لم أستطع يومًا أن أضع له اسمًا أو تفسيرًا.
والحقيقة القاسية، والساخرة في آن،
أنني لم أفعل شيئًا سوى أنني أحببت.
أحببت بصدق مفرط، وبسخاء لا يعرف الحساب،
كنت أمنح، وأمنح، حتى منحت جوهري ذاته،
حتى صرت هشًّا، ضعيفًا، عاري الروح
أمام أولئك الذين جعلت لقلبي عندهم نبضًا ومعنى.
ومع ذلك،
رغم هذا الركام النفسي الثقيل،
كان هناك خيط رفيع من الأمل، لا ينقطع.
أؤمن، أو أحاول أن أؤمن،
بأن النفس يمكن إعادة صياغتها،
وأن الإنسان ليس نسخة نهائية من أخطائه أو آلامه.
مهما كانت طبيعتي،
ومهما بدت هذه المتاهة خانقة،
فهناك دائمًا مخرج،
حتى وإن كان ضيقًا، حتى وإن تطلّب شجاعة موجعة.
مأزقي الحقيقي
أنني محاصر بين إرادتين متناقضتين:
إرادتي في الوفاء، في ألا أخون ما كنت عليه،
ورغبتي العميقة في أن أبدأ من جديد،
أن أتنفّس دون ثقل الماضي،
دون أن أشعر بأنني أترك جزءًا مني خلفي ينزف.
كنت أستمع كثيرًا لصديقي أنس،
أمنح أفكاره فرصة أن تمرّ عبر روحي،
وأحترم تجاربه المتعددة،
وقدرته على أن يقول للعالم أشياء عميقة، قوية،
تترك أثرها في الآخرين.
لكنني، في صمت نفسي،
كنت أدرك عجزه عن رؤيتي كما أنا.
هو يرى التجربة، ولا يرى البذرة.
يرى الحركة، ولا يرى الفلسفة التي تتشكّل في داخلي ببطء.
لا أستطيع أن أكتشف نفسي من خلال عينيه،
لأنه لا يرى جلال قدرتي
على أن أبني فلسفة مختلفة،
فلسفة لا تُقال بسهولة،
ولا تُختصر في تجربة واحدة،
بل تنمو في العتمة،
كما تنمو الجذور العميقة… بعيدًا عن التصفيق.
ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")