آخر ما نشر كارل!

لست متأكدا إن كنت أنا

  أشعر أحيانا أن حياتي كلها تتحرك بطريقة غريبة لا أفهمها تماما، كأنني كلما اقتربت من شيء حقيقي بداخلي، من ذلك المكان العاري الذي أخاف النظر إليه مباشرة، تبدأ الأشياء كلها بالتغيّر فجأة، وكأنني أصل دائما إلى شخص آخر يسكنني منذ سنوات طويلة، شخص لا يريد من هذه الحياة سوى أن يتبع رغباته بلا نهاية، أن يهرب من نفسه بأي طريقة ممكنة، أن يمارس الجنس مع فتاة جميلة فقط ليشعر للحظات أنه ما زال حيا، أو يشرب الجعة حتى يفقد ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام، أو يدخن حشيشة وراء أخرى، أو يجرّب أي شيء قادر على أن يطفئ هذا التعب الثقيل الذي يسكن قلبه. وأحيانا أنظر إليه بخوف حقيقي، لأنني لا أعرف إن كان هذا الشخص هو أنا فعلا، أم مجرد شبح نفسي تكوّن داخلي عبر السنوات، من الخيبات الصغيرة، من الوحدة، من الرغبات التي لم أفهمها، من أشياء كثيرة تراكمت بصمت حتى أصبحت جزءا مني دون أن أشعر. أجلس أحيانا أتأمله وكأنه شخص منفصل عني تماما، أراقبه وهو يأخذ كل انتباهي، يلتهم أيامي، يجعل الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة لي تبدو بعيدة وفارغة. حتى أحلامي القديمة، تلك الأشياء التي كنت أؤمن بها بصدق، صارت تبدو كأن...

فلسفة الشك في ذاتٍ محبة

كان الشك يسكنني كما تسكن العتمة غرفة بلا نوافذ.
شكٌّ في قدراتي، في صلابة بنائي الأخلاقي، في حقي في الاطمئنان أصلًا.
لا شيء كان يهدّئ هذا الضجيج الداخلي، ولا فكرة واحدة كانت قادرة على أن تقول لي: أنت بخير.
كنت أعيش كما لو أنني ارتكبت جريمة كونية،
كأنني قتلت ألف إنسان دون سلاح،
وأفسدت ألف مجتمع دون قصد،
بسبب شرٍّ غامض لم أستطع يومًا أن أضع له اسمًا أو تفسيرًا.
والحقيقة القاسية، والساخرة في آن،
أنني لم أفعل شيئًا سوى أنني أحببت.
أحببت بصدق مفرط، وبسخاء لا يعرف الحساب،
كنت أمنح، وأمنح، حتى منحت جوهري ذاته،
حتى صرت هشًّا، ضعيفًا، عاري الروح
أمام أولئك الذين جعلت لقلبي عندهم نبضًا ومعنى.
ومع ذلك،
رغم هذا الركام النفسي الثقيل،
كان هناك خيط رفيع من الأمل، لا ينقطع.
أؤمن، أو أحاول أن أؤمن،
بأن النفس يمكن إعادة صياغتها،
وأن الإنسان ليس نسخة نهائية من أخطائه أو آلامه.
مهما كانت طبيعتي،
ومهما بدت هذه المتاهة خانقة،
فهناك دائمًا مخرج،
حتى وإن كان ضيقًا، حتى وإن تطلّب شجاعة موجعة.
مأزقي الحقيقي
أنني محاصر بين إرادتين متناقضتين:
إرادتي في الوفاء، في ألا أخون ما كنت عليه،
ورغبتي العميقة في أن أبدأ من جديد،
أن أتنفّس دون ثقل الماضي،
دون أن أشعر بأنني أترك جزءًا مني خلفي ينزف.
كنت أستمع كثيرًا لصديقي أنس،
أمنح أفكاره فرصة أن تمرّ عبر روحي،
وأحترم تجاربه المتعددة،
وقدرته على أن يقول للعالم أشياء عميقة، قوية،
تترك أثرها في الآخرين.
لكنني، في صمت نفسي،
كنت أدرك عجزه عن رؤيتي كما أنا.
هو يرى التجربة، ولا يرى البذرة.
يرى الحركة، ولا يرى الفلسفة التي تتشكّل في داخلي ببطء.
لا أستطيع أن أكتشف نفسي من خلال عينيه،
لأنه لا يرى جلال قدرتي
على أن أبني فلسفة مختلفة،
فلسفة لا تُقال بسهولة،
ولا تُختصر في تجربة واحدة،
بل تنمو في العتمة،
كما تنمو الجذور العميقة… بعيدًا عن التصفيق.
ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")