آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

ما تبقّى من الطفولة

 قراءةٌ في شخصيةٍ تعرّضت للعنف في صغرها تجعلك تميل إلى مسامحتها على أخطائها كلّها حين تبلغ سنّ الرشد، حتى وإن كان أحد تلك الأخطاء هو أن تتحوّل هي نفسها إلى سببٍ في عنفٍ موجّهٍ نحو شخصٍ آخر.

العنف… لا أدري كم كتابًا فكريًا وفلسفيًا وأدبيًا قرأت محاولًا أن أفهم جوهر هذه الظاهرة، ومع ذلك لا أصل إلى نتيجةٍ واضحة، ولا إلى تعريفٍ يطمئنني.

أتذكّر كم مرّة تعرّضتُ للعنف من أفراد عائلتي حين كنت طفلًا؛ أحيانًا من والديّ، وأحيانًا في المدرسة والشارع، ولن أنسى أيضًا لحظاتٍ بعينها في المسجد.

ذاكرتي مثقلةٌ بلحظات عنفٍ أكثر مما هي ملئية بلحظات سلامٍ وطمأنينة. كان الخوف هو التركيبة العاطفية الأكثر جاهزية، والأكثر نفعًا، تلك التي تسهّل عليّ التكيّف، والاندماج، وأن أبدو مقبولًا في نظر الآخرين.

تعلّمت باكرًا أن الخوف لغةٌ مفهومة، وأن الصمت شكلٌ من أشكال النجاة، وأن الانتباه المفرط لتقلّبات الوجوه ونبرات الأصوات مهارةٌ لا يدرّسها أحد، لكنها تُكتسب تحت الضغط. ربما لهذا يصعب عليّ اليوم أن أميّز بين ما أنا عليه حقًا، وما صرتُه فقط كي أتفادى الأذى.

على أيّ حال، أردت أن أكتب بسرعة عن تجربة العنف، لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل كحالةٍ ممتدّة، كظلٍّ يرافقك حتى حين تظنّ أنك تجاوزته. لكنني لا أدري… أشعر أنّ الحافزية تسرّبت من بين أصابعي.

سأغلق حاسوبي الآن.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")