مقدمة رواية: في البحث عن كارل
هنالك لحظة ما، لا أعرف أين تبدأ بالتحديد، ربما عند تخوم الصمت أو عند حافة سؤال قديم لم يجد طريقه إلى الكلام، لحظة يكتشف فيها الإنسان أن العزلة ليست مجرد انسحاب من العالم، بل هي شكل آخر من أشكال الحقيقة . الحقيقة حين ننزع عن وجوهنا كل الأقنعة التي أنشأها الانتماء — العائلة، العادات، المجتمع، الأفكار الثقيلة التي نولد داخلها — ونكتشف أنفسنا كما نحن: مترددين، هشّين، متشظّين، لكننا في الوقت نفسه أصليّون بصورة لا تتكرّر . في عمر الثلاثين، عند مفترق يبدو بسيطًا من الخارج لكنه متلاطم في الداخل، وجدتني أقف أمام حياتي كمن يعيد النظر في خريطة رسمها بنفسه، لكنه لم يعد يعرف من أين يبدأ خط الرحلة ولا أين ينتهي . قررت أن أكتب . لا كي أروي قصة ناجزة مكتملة، بل لأتتبع قطرة الوعي الأولى التي بدأت تسائلني : من أنا؟ ما الذي تبقى مني حين ينسحب الآخرون؟ وماذا يتبقى مني حين أحاول أن أكون نسخة مناسبة لهم؟ كنت دائمًا أعيش بين فكرتين لا تكفّان عن المنازعة . فكرة تقول إن على المرء أن يثق بصوته الداخلي، أن يتبع حدسه، أن يتحرك بثبات نحو رؤيته الخاصة للحياة، دون أن يعتدي على أحد، ودون أن يختنق من أ...