المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2025

مقدمة رواية: في البحث عن كارل

صورة
  هنالك لحظة ما، لا أعرف أين تبدأ بالتحديد، ربما عند تخوم الصمت أو عند حافة سؤال قديم لم يجد طريقه إلى الكلام، لحظة يكتشف فيها الإنسان أن العزلة ليست مجرد انسحاب من العالم، بل هي شكل آخر من أشكال الحقيقة . الحقيقة حين ننزع عن وجوهنا كل الأقنعة التي أنشأها الانتماء — العائلة، العادات، المجتمع، الأفكار الثقيلة التي نولد داخلها — ونكتشف أنفسنا كما نحن: مترددين، هشّين، متشظّين، لكننا في الوقت نفسه أصليّون بصورة لا تتكرّر . في عمر الثلاثين، عند مفترق يبدو بسيطًا من الخارج لكنه متلاطم في الداخل، وجدتني أقف أمام حياتي كمن يعيد النظر في خريطة رسمها بنفسه، لكنه لم يعد يعرف من أين يبدأ خط الرحلة ولا أين ينتهي . قررت أن أكتب . لا كي أروي قصة ناجزة مكتملة، بل لأتتبع قطرة الوعي الأولى التي بدأت تسائلني : من أنا؟ ما الذي تبقى مني حين ينسحب الآخرون؟ وماذا يتبقى مني حين أحاول أن أكون نسخة مناسبة لهم؟ كنت دائمًا أعيش بين فكرتين لا تكفّان عن المنازعة . فكرة تقول إن على المرء أن يثق بصوته الداخلي، أن يتبع حدسه، أن يتحرك بثبات نحو رؤيته الخاصة للحياة، دون أن يعتدي على أحد، ودون أن يختنق من أ...

سيرة مخمور يفكر بوضوح

كثيرًا ما أشعر أنني أعيد تدوير الحياة كعلبة صدئة، أعيد طيّ التجارب مثل ورق لا ينتهي، ألوّن الوجع بألوان أخرى ثم أعود فأبكي بنفس الدمع. كأن القدر لا يملّ من وضع نفس العقدة في طريق كل محاولة جديدة للخلاص. وبدل أن أهرب، أجدني أركض في دوائر أوسع فقط… لكنها لا تزال دوائر . ومع ذلك، الليلة مختلفة. الليلة لا أبحث عن مبررات ولا عن حكم جاهزة. الليلة أكتب لأن هناك شيئًا يتململ في صدري، يريد أن يصعد إلى السطح قبل أن أخون شجاعته غدًا. أكتب لأن السكر يعطيني الحرية التي يخافها عقلي في وضوحه، ولأن الحقيقة — مهما كانت فوضوية — أجمل من الصمت المحترم . أريد أن أتوقف هنا، عند امرأة صنعت لي قلبًا لا يزال يعرف العودة إلى الحب حتى لو تعثر. أمي… صوتها الذي يأتيني عبر تطبيق بارد، يضيء داخلي كنافذة قديمة في بيت طفولتي. أحب كيف تقول كل شيء ببساطة: “انت بخير”، كأنها تعقد صُلحًا خفيًا بيني وبين العالم. تسجيلاتها ليست رسائل… إنها ضوء. ومن يملك الضوء، يملك طريقًا دائمًا، حتى لو تأخر في السير . ثم هناك هؤلاء الذين سكنوا القلب بلا عقد ولا نصوص اتفاق: أحببتهم كطقس قديم، كدين لا يطالبني بشيء سوى الإخلاص. ربما لم ...

ما أخبارها الحياة؟

أسألها كما لو كانت امرأة غامضة تقف عند نهاية شارعٍ طويل، تبتسم بسخريةٍ وتشير بيدها إلى طريقٍ لا أعرف أين يقود. كأنني أبحث عن إشارتها، عن سرّها، عن كلمةٍ واحدة تقولها لتبرّر كل هذا الدوار الذي نحمله في صدورنا. كم يبدو الأمر عبثيًا… نعم، لكن ما أجمل هذا العبث حين يصبح سلاحًا ضد الصمت ! ما أخبارها الحياة؟ هل تضحك الآن من كثرة ما نفتّش في جيوبها عن معنى؟ هل تراقب خطواتي الأولى بعد أن مزّقتُ الخرائط القديمة، وتركتُ خلفي كل زاويةٍ ضيقة كنت أظن أنّني أنتمي لها؟ هل هي فخٌّ أم فرصة؟ أم لعلهما معًا بشكل مدهش وموجع؟ لقد حاولتُ طويلًا أن أبقى عند حدود تجربتي، أن لا أمدّ يدي نحو الأسئلة الحارقة… لكن ألمي كان أكبر من قدرتي على الصمت، وفضولي أقوى من كل وصايا الخوف. كيف لا أهبّ كالريح إذا سمعت همسًا في داخلي يسأل: «من أنت؟ وما معنى ما يجري؟ » لم أستطع أن أتحمّل عار العيش دون أن أفهم ما إذا كان هذا الجسدُ لي وحدي أم هو استعارة عابرة في نصّ أكبر من كل أحلامي . أنا أعلم حجم المخاطرة … منذ اللحظة التي أغلقتُ فيها باب المسجد خلفي، لا بغضًا ولا تمرّدًا، بل بحثًا عن إيمانٍ يشبهني ويُشبه عطشي الأب...

طفلٌ لم يعد في داخلي كما كان

  في مساءٍ لا أعرف من أين جاء، وجدت نفسي أحاول أن أجيب—هكذا ببساطة—عن أسئلة تركها مدير المدرسة، ومعلم الصف الثاني، وكلّ الذين مرّوا بالقرب مني في تلك السنوات التي صارت الآن ضبابًا خفيفًا. كأنني دخلت غرفة قديمة لم تُفتح منذ زمن، وما إن حاولتُ أن أتحدث بصوت الطفل الذي كنتُه، حتى اكتشفتُ أنه لم يعد بإمكاني استدعاؤه. لقد ذهب. صوته تلاشى. وحتى دهشته الأولى لم تعد تملك تلك اللمعة التي كانت تُربكني وتحميني في الوقت نفسه. سنة بعد سنة، أدركتُ أن الزمن لا يعيد أحدًا كما كان، وأنني مهما حاولت فلن أستطيع أن أرجع إلى ذلك الصوت الصغير الذي كان يخجل من كل شيء إلا من أحلامه . وفي الحبّ… آه، الحب. كلما حاولتُ أن أفهم ما حدث لي في تلك التجربة القديمة، أشعر كأنني أغوص في حفرة لا أعرف إن كانت ستوصلني إلى نور، أم ستزيدني عتمة. أحببتُ من قلبي، من مكان عميق جدًا، مكان لم أكن أعرف أنه قادر على هذا القدر من الانفتاح والخوف في اللحظة نفسها. واليوم، حين أحاول الكتابة عنه، أشعر كأنني أعيد ترتيب قلبي حجرًا حجرًا، وأتساءل: هل كنت أبحث عن الحب حقًا، أم كنت أبحث عن جزءٍ ضائع مني؟ لا أعلم. كل ما أعلمه أنّ كل محا...

حكاية الإنسان الذي لم يؤمن

أجلس أحيانًا كمن يطلّ على العالم من مرتفعاتٍ غير ثابتة . كلّ ارتفاع يمنحني زاوية مختلفة، وكلّ زاوية تُغيّر شكل الوجود من حولي، حتى أظنّ أن الكون ليس حقيقةً واحدة، بل احتمالات كثيرة أراها بتبدّل حال الوعي فيّ . في بعض اللحظات أرى الحياة متماسكة، كأنها خيوط سرٍّ عظيمٍ متشابكٍ بعناية، وفي لحظاتٍ أخرى أراها عبثًا جميلًا، كلوحةٍ لم تكتمل بعد، وكلّ منا يضع فيها لونًا ثم يمضي . لقد تعلمت أن أرى نفسي من مستوياتٍ متناقضة — مرةً بعمقٍ يقترب من جوهر الأشياء، ومرةً بسطحيةٍ تثير السخرية من ذاتي . أستطيع أن أتبنّى نظرة الآخر إلى العالم، أن أسكنها، أن أرى من خلالها تفاصيل لم أنتبه لها، ثم أعود إلى نفسي فأرفضها، كمن خلع جلدًا لا يشبهه . أنا هذا التناوب المستمر بين الامتثال والتمرّد، بين الإيمان المؤقت والشكّ الأبدي، بين الاندماج في الرؤية العامة والرغبة في الانفصال عنها . ولعلّي الآن، بعد مسافاتٍ طويلة من التيه، صرت أوقن أن السؤال أثمن من الإجابة . ما عدت أبحث عن “حقيقة كبرى”، بل عن اتساقٍ داخليّ يسمح لي أن أعيش وأنا أعي هشاشتي . لقد انتهى زمن الدهشة الأولى، وبدأ زمن الصراحة مع النفس : أن ...

حواريات مارتن و كارل: ظل حكيم

  المشهد: مقهى هادئ على شرفة تطل على شارع مزدحم في المدينة، الضوء الدافئ يتسلل بين النوافذ، مارتن وكارل يجلسان على طاولة خشبية قديمة، الأكواب بين أيديهما، صمت ممتد قبل أن يبدأ الحوا ر. مارتن : يا كارل… إنني حقًا لا أفهم ماذا يجري في روح حكيم. أحبه… نعم، أراه… أراه عالقًا، كأن شيئًا ما يوقفه عن كل شيء: قراراته، حريته، اختياراته. كأن الحياة تمشي أمامه، وهو واقف، يراقبها من بعيد. كيف ترى الأمر، وأنت ربما أقرب إليه مني؟ كارل : (يتنهد، يعبث بفنجان القهوة بين يديه) يا مارتن… كم مرة قلت لك، تعجب بكل شيء إلا بحكيم نفسه. أنت تعرف أنه بدأ حياته بانفصال كامل عن قواعد الحياة الاجتماعية، أنه كبير يتبع حدسه فقط… لا أحد يفرض عليه شيء، حتى هو نفسه أحيانًا. هناك تفاصيل كثيرة، تجعل متابعة حياته، وهو الآن في سن الثلاثين، واضحة لمن يراقب بصمت. دعك من دهشتك التي لا تأتي بتحليل حقيقي، ربما بالكثير من الأحكام المتسرعة . مارتن : أفهمك، يا كارل… لكن، أليس من مسؤوليتنا أن نساعده؟ أن نقف بجانبه، أن نحاوره، أن نفتح له نوافذ جديدة، لتحرره من كل ما يجعل حياته ركب رمال، مخنق… أحيانًا أشعر أن كل شيء بدا...

في وجهي وجوه أخرى

  ما هذا الإنسان الذي أراه في كل مرة بشكل مختلف؟ كأنه يتغير في صمت، يكبر أو يشيخ دون أن ينبهني، دون أن يرسل لي إشارة صغيرة تقول: “أنا هنا، وأنا آخر نسخة منك.” لولا مرايا الحمام، أو المرايا المنتشرة في واجهات المحلات وفي أبواب المدينة التي أمشي فيها كل يوم، لما أدركت أنني أواجه نفسي، أو بالأحرى نسخاً متعاقبة مني، كل نسخة تحمل رواية لم تُكتب بعد، وكل وجه يحمل توقيع الزمن . أحياناً أكتشف في وجهي شيئاً يشبه أبي، وعند لحظات أخرى أرى صدى أجدادي في ملامحي، كأن روح الماضي تتسلل إليّ، تهمس في أذني بأصوات لم أسمعها من قبل، لتخبرني أني لم أخلق في فراغ، وأنني وريث حكايات لم أختبرها مباشرة، لكن تأثيرها يتسلل في الدم، في العظام، في كل حركة صغيرة، كما لو أن الجينات نفسها تمارس لعبة سرية معي. أهي حرب الجينات؟ أم هي مجازفة الزمن مع الروح؟ لا أعرف . أكتب، وأنا أكتب لألا أخذل الوعد الذي قطعته على نفسي منذ صغري، الوعد بأن لا أتوقف أبداً عن الكتابة، حتى حين يلتبس العالم ويضيع الطريق، حتى حين يختلط العجز بالحنين، وحتى حين تصبح الحياة مجرد سلسلة من اللحظات العابرة التي لا تحتمل وزن أي معنى واضح. أعود...

هوية تتشكل في العتمة

  لا أعرف كيف أكبر، أو كيف يفترض للإنسان أن ينمو وهو لا يرى معالمه بوضوح. أحياناً أشعر أنني أتحرك في الزمن أكثر مما أتغيّر، كأنني أضيف سنوات إلى عمري دون أن أضيف فهماً متماسكاً لنفسي. أكبر كمن يسير في ممر طويل، جدرانه ملساء لا تلتقط ظلي، فلا أعرف أين أقف أو أي شكل صار لي. كأن هويتي كتلة من طين رخو، أتلمّسها بأصابعي دون أن أعرف ما إذا كنت أصنع تمثالاً أم أترك الطين يعود إلى حالته الأولى في كل مرة . وفي الجهة الأخرى، يقف العالم بخزائن ممتلئة بالهويات الجاهزة؛ يمدّ إليّ نماذج مصقولة كأقنعة مسرحية: هذا القناع يناسب الموجة الفلانية، وهذا آخر يلائم الاتجاه الرائج، وآخر ينسجم مع الإطار الفكري أو الأيديولوجي الذي يلهث الناس وراءه. كل قناع يحمل صوته، لغته، طقوسه، ومعاييره. يمكن للمرء أن يختار واحداً كما يختار معطفاً في شتاء بارد، لكن حين أجرّب هذه الأقنعة لا أسمع سوى صدى فارغ، ولا أشعر سوى بانفصال بين ملامحي وما يُطلب مني أن أبدو عليه. الهوية الجاهزة مثل غرفة أضاءوها لك، لكنها لا تحمل رائحة بيتك ولا دفء الخطوات التي صنعتك . أعرف أن رحلة الإنسان هي رحلة اكتشاف، وأن الفضول يشبه تياراً يجر...

ضوء صغير في آخر التجربة

صورة
لا تفقد الأمل في الأمور الجميلة التي رأيتها وصدّقت بها حين كنت صغيرًا، ذلك الأمل الصافي الذي لم يكن بحاجة إلى سببٍ منطقي كي يُزهر في قلبك. تذكّر كيف كنتَ تؤمن بالعجائب ببساطة، كيف كنت ترى الجمال في كل شيءٍ من حولك: في حبة المطر، في وجه أمّك، في ظلّ الغصن، في ضحكةٍ صافية لا تعرف الخوف. تلك البصيرة الطفولية لم تكن سذاجة، كانت أصدق أنواع الحكمة، لأن الطفل لا يرى العالم كما هو، بل كما يمكن أن يكون. لا تسمح لثقل الأيام أن يطفئ ذلك النور القديم فيك . لا تخف من التجارب التي دفعتك الحياة نحوها دون إنذار. ربما وجدت نفسك في منتصف طريقٍ لم تختره، أو أمام بابٍ لم تنوِ فتحه، ومع ذلك سرتَ فيه لأن شيئًا فيك قال: “جرّب.” لا تُحاسب نفسك على دافعك الغامض إلى الاكتشاف. أحيانًا نحن لا نعرف لماذا نفعل ما نفعل، لكننا ندرك بعد حينٍ أن تلك الخطوة التي خفنا منها كانت ضرورية، وأن تلك اللحظة التي ظننّاها ضياعًا كانت في الحقيقة إشارة إلى طريقٍ جديد . ولا تخف من الندم، فهو وجه آخر للوعي. أن تندم يعني أنك نضجت، أنك بدأت تفهم معنى الاختيار، وأنك لم تعد تكتفي بالعيش على السطح. دع الندم يمرّ من خلالك، لكن لا تجعله ي...

من تطوان إلى أزرو: مسافة المعنى

صورة
أزرو، التقط الصورة كارل جبران صباحُ أحدٍ جميل، ناعم الضوء، تُغنّي فيه العصافير كما لو أنّها تفتتح نهارًا جديدًا للعالم. الهواء باردٌ قليلًا، يحمل بقايا الندى فوق النوافذ والطرق الضيّقة. أحتسي قهوتي ببطء، وأتأمّل ما مرّ من أيامٍ مختلفةٍ عشتُها في الأسابيع الأخيرة، كأنها فصول قصيرة من كتابٍ واحد، يبدأ من تطوان وينتهي بي اليوم في طنجة. قبل أسابيع قليلة فقط، كنت في تطوان، مدينة بيضاء عند خاصرة الشمال، تُشبه أنثى تتزيّن بالماء والضوء. كانت بداية الأسبوع الأول من عطلتي آنذاك، ومع كل صباحٍ فيها كنتُ أكتشف شيئًا جديدًا: لونًا على جدارٍ قديم، ابتسامة في وجه بائعٍ عجوز، أو موسيقى بعيدة تنساب فيها أفكاري وأتذكر متاعب الجنوب الشرقي. كنت أمشي بلا هدف محدد، أترك قدميّ تختاران الطريق بين الأزقة الضيقة. هناك، في ظلّ الجدران الزرقاء، كانت الحياة تنبض بإيقاعٍ بطيءٍ ومحبّب، لا شيء فيه يُشبه المدن الصاخبة ، أقربها طنجة، أبعدها الدار البيضاء. زرتُ المتحف، تنفّست عبق التاريخ، تجوّلت في الحدائق، جلستُ تحت شجرةٍ في الحيّ الإسباني أراقب وجوه الناس... كان في الهواء شيء من الهدوء القديم، كأن المدينة تتنفس ...